بعد انتفاضة عائلته.. المرشد إلى مزيد من العزلة

«كواجب إنساني، قمت مرات عديدة بجلب صوت الناس إلى آذان أخي علي خامنئي منذ عقود. لكن بعد أن رأيت أنه لا يستمع إليه وواصل طريق الخميني في قمع وقتل الأبرياء، قطعت علاقتي معه. لطالما كان قلقي وسيظل دائمًا الناس، ولا سيما نساء إيران»..

هذا ما أعلنته شقيقة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران بدرية خامنئي في رسالة مفتوحة نشرها على «تويتر»نجلها محمود مرادخاني على موقع التواصل «تويتر»، وهو ما عد  تطورا لافتا بعد دخول الاحتجاجات في إيران شهرها الرابع.

بدرية خامنئي التي أملت «انتصار الشعب وإسقاط هذا الاستبداد الذي يحكم إيران قريبًا»، دعت الحرس الثوري الإيراني إلى إلقاء أسلحته في أسرع وقت ممكن والانضمام إلى الشعب «قبل فوات الأوان».

وإن كانت معارضة شقيقة خامنئي لحكم شقيقها ليست بالأمر الجديد، فقد كان زوجها آية الله علي مرادخاني قياديا سابقا في النظام الإيراني، قبل أن ينشق عنه في منتصف الثمانينيات، ويلجأهو وعائلته، وبضمنهم زوجته بدرية، شقيقة خامنئي، إلى العراق في ذروة الحرب بين البلدين بعد أن أمضى أشهرا في السجن بمدينة مشهد.

ليعود إلى إيران في العام 1995 ويحكم عليه بالسجن لمدة 20 عاما، قبل أن يطلق سراحه عام 2005، ويتوفى في أكتوبر(تشرين الأول) الماضي بعد سنوات من العزلة. ولكن قد تكون هذه هي المرة الأولى التي تظهر شقيقة خامنئي معارضتها بشكل واضح وعلني وتوجه الانتقادات لأخيها وتدعو إلى إسقاط استبداده.

وجاءت رسالة خامنئي بعد اعتقال ابنتها فريدة مرادخاني الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المعتقلين، والحكم عليها بالسجن لمدة15 عاما من قبل المحكمة الدينية، وهي ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها النظام فريدة بسبب مواقفها.

جاءت مواقف شقيقة خامنئي وعائلاتها لتلقي مزيدا من الضوء على ما يعانيه الإيرانيون وعلى الأزمة التي يعيشها النظام الإيراني مع استمرار الاحتجاجات في أغلب مدن إيران.

وإن كانتالمظاهرات قدبدأت بعد وفاة مهسا أميني إثر اعتقالها، بسبب عدم ارتدائها الحجاب بـ«شكل مناسب»، إلا أن مطالبها اليوم لم تعد محصورة بقضايا المرأة والحجاب، بل بدأت أصوات المحتجين تعلو بمطالب سياسية واقتصادية واجتماعية، مما سيزيد من إرباك النظام.

فما يقلق النظام أكثر من كلام شقيقة خامنئي ومن مطالبة النساء بالحرية هو انضمام «البازار»إلى المحتجين، وإن كان النظام الإيراني وصف مطالبة النساء بالحرية وخلعهن للحجاب بالحرب على الدين، إلا أنه يوم أضرب تجار بازار تجريش أكبر أسواق العاصمة طهران، سارع إلى اتهام «مثيري الشغب»بممارسة الضغوط وتهديد التجار لإقفال محلاتهم، كما كتبت يومها صحيفة «كيهان»التابعة لمكتب المرشد علي خامنئي، للتخفيف من وطأة انضمام التجار إلى الاحتجاجات.

فاقتصاديا تعاني إيران من أزمة اقتصادية حادة،وقد تراجع الريال الإيراني هذا الأسبوع إلى مستوى منخفض جديد مقابل الدولار،  ومما سيزيد من حدة الأزمة هو تعطل المحادثات النووية وعدم إمكانية رفع أي عقوبات عن إيران في الوقت الراهن.

فلا الغرب قادر اليوم على إعادة المفاوضات النووية مع إيران فيفسر موقفه أنه داعم لسياسة القمع التي ينتهجها النظام الإيراني بحق شعبه، ولا النظام الإيراني باستطاعته تقديم أي تنازلات في ظل انشغاله بوضعه الداخلي ومحاولات إظهار الاحتجاجات على أنها مؤامرة غربية. ورغم دعوة وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان،في مؤتمر بغداد الثاني في الأردن، للعودة إلى الاتفاق النووي، والحوار مع دول المنطقة، إلا أن إصراره على تمجيد قاسم سليماني في كلمته وهو المسؤول عن تدمير وقتل الآلاف في المنطقة، ما هو إلا دليل تناقضهذا النظام، وإثبات أنه غير قادر على تقديم تنازلات جدية بأي ملف.

داخليا يبدو أن الخيار الوحيد الذي سينتهجه النظام الإيراني هو خيار البطش والقمع بحق الإيرانيين، وخارجيا لا أحد مستعد لمد يد العون لإنقاذ هذا النظام من أزماته مما قد يعني محاولات إيرانية جديدة لزعزعة استقرار المنطقة.

وتوسع دائرة الاحتجاجات وازدياد الشرائح المشاركة فيها لا يعني أن إسقاط النظام الإيراني بات وشيكا، فالنظام ما زال متماسكا ولم ولن يقدم أي تنازلات حقيقية للإيرانيين لأنه يدرك أن بداية نهاية الأنظمة الديكتاتورية هي لحظة تبدأ بتقديم تنازلات لشعوبها، ولكن ستبقى الاحتجاجات عاملا مربكا للنظام الإيراني وسيقابلها بالمزيد من القمع والاعتقالات وعمليات الإعدام، مما قد يعني أن إيران دخلت في حلقة العنف المفرطة مما سيزيد من عزلتها وأزماتها.