الفساد... من يستفيد ومن يخسر؟

للفساد في لبنان ألف عنوان وألف طريقة، وجماهير عريضة تظن أنها تستفيد في تأمين مصالحها من خلال الرشوة، فيما هي التي تدفع الثمن فعليا ومعها كل الناس في نهاية المطاف. هذا الكلام يأتي بعد مشاهد الكوارث الطبيعية التي ضربت مناطق في قضاء كسروان.

فعند كل شتاء يضرب الطوفان طرقات لبنان ويجد اللبناني نفسه وسيارته أسير برك مياه لم تستطع المجاري أن تصرفها، وهذا لأن البلديات على حد قول المسؤولين كما وزارة الأشغال لم تقم بتنظيفها تحسبا لهطول الأمطار، ولكن ما جرى في منطقة كسروان وبلداتها مؤخرا لم يكن مجرد تقاعس بلدي وتنظيف مجاري المياه.

المشاهد التي تابعها اللبنانيون في بث حيّ من منصات التواصل الاجتماعي غريبة بعض الشيء إذ إن المياه لم يكن لها مسار نحو البحر إلا الطرقات، فدخلت المنازل والمحال التجارية المتواجدة على جانبي الطريق وجرفت السيارات ومن بداخلها لتصطدم بعضها ببعض كأحجار الدومينو وشلت الحياة في بلدات كسروان بالكامل طوال ساعة ونصف الساعة تقريبا.

كل الجهات المعنية حاولت في نهاية المطاف رفع الملامة عنها. وبلديات المنطقة لامت الطبيعة التي رفعت من منسوب تساقط الأمطار أضعافا، مقارنة مع العام السابق، الرأي العام لام وزارة الأشغال، أما وزارة الأشغال فقد لامت وزارة الطاقة ووزارة الطاقة لامت البلديات.

ليس هناك إحصاء رسمي للخسائر إنما وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة أي رقم هو كارثة بالفعل على المواطن الذي تأذى جراء هذا الطوفان.

وبعيدا عن الملامات وتحميل المسؤوليات فقد اتضح أن أحد أهم أسباب هذا الطوفان تعود إلى التعديات على المجاري الطبيعية للأنهار. أي إن هناك جهة أعطت تراخيص بناء في مناطق لا يمكن أن يُبنى عليها، لأن من شأن تلك التعديات أن تقود إلى كوارث طبيعية كالتي شهدتها مناطق كسروان. وحجم الكارثة يشير نوعا ما إلى كمية التعديات الكبيرة.

هذه الجهة التي أعطت التراخيص ربما تكون قد قبضت رشوة وقد تكون اشترت ذمم الناس عند الاستحقاقات الانتخابية، وفي الحالتين النتيجة واحدة، الضرر يلحق الجميع، من يقدم رشوة ومن يرتشي والمواطن العادي الذي لا ناقة له ولا جمل.

ونحن نتكلم عن واقعة واحدة أدى الفساد فيها إلى تلك النتيجة. فيما هناك وقائع أخرى لفساد أفضى إلى نتائج سلبية طالت الجميع. أهمها من دون أي شك فساد إدارة الملف المالي الذي أدى إلى إفلاس معظم اللبنانيين إضافة إلى ملفات الكهرباء والسلامة المرورية والأدوية.. إلخ.

كل ما سبق يعرفه اللبنانيون أو أكثرية اللبنانيين جيدا ويتحدثون عنه وفيه، عندما يجتمعون، ولكن تلك المعرفة للأسف تتبخر عندهم عندما يحين موعد الانتخابات سواء كانت بلدية أو نيابية. فيعود رئيس البلدية نفسه ويعود النواب أنفسهم مع تعديلات طفيفة وتتكون نفس الكتل وينسى اللبنانيون السبب في بلائهم وراء الستار العازل.

إذن النتيجة التي تترتب على عمل شخص ما في المجال البلدي أو التشريعي لا تبدو أمرا مهما يستحق التوقف عنده عند الناخب اللبناني. لأن المحاسبة في بلد يقوم على التوازنات الطائفية ممنوعة من الصرف. فمحاسبة شخص ما عن إهماله أو فساده يعتبر بشكل تلقائي اعتداء الشخص المعني مجرد ممثل لمنصب يعود إلى طائفة ما وبالتالي فإن المحاسبة تعني اعتداء على الطائفة. من هنا مثلا وُضع خط أحمر على إسقاط الرئيس لحود في الشارع غداة اغتيال الرئيس الحريري وقيام مظاهرات ضخمة في بيروت تطالب بإسقاطه من قبل البطريرك الماروني لعدة حسابات تتعلق تحديدا بالنظام الطائفي. وهذا الأمر ينسحب على كل الاستحقاقات الأخرى من بلدية إلى نيابية. المحاسبة حتى في صناديق الاقتراع ليست محبذة، فمن يمثل «كرامة»الطائفة لا يسقط مهما كان أداؤه سيئا.

في نهاية المطاف من يستفيد ومن يخسر جراء هذا الأداء؟

يستفيد الزعيم وحاشيته لأنه فوق المحاسبة ويدفع الثمن الشعب لأنه لا يريد أن يحاسب. وما دام أداء الناخب غير مرتبط بنتيجة خياراته فإن الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية ستلاحق لبنان ومعظم اللبنانيين.