القاطرة السعودية لتطوير العلاقات العربية- الصينية

بعد حوالي 5 أشهر فقط على استقبال الرئيس الأميركي جو بايدن، وتزامنا مع دور الوساطة الفعالة التي قادتها وتقودها المملكة العربية السعودية بهدوء في الحرب الروسية الأوكرانية التي تكللت مؤخرا بالنجاح في تأمين تبادل بعض الأسرى، استقبلت الرياض زعيم قوة دولية كبرى هو الرئيس الصيني تشي جينبينغ، الذي قام بزيارة رسمية للمملكة من 7 إلى 9 ديسمبر (كانون الأول) 2022، مثلت تأكيدا جديدا على أن الرياض غدت عنصرا محوريا في التجاذبات القائمة على الساحة الدولية تطلب ودها جميع العواصم العالمية الكبرى.

وقد كان لافتا للانتباه تأكيد الرئيس الصيني في المقال الذي نشره في جريدة «الرياض»السعودية على هذا الدور المحوري، الذي قال إنه يكمن فيما تجسده المملكة من أهمية كمصدر مهم للطاقة على الصعيد العالمي، وكعضو في مجموعة العشرين، إضافة إلى النجاح الذي تحققه تدريجيا في تنويع مصادر دخلها واقتصادها، وتوسيع مجال الانفتاح المجتمعي فيها، وعملها المتواصل لتنفيذ مبادراتها التنموية المختلفة بدءا من رؤية 2030 وصولا إلى مبادرة الشرق الأوسط الأخضر.

وكما هو معلوم، فإن الرئيس الصيني لم يكتف فقط بلقاء القيادة السعودية، وإنما حرص على عقد اجتماع عمل مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، أشارت المعلومات المتوفرة عنه إلى أنه جسد تصميم الطرفين معا على ترسيخ نمط جديد ومتميز للعلاقات بينهما، والتي تعرف نموا مطردا للتبادل التجاري بلغ في السنة الماضية حوالي 232 مليار دولار، فيما استقطبت الدول الخليجية استثمارات صينية تفوق 15 مليار دولار تقدر بنسبة 71 في المائة من حجم استثمارات بكين في العالم العربي، فضلا عن ترؤسه إلى جانب خادم الحرمين الشريفين قمة عربية صينية هي الأولى من نوعها، شكلت بالمستوى الرفيع للذين حضروها مثالا بارزا على الدور الريادي للسعودية في عموم المنطقة.

إن زخم أنشطة الرئيس الصيني في الرياض، والنتائج التي تمخضت عنها دفعت وزارة الخارجية الصينية إلى اعتبار الزيارة أكبر حدث دبلوماسي بين الصين والعالم العربي منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، مؤكدة أنه يشكل علامة فارقة في تاريخ علاقات بكين بالمنطقة العربية، التي تشهد نموا سريعا منذ سنوات على صعيد التبادل الاقتصادي والتجاري والاستثماري.

وإذا كانت الصين ترى في هذه الزيارة علامة فارقة ونقلة نوعية في علاقاتها بالعالم العربي، فإنها شكلت بالنسبة لمعظم البلدان العربية، وفي مقدمتها السعودية، فرصة مهمة لتأكيد الاستقلالية التي تتمتع بها في عملية اتخاذ القرار السياسي الذي يخدم مصالحها، ودليلا على الرغبة التي تحدوها لتنويع شركائها الدوليين، والانفتاح أكثر على قوى دولية فاعلة، إضافة إلى علاقاتها التقليدية مع الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

وحسب المعلومات الأولية المتوفرة عن الأجواء التي أحاطت بالزيارة وما أسفرت عنه من نتائج، فالواضح أنها قد عكست بالفعل، وإلى حد كبير، هذه الرغبة، خاصة فيما يتعلق بالمستوى الثنائي للعلاقات السعودية الصينية، إذ تميزت بتوقيع 34 اتفاقية استثمارية تم تقدير حجمها بحوالي 30 مليار دولار تشمل مجالات الهيدروجين الأخضر وتكنولوجيا المعلومات، والنقل والبناء.

وكما لا يخفى على أحد، فإن الاتفاقيات المشار إليها حظيت بأهمية كبيرة، ولكن الاهتمام الدولي الدبلوماسي والإعلامي وخاصة من القوى الغربية الكبرى انصب بشكل أساسي على الأبعاد التي يمثلها إصرار الطرفين على تتويج التقارب الكبير بينهما بالتوقيع على كل من اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة، واتفاقية التنسيق بين رؤية المملكة الاقتصادية 2030، ومبادرة طريق الحرير الصينية.

ورغم حرص كل من الصين والسعودية على تأكيد أن شراكتهما المنتظرة غير موجهة ضد أحد، في رسالة ضمنية للعواصم الغربية الكبرى، وفي مقدمتها واشنطن، التي عبرت صراحة عن تخوفها مما قد تسفر عنه الزيارة، وما تحمله من إشارات دالة على وجود دعم سعودي وعربي لفكرة عالم متعدد الأقطاب التي تدعو إليها الصين، إلا أن قوة وكثافة الاهتمام بالزيارة يعود بشكل خاص إلى تشوق لمعرفة المحتوى الحقيقي للاتفاقيتين المذكورتين، اللتين تعبران عن مستجدات دبلوماسية نوعية سيكون لها لا محالة تأثير كبير، وواسع المدى يمكن رصده فيما يلي:

* إنها تعبير ساطع عن قدرة بكين على لعب أدوار بارزة خارج حدود مجالها الحيوي المعهود، وذلك من خلال النجاح في اقتحام معاقل مرتبطة تقليديا بالغرب بما يؤمن لها إمكانية الاستفادة من تطور حجم مبادلاتها التجارية مع دول المنطقة، ومن خطابها الدبلوماسي البناء، الذي لا يدعي أبدا الاستعداد للقيام بأدوار أمنية أو عسكرية بعموم الشرق الأوسط خشية إثارة حساسيات إقليمية ودولية من شأنها عرقلة مساعيها لتوسيع نفوذها التجاري والاستثماري.

* إنها رسالة واضحة عن تصميم المملكة العربية السعودية ومن ورائها معظم الدول العربية في العمل على تطوير إمكانياتها الاقتصادية والتجارية والعسكرية والتكنولوجية مع أي طرف دولي مستعد لذلك دون فرض شروط تعجيزية تمس بالخصوصيات المحلية وبالسيادة الوطنية.

لا شك أن من السابق لأوانه الحكم على نجاعة النتائج التي تمخضت عنها زيارة الرئيس الصيني للمملكة العربية السعودية واللقاءات التاريخية التي جمعته بقادة خليجيين وعرب، ولكن من الجلي أنها كانت فرصة لتسليط الأضواء على الأدوار السياسية الإيجابية التي يمكن للرياض القيام بها على المسرح الدولي بدعم من أشقائها.

لقد أثبتت الرياض أن طبيعة الأدوار دوليا وإقليميا لا تحددها الرغبة أبدا، وإنما التوفر على الإمكانيات المطلوبة لتلك الأدوار، وحسن توظيفها، والإرادة السياسية المصاحبة لها. ولذلك لا مفاجأة في تبوؤها مؤخرا دور القاطرة الفعالة لتطوير العلاقات العربية ليس مع الصين فقط، ولكن مع معظم القوى الدولية الكبرى والصاعدة.