إيران.. 4 أشهر من الاحتجاجات المتواصلة رغم شراسة القمع

إصرار شعبي على مواجهة حملات الاعتقال والتعذيب
ارتفاع خطر الإعدام ضد المتظاهرين

واشنطن: أخذت قطاعات واسعة من البازار وموظفي المجمعات الصناعية، خاصة قطاعات النفط والصلب، تنضم إلى الثورة الوطنية المناهضة للجمهورية الإسلامية بعد مرور 4 أشهر من انطلاقها وبالطبع أخذت الانشقاقات والانتقادات من داخل أركان النظام تتسع شيئا فشيئا ويتقلص خوف الجماهير من آلة القمع، غير أن وتيرة القتل والإعدامات تتصاعد.

خطر الاعدام يطارد المعتقلين
وقالت منظمة العفو الدولية في 17 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، إنها تملك وثائق ومعلومات تشير إلى أن 26 شخصا على الأقل من المحتجين الذين تم اعتقالهم خلال الأشهر الثلاثة الماضية يواجهون خطر الإعدام. وبالفعل نفذت السلطات خلال الأيام الماضية حكم الإعدام بحق اثنين من المحتجين.
وأضافت منظمة العفو الدولية أن 26 شخصا من المعتقلين خلال الاحتجاجات العارمة الجارية يواجهون خطر الإعدام وذلك بعد أن أصدرت السلطات أحكام عشوائية بالإعدام بحق محسن شكاري ومجيد رضا رهناورد في «محاكمات شكلية».
ولكن لماذا الاستغراب من هذا الكم من الوحشية من نظام لديه سجل حافل بالإعدامات التي بدأت مع بداية حكمه بحق العشرات من الضباط والعساكر ومسؤولي الأجهزة العسكرية والحكومية في عهد الشاه في أعوام 1979 و1980 و1981. حيث نفذت الجمهورية الإسلامية حكم الإعدام بحق 121 شخصا من ضباط الجيش بعد وصولها إلى سدة الحكم وواصلت مسيرتها الإجرامية بمجزرة قتل معارضيها خلال سنوات 1980 و1981 ومسلسل الاغتيالات بحق المعارضين في نهاية التسعينيات والهجوم الهمجي والدموي على الحي الجامعي في جامعة طهران في يوليو (تموز) 1999 وحملة الاعتقالات والمحاكمات غير العادلة والإعدامات والقتل خلال الحركة الخضراء في 2009. وها هي الجمهورية الإسلامية تتبنى نهج القتل والتعذيب مرة أخرى في مواجهة معارضيها وإطلاق خطاب الكراهية بشكل منظم وهادف من أجل القيام بمجزرة وإبادة جماعية وترسيخ سلطتها من خلال العمل على نسيان ما حدث في المجتمع.

«حقوق الإنسان الإيرانية» تعلن مقتل 476 شخصًا على الأقل في الاحتجاجات و100 معرضون للإعدام

مواجهة علنية بين الشعب والنظام
تسير الجمهورية الإسلامية بكافة تياراتها السياسية والأمنية الفاسدة والداعمة للقمع والنهب على نفس الخطى منذ 1979، وها هي الجمهورية الإسلامية والشعب اليوم في مواجهة عارمة وعلنية. وحتى ترانه علي دوستي (الممثلة الإيرانية البارزة) وضعت الصمت وهامش الأمن من همجية النظام جانبا وأعلنت أنها لا تريد أن تغمض عينيها عن الحقيقة مقابل مصالحها الفردية معربة عن دعمها لثورة الشعب واحتجت على قتل محسن شكاري وبقية قتلى الاحتجاجات بيد النظام «الدموي» وباتت اليوم ترانه خلف القضبان.
لقد قتل النظام الإيراني محسن شكاري البالغ من العمر 23 عاما من مدينة طهران. لماذا؟ لأنه أغلق أحد الشوارع وأصاب أحد عناصر التعبئة بجروح سطحية. كان محسن شكاري معيل أسرته وتمكن من لقاء أسرته لمرة واحدة والتي كانت ليلة تنفيذ حكم إعدامه.
وحميد رضا رهناورد البالغ من العمر 23 عاما من مدينة مشهد الشاب الثاني الذي طالته آلة الإعدام الهمجي بعد محسن شكاري. نشر النظام الإيراني مقطع فيديو حول وصية رهناورد قبل إعدامه وهو يقول إنه يأمل الفرح والبهجة للشعب الإيراني ويطلب عدم الحزن والبكاء على قبره بل الفرح. كانت السلطات تهدف من خلال نشر الفيديو إلى تشويه صورة رهناورد ولكنها فشلت وبات رهناورد بطلا جماهيريا. تقول الجماهير المنتفضة إنها لا تطيق نهج الحكم الحالي ونظرة السلطة إلى التشيع. لقد اقتادت عصابة الإجرام رهناورد بيديه المكسورتين بسبب التعذيب إلى مسلخ الإعدام وأخذت تلتقط صورا له بحماس وفرح وبدأت تهنئ بعضها البعض بعد إعدامه بحجة أن رهناورد طلب من الشعب عدم الحزن بعد وفاته وصبت الزيت على نار الغضب الجماهيري.

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة للمراهق الإيراني مهرداد ملك (17 عاماً) قيل إنه قتل على يد قوات الشرطة الإيرانية في الساعات الماضية

ارتفاع منسوب الغضب والكراهية
تتبنى الجمهورية الإسلامية الاغتيال والاختطاف والتهديد والاستجواب في مواجهة معارضيها وإفراغ المفاهيم والأصول من مضمونها باسم الدين والقرآن من خلال صدور حكم الحرابة بحق المحتجين. تتحدث هذه العصابة الإجرامية عن مدى سهولة قتل المحتجين على غرار «شرب الماء» وتفرح وتهلل بعد قتل المحتجين وتزعم كذبا أنها لم تقتل وتقدم روايات كاذبة عن قتل العديد من المحتجين على غرار السقوط من أماكن مرتفعة أو الانتحار! بالفعل شيء لا يصدق ولكنهم يواجهون المواطنين بالرصاص والموت بسبب إطلاق أبواق سياراتهم.
هذه السرعة المثيرة للدهشة وغير القابلة للتصديق في قتل المحتجين في الشوارع وفي تنفيذ أحكام الإعدام لن تنتج الرعب والخوف في صفوف الجماهير بل تؤدي إلى زيادة الغضب والكراهية للنظام من قبل عامة الشعب والفئة الرمادية أي الفئة التي لم تحسم أمرها بعد للمشاركة في الاحتجاجات. وبدأت تشتد ردود الأفعال على الوقائع المحزنة من قبيل وقوع القتلى خلال الاحتجاجات واعتقال المحتجين على نطاق واسع واحتمال إعدامهم أمام الشعب.
تمثل الجمهورية الإسلامية دولة دينية محتكرة للسلطة بكل أركانها وجوانبها ونظاما إرهابيا ينفق أموالا هائلة لتطوير منظوماتها الفضائية والصاروخية والعسكرية والاستخباراتية ويسعى لإنتاج قنبلة نووية أيضا. لماذا؟ من أجل أن يمارس النظام الإيراني جرائم القتل والدمار بسهولة أكبر. أصبح جواز السفر والعملة الوطنية والاقتصاد ومكانة الإيرانيين الأقل قوة في العالم خلال الأعوام الـ43 الماضية. الجمهورية الإسلامية سلطة تقتل الآلاف وتدمر الكثير وتتهم الأعداء بإثارة الاحتجاجات سواء محدودة أم واسعة، لكنها لا تريد قبول أخطائها والعمل على إصلاح الوضع. يحاول النظام خلال كل الموجات الاحتجاجية أخذ اعترافات من المعتقلين تحت التعذيب وتوجيه تهديدات حادة إليهم للتغطية على مشاكلها وأزماتها غير أن الفجوة الشاسعة بين الجماهير المنهكة بسبب تزايد مستويات البطالة وهبوط العملة الوطنية والانهيار الاقتصادي والسلطة الحاكمة أصبحت شاسعة إلى مستوى لا رجعة فيه. وأصبح الغضب الجماهيري بسبب كل هذا البؤس مليئا بالكراهية من النظام. هذه الجماهير عقدت العزم على الإطاحة بالجمهورية الإسلامية التي يعتبرونها سببا رئيسيا في عدم الوصول إلى الحرية والرخاء والديمقراطية والتطور.

مهسا أميني (أ.ف.ب)

إنكار الحقائق
 هذا واعتمد التيار الإصلاحي المحسوب على هذه السلطة المجرمة إنكار الحقائق والتطورات على الأرض محاولا تقليل دور الجماهير المحتجة والغاضبة وتقليل أهمية هذه الثورة الجماهيرية إلى مستوى «دعايات إعلامية». هذا التيار الإصلاحي الذي يزعم أن الخطاب السياسي للسلطة في الوقت الراهن لا تشوبه اضطرابات يهدف إلى الوصول إلى طموحاته الوهمية للحصول على حصة من السلطة والثروة والقيام بدور في الساحة السياسية والحصول على الغالبية في الانتخابات التي تكون بين السيئ والأسوأ. يسعى التيار الإصلاحي إلى كسب أصوات الشعب خلال الانتخابات البرلمانية والمجالس المحلية ولكن الإصلاحيين لم يدركوا بعد أن السلطة الحاكمة لا تعطيهم فرصة عرض عضلاتهم مجددا وأن الشعب تجاوز الإصلاحيين بأشواط وباتت الإطاحة بالنظام مطلبا جماهيريا.
وتواصل الجمهورية الإسلامية سياساتها في قطع الإنترنت بشكل جنوني وتمنع مواطنيها من الوصول إلى مواقع داخلية وبالتالي تحولت حرية التعبير وحرية الإعلام وانتقال المعلومات إلى الرقابة والحجب.
وأخذت العملة الوطنية تتحول إلى أضعف العملات في العالم. وانخفضت قيمة العملة الوطنية منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 نحو عشرة أضعاف. ووصلت القوة الشرائية إلى حافة الانهيار بسبب هذا الارتفاع الجنوني للأسعار. فيما وصل الدولار إلى 40 ألف تومان واليورو إلى نحو 42 ألف تومان وقاربت العملة الوطنية القعر خلال الأيام الأخيرة، فيما قال إبراهيم رئيسي الرئيس الإيراني إن الجمهورية الإسلامية آخذة في «التطور».
إن وصول الدولار إلى 40 ألف تومان يعني انهيار آلاف العائلات وانهيار السلطة الحاكمة التي يزعم رئيسها وبرلمانها أن قطار «التطور» يسير بسرعة في إيران. وبالرغم من هذه الادعاءات الزائفة فإن هذا القطار يتجه نحو وجهة مجهولة منذ فترة بعيدة. لم يستطع «قطار التطور» قط منع التضخم الجنوني وغير قابل للتصديق لأسعار المنتجات الغذائية والذهب والدولار والسلع والخدمات العامة. إن هذه الظروف كسرت ظهر الجماهير بل أدت إلى دخول غالبية الشعب إلى خط الفقر والبؤس. إن الموجة الجديدة من الغلاء وصلت إلى مستوى مثير للفزع حيث أصبح ثمن 12 بيضة 100 ألف تومان وكيلو الدجاج الواحد بـ90 ألف تومان.
لقد أصبحت إيران بلدا يفتقر إلى الكثير من الأدوية وتنتشر فيها أدوية فاسدة انقضت صلاحيتها وباتت الصيدليات تبيع الأدوية بأسعار غالية وجنونية لا تخضع لشروط التأمين الصحي. وارتفع الغضب والاستياء بسبب ارتفاع تكاليف العلاج وأصبحت الأدوية لأمراض موسمية على غرار زكام الأطفال غير موجودة في الصيدليات.
إن وسائل الإعلام المحسوبة على السلطة الحاكمة التي التزمت الصمت حول الارتفاع الصاروخي للدولار وقيمة السكن وغيره لا تبالي أبدا بمشاكل على غرار ارتفاع حجم البطالة والجفاف والتلوث وتدمير البيئة وإفلاس صناديق المتقاعدين والمصارف وتروج لقطار «التطور» الوهمي وبالتالي يقوم الإعلام التابع للسلطة بالاستهزاء من الوعي والنضج الجماهيري من خلال الترويج لمزاعم «قطار التطور» الوهمي.
لقد بات المواطنون الذين يعملون ليلا ونهارا لتأمين لقمة عيشهم والبقاء على قيد الحياة ودفع فواتير المياه والكهرباء والغاز مرهقين من عدم جدارة نظام أطلق وعودا بتوفير فرص العمل والرخاء لهم خلال السنوات الأربعين الماضية. ووصل المواطنون في إيران إلى مستوى يحتفظون فيه بملابسهم الرثة واستعمالها بسبب الفقر وفقدانهم للقدرة الشرائية.
ويرى المراقبون أن السلطة الحاكمة ستواجه قريبا موجة كبيرة وأشد من الاستياء العام بسبب الانهيار المالي وفشل السلطة في إيجاد حلول لأزمات الفقر والبطالة وارتفاع حجم الأمراض الاجتماعية والارتفاع المستمر للأسعار وانسداد الآفاق السياسية والاجتماعية بشكل كامل وعدم جدارة السلطة الحاكمة بكافة أركانها وتغليب المصالح الضيقة ومصالح فئة محدودة غير جديرة محسوبة على النظام. ويعتقد المراقبون أنه عندما تنطلق هذه الموجة الجماهيرية فلن يستطيع النظام الخروج من مأزقه.
وقد أصابت الجمهورية الإسلامية الجماهير المحتجة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بجروح تتسع كل يوم وقتلت قوات القمع التابعة للنظام 1500 مواطن إيراني آنذاك وهي تفاخر بأنها قتلت الأبرياء عبر استهداف أقدامهم ورؤوسهم. وفشلت سياسة النظام في إصلاح أسعار البنزين التي أشعلت انتفاضة نوفمبر 2019. ترفض الطبقة الفقيرة الخضوع للفقر والذل منذ نوفمبر 2019 وتريد التعبير عن مشاكلها ومحنتها بمسيرات غاضبة وبشكل علني.
ويعمل البرلمان الإيراني على تنفيذ الموت التدريجي بحق المواطنين ولا يقدم أية برامج استراتيجية ومنسجمة لمواجهة الأزمات ومنع الانهيار بل يعمل على تقديم علاجات مؤقتة للاقتصاد المريض مما يساهم في ارتفاع معدلات الفقر.