2022: وداعا سنة وأد التطلعات وتناسل الأزمات

يستعد العالم لتوديع سنة 2022، التي كان ينتظر أن تكون سنة التعافي من معظم الآثار السلبية التي خلفتها جائحة كورونا على جميع المستويات. كان الأمل كبيرا في أن تكون سنة استمرار الابتعاد عن النظر إلى العالم من زاوية المصالح الخاصة والضيقة لهذه الدولة أو لتلك، وذلك توطيدا لمبدأ الترابط المتبادل interdependancy، الذي ميز جل تفاعلات العلاقات الدولية إبان الجائحة أملا في انطلاقة جديدة لتعزيز روح التعاون والتضامن الجماعي الذي ميز تلك الفترة.

وقد تضاعفت الآمال المعقودة على سنة 2022، لكي تكون سنة تقارب وتسامح كونيين، نظرا لأن بعض أيامها كانت مواعيد لأحداث رياضية دولية كبرى جعلتها سنة رياضية بامتياز من خلال برمجة أكبر حدثين رياضيين ينتظر العالم بشغف انطلاقهما، وهما الألعاب الأولمبية الشتوية التي احتضنتها الصين في شهر فبراير (شباط) الماضي، ثم كأس العالم التي نظمتها قطر أواخر السنة.

وتنبع الآمال التي علقت على سنة 2022 المشرفة على الأفول من كون الرياضة هي أكثر الأنشطة الإنسانية تقريبا لشعوب الأرض، وأن القانون الدولي الرياضي هو أكثر قواعد القانون الدولي احتراما على صعيد الكون، فضلا عما كان منتظرا من تصاعد لروح التضامن التي سادت إبان الجائحة، ومن توق إلى استشراء عدوى التكافل إلى خارج النطاق الرياضي ليتواصل التأثير الإيجابي لمبدأ الترابط المتبادل.

ولكن بدل أن تصاب كواليس السياسة الدولية بعدوى الروح الرياضية فيجنح الساسة أيضا إلى نبذ الأنانيات الضيقة وإلى التقيد بقواعد المنافسة الشريفة، وإعلاء قيم التسامح وتوسيع مساحات الحوار، واحترام القوانين والتعهدات، فإن العكس هو الذي حصل، إذ تم مبكرا نقل الخلافات السياسية إلى المنافسات الرياضية لتعكير صفوها، ووأد إمكانية مساهمتها في تبديد بعض غيوم المشاكل السياسية ولو مؤقتا طيلة فترة التباري.

بدأ انتقال هذه العدوى السلبية بخطوة جماعية أقدمت عليها عدة دول غربية إضافة إلى الهند واليابان تجسدت بالإعلان عن مقاطعة الألعاب الأولمبية الشتوية دبلوماسيا، والاكتفاء بإيفاد الرياضيين للمنافسة دون حضور رسمي لحفل الافتتاح، وذلك تعبيرا عن إدانتها لما تعتبره انتهاكات لحقوق الإنسان في الصين.

ولم تكد تهدأ ضجة المقاطعة الدبلوماسية للألعاب الأولمبية الشتوية بعد إسدال الستار على فعالياتها يوم 20 فبراير 2022 حتى فوجئ العالم بعد أربعة أيام فقط بقيام روسيا بغزو أوكرانيا متذرعة بمبررات كانت في مجملها غير قانونية استخدمت كذريعة واهية لإشباع نهم شهية التوسع الروسية، وفرصة لاستعراض فائض القوة الذي استشعرت موسكو توفرها عليه.

ومن الطبيعي أن يستثير الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية حفيظة الدول الغربية الكبرى، وخاصة دول حلف الشمال الأطلسي التي اعتبرته سلوكا عدوانيا يهدد مصالحها، وأمن وسيادة بعض أعضائها، فسارعت إلى إدانة موسكو، ونصرة أوكرانيا، وذلك بتوفير كافة أنواع الدعم الممكن لها عسكريا واقتصاديا وماليا لمقاومة الاجتياح الروسي، والسعي إلى تحرير أراضيها التي تم احتلالها.

تضمن الدعم الغربي لأوكرانيا تشديد العقوبات الاقتصادية، والتجارية والمالية على روسيا، ووقف الاستيراد منها بشكل كبير، وباستثناءات محدودة بغية منع موسكو من الاستفادة من العوائد الضخمة الناجمة عن تصدير ثرواتها المنجمية والزراعية لتمويل عمليات غزوها العسكري؛ الأمر الذي اعتبرته موسكو عدوانا عليها واجهته بإجراءات عقابية مضادة، وسياسات تقشفية داخلية، وبالبحث عن أسواق بديلة.

وبالنظر إلى أهمية روسيا في إنتاج مصادر الطاقة، وخاصة الغاز، وأهميتها إلى جانب أوكرانيا في إنتاج الحبوب والزيوت النباتية، فإن الحرب بينهما إضافة إلى الإجراءات العقابية المتبادلة بين موسكو ومعظم دول الغرب، وما رافقها من شلل شبه كامل لحركة الملاحة البحرية في منطقة البحر الأسود أدت إلى بروز أزمات اقتصادية ومالية عالمية واسعة النطاق، بدت واضحة في عدة مجالات أهمها:

* الأمن الغذائي العالمي، الذي تأثر بشكل سلبي كبير، وخاصة في الدول الفقيرة حيث القدرة الشرائية لمعظم السكان محدودة وغير قادرة على مواكبة الارتفاع المهول في أسعار المواد الغذائية، الذي تضاعفت حدته بعد قرار دول منتجة أخرى كالهند والصين تقييد صادراتها تحسبا لأي طارئ.

وحسب تقرير صادر في يونيو (حزيران) 2022 عن شركة الخدمات المالية ستاندار آند بورز، فإن أزمة الغذاء العالمية ستتواصل إلى غاية سنة 2024، مما ينذر بحدوث ارتجاج كبير في الاستقرار الاجتماعي لدول كثيرة، قد يتراجع أيضا مستوى نموها الاقتصادي، وينخفض تصنيفها الائتماني.

* مجال الطاقة، الذي كشف مدى ارتهان الدول الأوروبية، ونشاطها الصناعي للغاز الروسي، الذي كان يمثل قبل حظر استيراده حوالي 40 في المائة من استهلاك أوروبا، والذي لم تستطع حكوماتها  تعويضه إلا جزئيا وبأسعار مرتفعة للغاية ساهمت في تدني مستوى معيشة شرائح واسعة من السكان، وفي تباطؤ سلاسل الإنتاج لعدد من الأنشطة الصناعية والتجارية.

وبديهي أن ينجم عن الأزمتين السالفتين ركود اقتصادي بطبيعة تضخمية لم تنفع معه بعض الحلول المالية المستعجلة كرفع الفائدة، الذي بدأ ينعكس سلبيا في شكل تباطؤ ملحوظ لحركة رؤوس الأموال المرصودة للاستثمار، وفي تفاقم أزمة الديون العالمية، وخاصة ديون الدول الفقيرة والنامية. وبذلك انتقل مبدأ الترابط المتبادل من طابعه الإيجابي إبان كورونا إلى صورة سلبية بشعة أسهمت ليس فقط في وأد ما كان لدى البشرية من تطلعات، وإنما في تناسل العديد من الأزمات.

إن مكمن الخطورة في هذا التناسل أنه استطاع شل معظم آليات النظام الاقتصادي العالمي، الذي فقد ميزة المرونة التي ظل يتمتع بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بشكل بث الرعب مما هو قادم في المستقبل المنظور. فهل سيدع المجتمع الدولي الخوف يقرر مستقبله؟