حرب الضحايا على الضحايا

فيديوهان انشغل بهما السوريون على وسائل التواصل الاجتماعي، كما شغلا الإعلام في الأسبوع الفائت، الفيديو الأول لممثل سوري يدعى وضاح حلوم، يناشد فيه رئيس النظام السوري بشار الأسد بسبب سوء الأوضاع المعيشية، ابتدأ كلامه بعبارة «سيدي الرئيس»، قائلا: «سيدي الرئيس باترجاك، أرجوك، صار الوضع لا يطاق، لا يحتمل، فوق طاقة البشر، أرجوك يا سيدي الرئيس معد قدرانين لا ناكل ولا نشرب، ما عاد قدرانين نطلع من بيوتنا»، مضيفا: «معد قدرانين نتحرك، انعدمت المواصلات، انعدم الأكل والشرب، الكهرباء معدومة من زمان».

الفيديو الثاني لطفلة سورية لم تبلغ 8 سنوات في مخيمات النزوح داخل سوريا، تشكو شعورها بالبرد والجوع بعد رحيل والدها، تستذكر إحساسها بالدفء قبل مقتله قائلة وهي تحاول مسح دموعها: «قبل ما يموت، أنا بابا شهيد، كان عنا على طول حطب، كنا دفيانين على زمن بابا». وتسأل: «شو ذنبنا نبرد». وينتهي الفيديو بتمني الطفلة أن تذهب لوالدها، تتمنى الموت لتنتهي مأساتها مع الجوع والبرد.

الفارق بين الفيديوهين شاسع جدا، وإن كان الاثنان يعكسان حالة الحرمان التي يعيشها السوري، السوريون الذين يعيشون مأساة مستمرة منذ أكثر من 11 عاما، المأساة التي جعلت أطفالا يتمنون الموت بسبب الحرمان، كان حلوم وأمثاله شركاء فيها.

حرب نظام الأسد على السوريين التي بدأت يوم طالبوا بأبسط حقوقهم، طالبوا بكرامتهم وحريتهم، ومن ينسى صرخة مواطن سوري عام 2011: «أنا إنسان ماني حيوان»، حرب لم يدع النظام وسيلة إلا واستخدمها ضدهم، اعتقال وتعذيب وقتل، براميل متفجرة وسلاح كيماوي، شعب أكثر من نصفه بات مهجرا، وبينما كان النظام والميليشيات المقاتلة معه يرتكبان كل هذه الجرائم بحق السوريين وأكثر، كان وضاح حلوم وعدد كبير من زملائه لا يلتزمون الصمت فقط، بل ما كانوا يتركون فرصة إلا وعبروا فيها عن تأييدهم لحرب بشار الأسد على السوريين.

على أحد التلفزيونات السورية الموالية، تظهر مراسلة سورية تقابل رجالا كبارا في السن في الطريق، وتسألهم عن أكلتهم المفضلة ومتى آخر مرة استطاعوا تناولها؟ رجل عجوز يبكي أمام الكاميرا، يريد أن يأكل شاكرية (أكلة سورية عبارة عن لحم وبصل ولبن)، ولكنه لا يستطيع بسبب الوضع الاقتصادي والمالي. تضحك المذيعة بدل أن تبكي على الحال الذي وصل له السوريون.

كل شيء يعيد إلى الذاكرة صور الأطفال في مضايا يوم حاصرها نظام الأسد وميليشيا حزب الله اللبنانية، كانوا يأكلون أوراق الشجر من شدة الجوع، صور أطفال ومسنين تحولوا يومها إلى هياكل عظمية من شدة الجوع والعطش كانت مادة للسخرية والابتهاج عند بعض مؤيدي الأسد.

صور المحاصرين في مخيم اليرموك يوم سمح بشار الأسد لأول مرة بإدخال بعض المساعدات الغذائية لهم، من يستطيع نسيان هذه الصور؟ ومن يستطع نسيان أن هناك أكثر من 200 إنسان ماتوا جوعا داخل المخيم؟ يومها كان البعض يحتفل بمأساة السوريين والفلسطينيين المحاصرين وموتهم.

سوريون اختاروا أن يثوروا ضد نظام الأسد، آخرون فضلوا الصمت وهو حق مشروع إذا ما أردنا أن نتحدث عن حرية الرأي، وازدادت نسبة الصامتين مع تزايد إجرام نظام الأسد والميليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية والأفغانية، ومع الفشل الذريع في أداء المعارضة ودخول المتطرفين، ومع تخاذل الأمم المتحدة عن فرض حل ينهي مأساة السوريين، ولكن لا ننسى أن هناك من كان يؤيد الجريمة ويحتفي بها، كيف يمكن أن ننسى من اعتبر أن المعتقلين السياسيين يستحقون أكثر مما شاهدناه في صور قيصر؟ وأن أطفال الغوطة يستحقون الموت اختناقا برائحة الكيماوي؟ وأن حمص تستحق كل ما لحق بها من دمار؟ وغيره.. وغيره.

اليوم أصبحت المأساة أشمل، باتت تطال الجميع، في مناطق النظام، كما في مخيمات النزوح واللجوء، الجميع بات يدفع ثمن تعنت بشار الأسد وتمسكه بالسلطة، فمأساة السوريين سببها بشار الأسد؟ أو ليس هو رئيس الدولة؟ أو ليس من واجباته حماية السوريين وتأمين كل وسائل الحياة الكريمة لهم؟ أصبح الإحساس بالجوع والبرد مرادفا لكلمة سوري، ولكن هناك سوري يتمنى الموت، وسوري يبكي متعاليا على مأساته وعجزه وهو في الحقيقة عجز الدولة، وهناك سوري يتذلل ربطة الخبز من «سيده الرئيس».

والمؤسف في جميع الحالات أن نهاية هذه المأساة لا تبدو قريبة، وقد تطول لأعوام طويلة، فلا إرادة دولية لفرض تطبيق القرارات الدولية وأولها بيان جنيف واحد، والقرار 2254، ولا إرادة سورية حقيقية لوضع حد لمأساة السوريين يضمن العدالة أولا، ولكن ألا يحق لأهالي الضحايا أن يطلبوا اعتذارا ممن شمت يوما في موت أبنائهم جوعا ومرضا وبردا قبل أن يطلب منهم اليوم أن يتعاطف مع أزمته المعيشية؟

يقول مارتن لوثر كينغ إن أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يقفون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية الكبرى، وهل من معركة أخلاقية أكبر من الوقوف مع الضحية ضد الجلاد، مع الحرية ضد الاستبداد؟ ورغم ذلك فمن الوارد أن يتصالح السوريون مع من وقفوا صامتين لأنهم قد يكونون مرغمين، لكن كيف يتصالحون مع من وقف مع الجلاد صراحة؟

المصارحة شرط أساسي للمصالحة، ولا أقصد المصالحة مع الأسد وكل من ارتكب جريمة بحق السوريين، فهذه المصالحة غير واردة لا سياسيا ولا أخلاقيا مهما حاول البعض واهما القول بأن السوريين سينسون جرائم الأسد في حقهم مع الوقت، ولكن الوارد هو المصارحة بين أبناء الشعب الواحد، وهي مطلوبة علهم يستطيعون يوما أن يتصالحوا.