أسود الأطلس بين الرياضة والسياسة

لطالما تركت السياسة بصمات خفية في الرياضة، خاصة مع البطولات الكبرى، كبطولة كأس العالم في كرة القدم، اللعبة الأكثر شعبية في العالم. فغالبا ما يحضر رؤساء الدول افتتاح البطولات ولاحقا الأدوار النهائية، خاصة إن كان فريقهم جزءا منها، ويعتبر الانتصار بالكأس إنجازا وطنيا جديرا بالاحتفال الشعبي. وقد رأينا استغلال بعض الدول تنظيم الدورة لأغراض سياسية كما حصل في مونديال الارجنتين عام 1978، حيث إن نظام الجنرالات القمعي (اتهم بإخفاء وقتل آلاف المعارضين) القائم في بوينس أيريس كان يريد تلميع صورته باستغلال هذا الحدث العالمي.

الاستغلال في العواطف الوطنية والأمنية وحتى الدينية موجود بشكل أو بآخر وهو يفعل فعله بالجماهير التي تناصر هذا الفريق أو ذاك فتخلق حالات تشنج قد تنتهي بجولات عنف. وهذا التشنج قد يكون مجرد مشاكسات بسيطة في ساحات عامة وصولا إلى أعمال عنف موصوفة كما حصل من المشجعين الإنكليز المعروفين بـ«الهوليغنز»في ثمانينات القرن الماضي إذ شهدت الملاعب والمدن الأوروبية عدداً من الأحداث المأساوية والمرعبة جراء الاعتداءات الجسدية التي كانت تقوم بها تلك المجموعات على مشجعي الفرق المنافسة.

مناسبة هذا الحدث تعود إلى أداء فريق المغرب الممتاز في بطولة كأس العالم حيث إن نتائجه الباهرة وتفوقه على فرق أوروبية عريقة ومن ضمنها إسبانيا أطلقت العنان لكثير من المشاعر خلطت بين السياسي والتاريخي والإثني والديني وكرة القدم.

وكان قد أعقب كل انتصار لفريق المغرب احتفالات في عواصم العالم كما شاهدنا في نيويورك مثلا وباريس، حيث استتبعت ببعض من أعمال الشغب في ساحة الشانزليزيه. طبعا هذا لا ينفي عن فريق المغرب امتياز في الأداء ولا عن المغرب والأعم الأغلب من جمهوره رقيهم في تشجيع فريقهم الوطني.

الواقعة بين فرنسا والمغرب فيها كثير من هذا الخليط الغريب بين ما هو اجتماعي ديني وما هو كرة قدم ومنافسة رياضية بين فريقين. أولا للتاريخ الذي يجمع البلدين منذ أيام الانتداب والعلاقات الاجتماعية بين الشعبين حيث إن هناك أعدادا كبيرة من مواطنين فرنسيين من أصول مغربية، وهذا يعقّد نوعا ما موضوع التشجيع بين بلد الهجرة والبلد الأم.

على كل الأحوال نتائج وأداء فريق المغرب ألهب حماسة الدول العربية والأفريقية حيث إن هذا الفريق برهن أنه يستطيع أن يحجز له مقعدا بين الكبار وأن الأداء الاحترافي لكرة القدم ليس أبدا حكرا على نادي الكبار فقط، مما جعل الجماهير العربية والأفريقية تشعر بالفخر والاعتزاز. وهذا أمر طبيعي ولا يجب أن يكون مستغربا أبدا. فما فعله المغرب يفتح الباب أمام ازدهار كرة القدم في أكثر من قارة وبلد وتعطي الأمل للأجيال الصاعدة بعدم وجود مستحيل في الرياضة وان الموهبة مع العمل الجاد والملتزم يستطيعان أن يوصلا إلى القمم.

هناك الشعبوي من الطرفين الذي سيستغل بشكل أو بآخر الحماسة التي رافقت المغرب وأداءه وسيعمد إلى خلط السياسة بالرياضة لأهدافه الضيقة والخاصة، في البال اليمين المتطرف الفرنسي من لوبان إلى زيمور اللذين ستكون مواقفهما غاضبة وعنيفة تجاه أعمال فتية أخذتهم الحماسة أبعد مما هو مسموح قانونا، وسيخرجون على الإعلام يسألون عن حقيقة انتماء الفرنسي المغربي وسيشككون في وطنيته طبعا فيخلطون بطريقة سخيفة ومبتذلة بين الرياضة وموضوع الهوية الفرنسية. وبهذا لن يحيدوا عن سياستهم الشعبوية التي تقوم على استثارة الغرائز على أنواعها.

أما الأغلبية فقد استمتعت بفن كرة القدم وأعجبت بأداء أسود الأطلس الجميل ولهم أن يشجعوا من يريدون من دون أن يُسألوا عن انتمائهم ومن دون أن يخضعوا لفحص الوطنية. فالرياضة بالرغم من كل شيء تتعدى السياسي والإثني والديني، فالذي يحب ميسي أو مبابي أو حكيمي ليس بحاجة إلى أن يكون أرجنتينيا أو أسود أو مسلما.