وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني أمين سلام: الاتفاق مع صندوق النقد الدولي قد يتأخّر

أكّد لـ«المجلة» أنّه استبعد من مفاوضات خطة التعافي الاقتصادي
وزير الاقتصاد أمين سلام

بيروت: في مطلع العام 2022 قال البنك الدولي في تقريره الفصلي أن «حجم ونطاق الكساد المتعمّد الذي يشهده لبنان حالياً يؤديان إلى تفكك الركائز الرئيسية لنموذج الاقتصاد السياسي السائد في البلاد منذ انتهاء الحرب الأهلية. ويتجلَّى هذا في انهيار الخدمات العامة الأساسية، واستمرار الخلافات السياسية الداخلية المُنهكة، ونزيف رأس المال البشري وهجرة الكفاءات على نطاق واسع. وفي موازاة ذلك، تتحمل الفئات الفقيرة والمتوسطة العبء الأكبر للأزمة، وهي الفئات التي لم يكن النموذج القائم يلبي حاجاتها أصلاً، وأن الإنكار الكبير يشير إلى أن الكساد المتعمّد في لبنان هو من تدبير قيادات النخبة في البلاد التي تسيطر منذ وقت طويل على مقاليد الدولة وتستأثر بمنافعها الاقتصادية».

وقد استمرّت هذه الهيمنة على الرغم من شدة الأزمة، وهي واحدة من أشد عشر أزمات، وربما أشد ثلاث أزمات في العالم منذ خمسينات القرن التاسع عشر، وباتت تُعرّض للخطر الاستقرار والسلم الاجتماعي في البلاد على المدى الطويل. فقد أفلس نموذج التنمية الاقتصادية للبنان الذي ازدهر بفضل تدفقات وافدة كبيرة لرؤوس الأموال ودعم دولي في مقابل وعود بإجراء إصلاحات. علاوةً على ذلك، يحدث الانهيار في بيئة جيوسياسية تتّسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار، الأمر الذي يزيد من إلحاح الحاجة إلى معالجة هذه الأزمة الحادة، مشيراً إلى أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي هبط بنسبة 10.5 في المائة في 2021 في أعقاب انكماش نسبته 21.4 في المائة في 2020.

وفي الواقع، انخفض إجمالي الناتج المحلي للبنان من قرابة 52 مليار دولار أميركي في 2019 إلى مستوى متوقع قدره 21.8 مليار دولار أميركي في 2021، مسجِّلا انكماشاً نسبته 58.1 في المائة، وهو أشد انكماش في قائمة تضم 193 بلدا.

ورغم هذه التحذيرات والوضع المأساوي الذي يمر به البلد وشعبه والانهيار الشامل الذي حصل في قطاعات البلد الاقتصادية والمالية والمصرفية، لا تزال الطبقة السياسية الحاكمة تتصارع من أجل مصالحها الخاصة قبل مصالح الوطن حتى تضمن وجودها وتحافظ على نفوذها وحصتها بعد انتخاب رئيس جمهورية جديد، متجاهلة الوضع الصعب الذي يعيشه المواطن والوطن.

وزير الاقتصاد أمين سلام

 

كيف هي الأوضاع الاقتصادية وكيف بإمكان حكومة تصريف الأعمال أن تسير وسط الألغام المزروعة في طريقها، بعد اعتراض بعض القوى السياسية على انعقاد مجلس الوزراء الاستثنائي للبت ببعض المشاريع التي لها علاقة بالقطاع الصحي؟


«المجلة» التقت وزير الاقتصاد والتجارة أمين سلام وكان هذا الحوار...

 

* إلى أي مدى تأثر العمل الحكومي في ظل الشغور الرئاسي ووجود حكومة تصريف أعمال، وأين أصبحت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ولماذا استبعد أمين سلام عن هذه المفاوضات؟

- أولا بالنسبة لموضوع صندوق النقد والإصلاحات المطلوبة، فإنه يمكن ربطها اليوم بالوضع القائم في البلد إذ أن الإصلاح الحقيقي الأول والمطلوب وطنياً هو انتخاب رئيس جمهورية وتكليف رئيس حكومة وتشكيل حكومة فاعلة بكل مقوماتها لإنقاذ البلد بشكل سريع، وبصلاحيات كاملة وغيرة قابلة للاجتهاد والطعن، لكن اليوم تعطيل المؤسسات الدستورية وعلى رأسها رئاسة الجمهورية ويليها مجلس الوزراء هو مدخل لكل الحلول في البلد، والمفاوضات والاتصالات ما زالت جارية مع صندوق النقد بشكل روتيني، إنما من دون الانتهاء من إقرار الشروط المسبقة المطلوبة وتحديد موضوع توحيد سعر الصرف وقانون الكابيتال كنترول وقانون إعادة هيكلة المصارف. التقدم غير ممكن، من الممكن أن نصل لمرحلة أن هذه القوانين قد تقر في مجلس النواب، إنما من الواضح أنه من دون مؤسسات دستورية قائمة قادرة على أن تلتزم مع المنظمات الدولية وتعطي اتفاقيات على مستوى صندوق النقد الدولي يبدو أن هذا الموضوع سيتأخر، وقد ندخل الربع الأول من العام 2023 من دون أن نتوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد. المطلوب اليوم وكما قلت الإصلاح، والإصلاح الحقيقي هو إصلاح أمور البلد والمؤسسات الدستورية والبدء بأول إصلاح وهو انتخاب رئيس جمهورية، وتكليف رئيس حكومة جديد وتشكيل حكومة قائمة فاعلة تستطيع أن تعالج كل مشاكل البلد بشكل سريع، أما بالنسبة لاستبعادي عن المفاوضات مع صندوق النقد فهذه ليست المشكلة، الموضوع هو فعليا أنه لم تتم دعوتي والتشاور معي في خطة التعافي التي هي موضوع أساسي أيضا في المفاوضات مع صندوق النقد من الجانب اللبناني، ولكن بالنسبة لموضوع المفاوضات أنا كنت على تواصل وزرت واشنطن خلال الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أما بالنسبة لخطة التعافي فلم يتم التشاور معي بشكل مسؤول أو إعلامي بكل التفاصيل المتعلقة بجوانب الخطة.

 

* كيف تواجهون حالة الفلتان الحاصلة في الأسواق والناجمة عن الحديث عن الدولار الجمركي، وما هي الإجراءات التي اتخذت لمواجهة ومكافحة التخزين لبعض السلع الأساسية لبيعها بعد العمل بالدولار الجمركي، وهل تؤمن الجمارك لكم البيانات لحجم الاستيراد حتى تتوفر لكم المعطيات لمكافحة المحتكرين؟

‏- الإجراءات التي قامت بها وزارة الاقتصاد والتجارة ولا تزال لمكافحة الغش والاحتكار والتلاعب بالأسعار نتيجة وجود دولار جمركي، هدفها حماية المستهلك، وأبرز هذه الإجراءات متابعة الاجتماعات مع المستوردين والتجار وخصوصاً تجار المواد الغذائية، إذ طلبنا لوائح بالمواد المستوردة وتواريخ استيرادها لمنع الاستغلال للدولار الجمركي عن طريق إخفاء أو تخزين بضائع مستوردة على السعر القديم وبيعها على سعر الدولار الجمركي الجديد، فالرقابة مكثفة وهناك تعاون قائم بين وزارة الاقتصاد والتجارة والوزارات الأخرى، بما فيها وزارات الصناعة والزراعة والداخلية، وأيضاً هناك عمل كبير مع الأجهزة الأمنية كافة وبصورة خاصة مع جهازي الجمارك وأمن الدولة، من أجل متابعة دخول البضائع ومعرفة الكميات واللوائح والتدقيق بتواريخ دخول البضائع، مع الأخذ بعين الاعتبار المفهوم الاقتصادي. إذ إن هناك معاييرعدة يتبعها التجار للحفاظ على المخزون، وأيضا عليك أن تدخل في المعادلة الحسابية حتى لا نضرب القطاع الخاص، لأن اليوم وفي ظل الفوضى في سعر صرف الدولار وفي ظل إقرار بعض القوانين من دون رؤية اقتصادية متكاملة، لا بد من حماية التجار حتى لا تتدهور أوضاعهم بتحميلهم خسائر أكبر، اليوم هناك تحدٍ كبير لأن وزارة الاقتصاد عليها حماية المستهلك وحماية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص ودوره الكبير في الاقتصاد.

 

* هل تعتقد أن القوانين المرعية الإجراء لمكافحة الغش والاحتكار كافية أم إنها بحاجة إلى تعديل؟

- بالنسبة للقوانين نحن نعمل جاهدين على تطويرها، وقلنا أكثر من مرة نحن نضغط ونعمل في اتجاه تطوير هذه القوانين حتى تتلاءم مع هذه المرحلة، وتتلاءم مع التطور الحاصل في كل دول العالم، بين نطاق حماية المستهلك ومكافحة الغش والاحتكار، لأنّ القوانين الموجودة في لبنان قوانين مضت عليها عقود طويلة وتحتاج إلى ورشة عمل كبيرة للتطوير، خصوصاً فيما يتعلق بقوانين حماية المستهلك التي نعمل جاهدين على تنفيذها. ونحن نتابع هذا الموضوع مع مجلس النواب لملاحقة مشاريع القوانين التي أحيلت بصفة المعجل ونطالب منذ أكثر من سنة من أجل إقرارها، وكلنا أمل أن تخرج هذه القوانين أو على الأقل التعديلات المطلوبة بشكل سريع حتى يكون عندنا قوة أكثر في الرقابة وقوة أكثر في المحاسبة، وأهم ما في الأمر تلك التي توضح وتحدد دور وزارة الاقتصاد والتجارة في الرقابة، وهذا الأمر غير كافٍ، إذ إنه من الضروري جداً التضامن الاجتماعي والحس الوطني بين كافة الشرائح في القطاع الخاص وكافة القطاعات في هذه المرحلة الدقيقة، والأهم أيضاً وأيضاً أنه بعد دور وزارة الاقتصاد يأتي دور القضاء اللبناني الذي يجب أن يحاسب ويعطي كلمة الفصل في الأحكام القضائية، التي تحدد المسؤوليات وتحاسب المخالفين، القضاء اللبناني اليوم له الكلمة الفصل في دعم جهود الرقابة بترجمتها إلى أحكام قضائية تعاقب كل مخالف، ونحن طلبنا وشددنا وأملنا أن يأخذ القضاء موقفاً قوياً مع دورالرقابة الذي تقوم به الوزارة، لأنّه يجب أن يتكامل دور الرقابة مع السلطه القضائية ومعاقبة كل مخالف ووضع الأمور في نصابها الصحيح، إذ يستحيل علينا ضبط الأسواق وضبط الأمور مع من أسميهم تجار الأزمات.

 

* هل الإجراءات التي اتخذت حتى اليوم كافية لتأمين الأمن الغذائي؟

- بالنسبة لملف الأمن الغذائي طبعاً وزارة الاقتصاد هي المعني الأول بهذا الموضوع ووزير الاقتصاد يرأس لجنة الأمن الغذائي الوزارية في لبنان، ونحن نعقد اجتماعات دورية لهذا الأمر وهناك خطة أعدت لتأمين كل حاجات الأمن الغذائي في لبنان، وفي طليعتها موضوع القمح وقرض البنك الدولي، وسيبدأ التنفيذ مطلع الشهر المقبل أي في بداية سنة 2023 وهذه الخطة ستؤدي إلى استقرار كبير في الحفاظ على سعر ربطة الخبز ومواجهة التحديات الأخرى، وسنقوم مع وصول كميات القمح إلى السوق اللبنانية بصورة مستمرة على الأقل لمدة 10 أشهر أو سنة، وهذا يعني أنه سيكون عندنا استقرار كبير في سعر مادة القمح في لبنان خلال سنة 2023. ونحن نعمل أيضاً على برنامج يستكمل بعد انتهاء القرض لحماية شرائح المجتمع الأكثر حاجة إلى هذا النوع من الدعم من خلال تطوير وإنشاء البطاقة التمويلية بشكل خاص بموضوع ربطة الخبز، وأما بالنسبة للمواد الأساسية والمواد الغذائية الأخرى، فنحن نعمل على إنهاء اللوائح التي ستصدر هذا الأسبوع والأسبوع الذي يليه، لتخفيف قدر الإمكان أي نوع من الرسوم الجمركية وغيرها على كافة المواد الغذائية التي قد تخضع إلى أي رسوم، أو التي قد تتأثر بارتفاع الرسوم من خلال القرارات الأخيرة التي صدرت عن الحكومة اللبنانية.