ما الذي أثار غضب النظام الإيراني بعد مؤتمر واشنطن؟

 

يوم السبت17 ديسمبر (كانون الأول)، عقد مؤتمر ثنائي الحزب في واشنطن العاصمة تضامناً مع الثورة الديمقراطية للشعب الإيراني وحركة المقاومة المنظمة. بعد ساعات قليلة من الحدث، انفجر غضب حكام طهران في سلسلة من ردود الفعل الهستيرية ليظهر عمق الانزعاج من الاحترام الذي تحظى به الرئيسة المنتخبة من المقاومة الإيرانية من قطاعات واسعة من السياسيين والبرلمانيين الغربيين.

وضم مؤتمر السبت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بصفتها المتحدثة الرئيسية للمؤتمر، وسياسيون أميركيون مشهورون من كلا جانبي الممر، بمن فيهم وزير خارجية الولايات المتحدة السابق مايك بومبيو، ووزير التجارة الأميركي السابق غاري لوك، والمدير السابق لمكتب الاتصال العام ليندا تشافيز، وسفيرة الولايات المتحدة السابقة المتجولة للحرية الدينية الدولية سام براونباك والجنرال السابق في سلاح الجو الأميركي جاك كين.

وكان وزير خارجية النظام الإيراني، حسين أمير عبداللهيان، أول مسؤول في النظام الإيراني يعبر عن ردة فعله. رداً على سؤال أحد الصحافيين بشأن المؤتمر في واشنطن العاصمة، وما إذا كان لا يزال هناك أمل في إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015، وصف أمير عبداللهيان بغضب جماعة المعارضة الإيرانية الرئيسية، مجاهدي خلق، والوزير بومبيو بأنهم «سياسيون منتهو الصلاحية»، وسرعان ما غادر المؤتمر.

بعد ساعات قليلة، بدأت القنوات التلفزيونية الحكومية الإيرانية ببث تصريحات مثيرة للشفقة صدرت عن إسماعيل قاني، قائد فيلق القدس بحرس الملالي. وفي تصريحاته، كان قاني مرتجفا ومذعورا يصرخ بعذاب وهو يكيل الشتائم للسيدة رجوي والمعارضة الإيرانية واتهم كل الدول الأوروبية بالتآمر الجماعي ضد النظام. وقال جاري لوك، وزير التجارة الأميركي الأسبق، إنه تشرّف باتباع خطط مريم رجوي، التي صدق عليها أكثر من 250 عضوًا في الكونغرس من كلا الحزبين.

وقالت ليندا شافيز، رئيسة العلاقات العامة السابقة في البيت الأبيض، إن رجوي كانت تقود هذه الحركة منذ فترة طويلة، وفق ما عرضته قناة «جام جام» الحكومية، ما يسمى بتقرير خاص من مؤتمر يوم السبت في 18 ديسمبر (كانون الأول).

وأفادت القناة الثانية للتلفزيون الإيراني الرسمي، يوم الأحد الماضي، بأن «وزيري الخارجية والتجارة الأميركيين السابقين، دون الإشارة إلى جرائم منظمة مجاهدي خلق، زعموا أنه من خلال تعيين مريم رجوي كرئيسة، سيتم تشكيل مجتمع حر وديمقراطي في إيران». وأجرت القناة السادسة الحكومية مقابلة مع جلاد سيئ السمعة، جواد هاشمي نجاد، واستفسرت منه عن الرسالة التي نقلها مؤتمر 17 ديسمبر.

لقد أظهروا أن لديهم معايير مزدوجة فيما يتعلق بالحرية. إن مطالبهم بالحرية تسير جنباً إلى جنب مع الإرهاب والفوضى. في الفيديو [الخاص بالمؤتمر] الذي عرضته، قالوا بحق إن منظمة مجاهدي خلق تتمتع بدعم كبير في مجلس النواب الأميركي، كما هو الحال في أوروبا. كما تشير هذه التصريحات والبرامج إلى تخوف النظام من دور معارضته المنظمة في الانتفاضة الحالية. إنها تعكس اليأس التام ومأزق المرشد الأعلى للنظام الإيراني علي خامنئي. لم يستطع خامنئي الصمود لفترة طويلة واندفع إلى مكان الحادث يوم الثلاثاء لتحذير قواته من العدو اللدود للنظام، منظمة مجاهدي خلق، بحسب زعمه! وقال: «الشباب يعرفون القليل عن منظمة مجاهدي خلق. لم نكن نشيطين بما فيه الكفاية في هذا الصدد». وبحسب ما نقله التلفزيون الرسمي في 20 ديسمبر عنه، قال: «يجب أن نعكس الواقع بشكل أفضل لأن العديد من شبابنا لا يعرفون شيئًا عن منظمة مجاهدي خلق». يتحدث خامنئي عن فشل نظامه وأوجه القصور في بث الدعاية ضد منظمة مجاهدي خلق، بينما في العقود الأربعة الماضية، استخدم النظام كامل إمكاناته لتشويه صورة منظمة مجاهدي خلق، في محاولة لتصوير البديل القابل للتطبيق على أنه «مجموعة هامشية لا تتمتع بدعم شعبي». بعد أسابيع قليلة من احتجاجات إيران الكبرى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، أنتجت الحكومة الدينية الحاكمة في إيران عشرة أفلام وثائقية ومسلسلات تلفزيونية ضد منظمة مجاهدي خلق. أحد هذه الأفلام الوثائقية، «سر جشمه» (تعني بالفارسية الأصل، أو المصدر الرئيسي) يتكون من 20 فصلاً مدتها 50 دقيقة. استغل خامنئي كل الفرص والوسائل التي يمتلكها، بما في ذلك تلفزيون الدولة، وما يسمى «منظمة التنمية الإسلامية»، ووزارة الاستخبارات والأمن (MOIS)، بينما يبدد مليارات الدولارات من الثروة الوطنية لإنتاج ما لا يقل عن 500 كتاب، ومئات من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والأفلام الوثائقية وعشرات الآلاف من المقاطع لتشويه صورة منظمة مجاهدي خلق. إلى جانب ذلك، شنت الفاشية الدينية قمعًا وحشيًا وقتلًا وسجنًا وقامت بتعذيب عشرات الآلاف من أعضاء منظمة مجاهدي خلق وأنصارها. في صيف عام 1988 وحده، تم إعدام 30 ألف سجين سياسي، معظمهم من أعضاء منظمة مجاهدي خلق، في غضون بضعة أشهر.

ووفقًا لسلطة النظام القضائي، فإن أدنى صلة بجماعة مجاهدي خلق يعاقب عليها بالإعدام. منذ بداية الانتفاضة الحالية في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمر خامنئي مرارًا وتكرارًا بلطجيته بـ«عدم إظهار الرحمة» تجاه المعتقلين المرتبطين بجماعة مجاهدي خلق. ومع ذلك، فشلت جهود خامنئي، وفقًا لمسؤولي نظامه، إذ ينضم المزيد من الشباب إلى شبكة وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق. إلى جانب ذلك، حظيت استراتيجية المقاومة الإيرانية- وحدات المقاومة- لإسقاط هذا النظام وإقامة دولة ديمقراطية بترحيب واسع من الإيرانيين من جميع مناحي الحياة، حيث أصبح نهجهم باستهداف كل ما يمثله النظام سائدًا.

وحسبما نقلت وكالة أنباء «تسنيم» الحكومية، عن حسين أشتري، القائد العام للشرطة، في 17 ديسمبر (كانون الأول)، قال: «في الوضع الحالي، هدف العدو هو مهاجمة النظام المقدس لجمهورية إيران الإسلامية، وتقويض نظام الشعب وأمنه، وإزعاج الرأي العام في جميع المجالات، بما في ذلك الاقتصادية والسياسية والثقافية، إلخ. الفتنة الأخيرة كانت موجهة ومنظمة بشكل كامل لقلب الدولة في محاولة لاستغلال الفتن الوهمية، كان الأعداء يبحثون عن أعمال شغب في الشوارع، وهجمات على الممتلكات العامة والحكومية».

خامنئي مرعوب حقًا، وهو يرى فشله الكارثي في السيطرة على المجتمع الإيراني المضطرب والثورة في طور التكوين، على الرغم من استشهاد ما لا يقل عن 750 إيرانيا في الانتفاضة وإعدام اثنين من المتظاهرين المعتقلين في الأيام الأخيرة.

ردود الفعل الهستيرية الأخيرة من قبل مسؤولي النظام على تقدم المعارضة الإيرانية داخل إيران وخارجها تكشف الوجه الحقيقي لنظام ضعيف ومحتضر، فقد توازنه بسبب الانتفاضة التي عمت البلاد ودور المقاومة الإيرانية القيادي على الرغم من محاولات طهران سحق الاحتجاجات.

انعكست حالة الهستيريا على صحف النظام حيث اقتبست صحيفة «مشرق نيوز» التابعة لجهازاستخبارات الحرس الإرهابي، في تحليل مفصل، إذ عبرت الصحيفة بحسرة وتذمر تحت عنوانها الرئيسي «مريم رجوي ستكون رئيسة الجمهورية في طهران! »؛ عبرت عن الرعب من تشكيلات منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، حيث أشارت إلى أنها هي المعارضة الوحيدة التي لديها تشكيلات مناهضة للجمهورية الإسلامية، وأنها هي التهديد الوحيد الذي يمكنه الإطاحة بالنظام، وأن بقية المعارضین الذين يُشار إليهم على أنهم معارضة لا أهمية ولا وزن لهم.

کما أشارت الصحیفة إلی کلمات عدد من الشخصيات الأميركية، بدءا من مايك بومبيو، مرورا بالنائب السابق لرئيس الولايات المتحدة مايك بنس، ومستشار الأمن القومي السابق في البيت الأبيض جون بولتون، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي روبرت مينينديز، ومستشار أوباما للأمن القومي الجنرال جيمس جونز، والسيناتور جو ليبرمان، مؤكدة على أن القاسم المشترك بينهم جميعًا هو دعم المقاومة الإيرانية.

تعيد هستيريا الملالي إلى الأذهان مقولة قائد المقاومة مسعود رجوي في 8 أكتوبر (تشرين الأول) حول قیادة الانتفاضة، حیث قال: «يقولون إن المشكلة في عدم وجود قيادة للانتفاضة، ونقول إن القضية الأساسية عدم وجود النار»، فقد كانت استراتيجية وحدات المقاومة في الداخل ونهوض الانتفاضة وانفتاح آفاقها سبب اضطراب ويأس النظام .

إذن على العالم أن يحترم ويتبنى التغيير الذي يلوح في الأفق في إيران من خلال دعم تطلعات الشعب الإيراني إلى الحرية والديمقراطية والاعتراف بحقه في الدفاع عن النفس وتقرير المصير لمستقبله.

وكما أكدت السيدة رجوي في رسالتها إلى المؤتمر الذي أقيم في واشنطن: «لقد نهض شعب إيران لهزيمة وحش القمع والإرهاب واختار أن يدفع ثمن الحرية بدمائه. عسی أن ينهض العالم إلى التضامن معه».