القارة الأفريقية في بؤرة الأطماع الدولية

بفضل ما تتوفر عليه من ثروات وخيرات في باطن الأرض وفوقها أسالت القارة الأفريقية دوما لعاب القوى الدولية الكبرى، التي تسابقت وتنافست، بل وتقاتلت من أجل الحصول على موطئ قدم فيها إما بالاستعمار المباشر للقسم الأعظم من بلدانها، وإما في شكل عقود حماية وانتداب جرى إقرارهما تارة باتفاقيات إذعان تم فرضها بالقوة على السلطات المحلية، وطورا باستصدار قرارات من مؤتمرات ومنظمات دولية أو بإبرام معاهدات لتقاسم النفوذ فيما بينها.

ورغم حصول كافة البلدان الأفريقية على استقلالها واستكمال وحدتها الترابية ما تزال محط أطماع العديد من القوى الأجنبية، وتحتل مكانا بارزا في استراتيجيات كافة الدول الكبرى حاليا والدول الصاعدة اقتصاديا وتكنولوجيا أيضا، والتي دخلت غمار تنافس حاد لتأمين مصالحها الحيوية، وتوسيع دائرة نفوذها، والحصول على أكبر قدر ممكن من الإمكانيات المتنوعة والهائلة المتوفرة في معظم دول القارة السمراء.

وأمام استحالة عودة الاستعمار المباشر في الظروف الدولية الراهنة، فإن معظم القوى الطامحة إلى نفوذ في أفريقيا والطامعة في الاستفادة من ثرواتها تفننت في إيجاد أساليب جديدة ومبتكرة للوصول إلى غاياتها يمكن رصد أبرزها فيما يلي:

* تكثيف التعاون الثنائي مع الدول المعنية، وذلك بمضاعفة إبرام الاتفاقيات المتنوعة معها، وكذا التودد إليها بضخ استثمارات أو فتح الأسواق لمنتجاتها، ناهيك عن إغرائها بتقديم مساعدات تنموية، وتمويل العديد من منشآت البنية التحتية كالملاعب الرياضية والمؤسسات التعليمية والصحية وغيرها إما كهبات أو بقروض ميسرة، إضافة إلى تخصيص منح دراسية لطلابها، وتأهيل الكثير من كوادرها دون إغفال عامل شراء ذمم بعض زعمائها. 

* تأطير التعاون في نطاق منتدى جماعي شامل من خلال الاتحاد الأفريقي كمنظمة إقليمية، لدرجة أضحى معها هذا الشكل الذي فطنت إليه القوى الاستعمارية الغربية مبكرا نموذجا يحتذى من طرف كافة القوى الكبرى والصاعدة المتعطشة للاستفادة من الثروات الأفريقية وضمان حصة معتبرة منها. لهذا لم يعد هذا الشكل التعاوني محصورا في نموذج «فرنسا/ أفريقيا»، وإنما تبناه الاتحاد الأوروبي أيضا، وحذت حذوه الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا والصين واليابان والهند وتركيا والبرازيل.

* التلويح باستخدام القوة عند الحاجة، وبعد استعصاء النفاذ بأساليب الإغراء. وقد تحول التلويح إلى تهديد فعلي في حالات كثيرة إما بالتدخل المباشر لإزاحة بعض الأنظمة عن السلطة، أو المساعدة في تنظيم انقلابات عسكرية ضدها، أو المشاركة في زعزعة أمنها واستقرارها وتمزيق وحدة ترابها بزرع جماعات إرهابية، ومجموعات المرتزقة فيها.

إن هذا التفصيل للأساليب المستخدمة، والفصل فيما بينها لا يعني بالضرورة أن القوى العظمى والصاعدة اكتفت بتطبيق واحدة منها فقط. ففي سياق تنافس محتدم حول امتلاك أكبر نفوذ ممكن في القارة السمراء لم تتورع الدول المعنية في استعمال أسلوبين على الأقل من الأساليب المذكورة، بل إن بعضها لم يتردد كذلك في استخدام كافة تلك الأساليب في آن واحد، وبشكل متزامن.

وإذا كانت بعض القوى المنفتحة على الدول الأفريقية بعد نيل استقلال هذه الأخيرة كاليابان والهند والبرازيل اقتصرت على استخدام الإغراءات الاقتصادية والتجارية والثقافية في إطار ثنائي وفي نطاق المنتديات الجماعية، فإن القوى العظمى كأميركا وروسيا، إضافة لتلك التي استعمرت فيما مضى أجزاء من القارة كانت تجد دوما المبررات مهما كانت واهية لتأمين حضورها العسكري، وبشتى الأشكال عندما تتطلب مصالحها العليا ذلك.

وفي هذا الإطار الخاص باستخدام القوة الخشنة تم رصد تنوع في الأساليب التي لجأت إليها بعض القوى العظمى. فالقوى الاستعمارية السابقة، عملت قبل الجلاء من مستعمراتها ليس فقط على ربط اقتصاديات تلك الدول الناشئة باقتصادها، بل وبعملتها أيضا، كما فعلت فرنسا، وإنما أقامت قواعد عسكرية تحت غطاء التعاون استفادت من وجودها في عدة حالات للقيام بانقلابات عسكرية ضد الأنظمة التي حاولت كسر طوق الوصاية عليها.

ورغم ارتفاع الكلفة المالية والسياسية لإقامة القواعد العسكرية، ولضمان استمرار عملها، ولبعض التدخلات العسكرية، فإن الحضور المسلح بالقارة السمراء بات بالنسبة للقوى الكبرى أمرا ملحا رغم فاتورته الباهظة. وللتوفيق فيما يبدو بين حتمية تأمين تواجد أمني وعسكري مساعد للتحرك الدبلوماسي والاقتصادي، وبين ضرورة تقليص فاتورة هذا التواجد اهتدت بعض القوى الدولية المتعطشة للخيرات الأفريقية إلى ممارسات نوعية جديدة أهمها:

* غض الطرف عن عدد من الأنظمة المنبثقة عن الانقلابات العسكرية، ومواصلة التعامل معها بدلا من نبذها كما كان قد تقرر منذ مطلع الألفية الحالية.

* التواطؤ بشكل سري مع عدد من التنظيمات الانفصالية أو الإرهابية، بل وتسهيل تنقل أفرادها وتأمين الدعم اللوجيستي وأحيانا الغطاء السياسي لتوسيع رقعة تحركاتها أملا في استغلالها فيما بعد كأوراق ضغط وشوكة في خاصرة الأنظمة التي قد لا تتجاوب مع رغبات القوى الدولية المعنية.

* تأمين نشر مجموعات المرتزقة المرتبطة مباشرة أو بطريق غير مباشر مع بعض القوى الدولية وعدة دول إقليمية كمجموعة بلاك ووتر، وخاصة مجموعة فاغنر التي بات حضورها في القارة الأفريقية مكثفا، معلنا ومؤثرا في التطورات السياسية والأمنية لعدد من البلدان كما حصل في بوركينا فاسو حيث لم تنف هذه المجموعة ما راج عن دورها الكبير في الانقلاب الأخير.

في ضوء هذه المعطيات من المرجح تصاعد وتيرة التسابق الدولي المحموم على تأمين الحضور الفعال في القارة الأفريقية، خاصة بعد أن تزايدت أهميتها كمصدر بديل وواعد للغاز الروسي. فهل سيقبل الأفارقة أن تتحول قارتهم إلى ساحة حرب باردة جديدة، وكعكة سهلة الهضم؟

لا شك أن نخب القارة السمراء كلها تدرك مغزى المثل الأفريقي المأثور: «إذا اتحد أفراد القطيع نام الأسد جائعا».