الأزمة السورية: حدة التدخلات الدولية تعرقل جهود التسوية

عادت الأزمة السورية لصدارة المشهد الدبلوماسي في المنطقة من جديد بعد تسجيل تحركات مكثفة صدرت في الآونة الأخيرة عن أطراف دولية وإقليمية منغمسة في الملف السوري، ومنشغلة بتطوراته. وقد تباينت التحليلات السياسية حول الأغراض الكامنة وراء هذه التحركات، التي لم ترتدِ فقط طابع اللقاءات السياسية، والزيارات الدبلوماسية، وإنما تخللتها استعدادات ومواجهات عسكرية ما تزال محدودة لحد الآن، ولكنها مرشحة للاحتدام أكثر، خاصة وأنه من الممكن حصول اصطدام فيما بينها نتيجة طبيعتها المتناقضة إلى حد كبير، وذلك كما يلي:

 

* التحركات ذات الطبيعة العسكرية، وقد أقدم عليها بشكل خاص طرفان أساسيان فاعلان في تطورات الأزمة السورية، وبأسلوبين مختلفين نظرا لاختلاف غايات كل منهما.

يتمثل الطرف الأول في الولايات المتحدة الأميركية التي كثفت مؤخرا تواجدها العسكري في قاعدة التنف التي أقامتها جنوب شرقي سوريا على مقربة من الحدود مع كل من الأردن والعراق، وذلك برفع عدد قواتها المرابطة هناك إلى أزيد من 3000 فرد، وتوسيع حزام الأمان حولها لمسافة تناهز 50 كيلومترا دون الإفصاح عن الأسباب الرئيسية لهذا الإجراء متذرعة كالعادة بمحاربة الجماعات الإرهابية التي بدأت تنتعش شرق الفرات، وفي بعض المناطق غرب العراق. وقد تزامن تكثيف هذا التواجد مع تصعيد العقوبات الاقتصادية على النظام السوري، التي ستتعزز قريبا بقانون مكافحة الكبتاغون، الذي يصنف سوريا «دولة مخدرات».

أما الطرف الثاني فأكثر شراسة في استعداده لاستخدام القوة العسكرية على الأراضي السورية، ويتعلق الأمر بتركيا، التي يبدو من كثافة الضربات الجوية التي شنتها على معاقل حزب العمال الكردستاني والفصائل الكردية السورية، ومن ضخامة حشدها العسكري على حدودها الجنوبية تأهبا لانتهاك سيادة سوريا أنها لا تسعى إلى الانتقام من الجهات التي تتهمها بالوقوف وراء تفجيرات إسطنبول يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 فقط، وإنما للاستفادة من الوضع الدولي الراهن لتحقيق مجموعة أهداف أبرزها:

* تلميع صورة الرئيس إردوغان كزعيم وطني حازم في مسألة أمن البلاد قبيل الانتخابات الرئاسية التركية في منتصف سنة 2023 التي يخشى أن تضع حدا لهيمنته شخصيا ولهيمنة حزبه أيضا على الحياة السياسية التركية لمدة عقدين من الزمن، ومنع مزايدات المعارضة التركية في هذا الإطار.

* تقزيم سقف الطموحات الكردية في سوريا، ومنع أي محاولة لوضع أسس بنيات ومؤسسات ذات طبيعة انفصالية، لما لذلك من تأثير مباشر على تطلعات نظرائهم في تركيا. 

* توسيع المجال الترابي للنفوذ التركي، وتعميق ما تسميه بالحزام الأمني في الشمال السوري لأزيد من 30 كيلومترا، بما يسمح بتوسيع الرقعة الجغرافية لإقامة مناطق سكنية تساعد في تأمين عودة طوعية لحوالي مليون سوري إلى بلادهم من أصل 4 ملايين لاجئ مقيم في تركيا.

* التحركات ذات البعد الدبلوماسي، التي جسدتها مؤخرا تحركات روسية عديدة توجتها الزيارة المهمة التي قام بها وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى الأردن مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، والتي أجمعت مصادر متعددة على أن الغرض الرئيسي منها هو الاستعانة بالسلطات الأردنية لتهيئة الجوار الجنوبي لسوريا بغية ضمان استمرار الهدوء الحذر هناك بما يتيح لموسكو نقل بعض قواتها المرابطة فوق التراب السوري إلى ساحة المواجهة بأوكرانيا.

إن هاجس تهدئة الأجواء داخل سوريا وفي محيطها هو الذي دفع موسكو أيضا إلى إعادة الحيوية نسبيا لمنصة آستانه التي عقدت جولتها رقم 19 يومي 22 و23 نوفمبر 2022 على مستوى الخبراء الذين لم يتناولوا موضوع التسوية السياسية المطلوبة للأزمة السورية وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم  2254، وإنما ركزوا على الأوضاع الأمنية داخل سوريا في ضوء تزايد نشاط الحركات الإرهابية والانفصالية، وتمدده إلى مناطق كانت هادئة نسبيا من قبل.

وبشكل أكثر وضوحا، فإن التوجه الروسي نحو تفضيل القنوات الدبلوماسية لمعالجة التطورات الجارية على الساحة السورية، دون أن يرافقه تلويح بالقوة العسكرية كما كان يحدث من قبل، سيجسده تفهم موسكو ضمنيا لدوافع لجوء تركيا إلى العمل العسكري ردا على الهجوم الإرهابي الذي استهدف قلب مدينة إسطنبول، إذ اكتفت بأن تطلب من أنقرة عدم شن هجوم بري كاسح شمالي سوريا، كما غضت الطرف عن تحليق الطيران الحربي التركي في غاراته على قواعد قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني فوق المجال الجوي السوري شمالي مدينة حلب الخاضع لمراقبتها انطلاقا من قاعدة حميميم.

ويسود الاعتقاد بين المراقبين بأن موقف روسيا الهادئ هذا يعود إلى رغبتها في نجاح مساعيها الحميدة للتقريب بين دمشق وأنقرة بغية إحداث انفراج في العلاقات العدائية بينهما، خصوصا وقد لاحت من تركيا مؤخرا مؤشرات مشجعة تمثلت في التمهل في إطلاق العملية العسكرية البرية التي تهدد بالقيام بها، وفي عدم استبعاد إمكانية نقل الحوار مع دمشق من المستوى الأمني إلى المستوى الدبلوماسي.

وبالرغم من إشراك النظام السوري وبعض الفصائل المعارضة له في بعض هذه التحركات إلا أنها بدت غير ذات صلة بجهود تسوية الأزمة السورية ومحاولات وضع حد للمعاناة التي ترزح تحتها معظم شرائح الشعب السوري، وإنما هي تدخلات في الساحة السورية المستباحة أملتها مستجدات الأوضاع الدولية والإقليمية المأزومة، وهاجسها الرئيسي هو خدمة المصالح الآنية المستقبلية لأصحابها.

ولا شك أن هذا هو ما يفسر دعوة مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون إلى ضبط النفس والابتعاد عن التصعيد، محذرا من انهيار ما سماه الجمود الاستراتيجي الذي ساعد على استتباب الهدوء النسبي لما يقارب الثلاث سنوات. فإلى متى ستظل سوريا مستنزفة، وجراح شعبها نازفة؟