الاستراتيجية الأميركية للأمن القومي: حشد للطاقات وتفعيل للتحالفات

بعد طول انتظار قارب السنتين أصدر الرئيس الأميركي جو بايدن في 12 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي الوثيقة الخاصة بالاستراتيجية الأميركية للأمن القومي، التي تشكل نبراسا للتحركات السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية لمختلف المؤسسات الرسمية الأميركية الناشطة على مستوى العالم بأسره، والتي يتوجب عليها التقيد بمقتضياتها، والعمل على تنفيذها دفاعا عن المصالح الأميركية وتأمينا لها، وردعا لكل من يفكر في التطاول عليها.

وكما كان متوقعا، فإن هذه الوثيقة الهامة التي تنتظر صدورها كافة بلدان العالم بغية استشراف السلوك المستقبلي للولايات المتحدة الأميركية على صعيد السياسة الخارجية أعادت التأكيد على ما تؤمن به واشنطن وتريد ترسيخه في أذهان كل الأمم من أن العالم في حاجة كبيرة إلى القيادة الأميركية، وخاصة في الظروف الدولية الراهنة المتسمة بوجود منافسة شرسة في المخاض الجاري بشأن بلورة نظام عالمي جديد، مشددة في ديباجة الوثيقة على أن الإدارة الأميركية مصممة على عدم ترك مستقبل البلاد عرضة لأهواء أولئك الذين لا يشاركون أميركا رؤيتها لعالم حر، ومنفتح، ومزدهر وآمن.

وعلى هذا الأساس أسهبت الوثيقة في عرض التطورات والمستجدات التي تعرفها الساحة الدولية وما تمثله بعضها من تحديات سياسية واستراتيجية جدية للهيمنة الأميركية، والتي من الضروري مواجهتها وتذليلها، مستهلة ذلك بالإشارة إلى أن التحدي الاستراتيجي الأكثر إلحاحا أمام سيادة الرؤية الأميركية للعالم يأتي ممن تسميهم الوثيقة بالأنظمة الاستبدادية ذات السياسة الخارجية الرجعية والتوسعية.

وكما هو معروف، فإن للإدارة الأميركية لائحة خاصة بالأنظمة التي تعتبرها واشنطن أنظمة استبدادية تشكل تحديا لـ«القيم الديمقراطية الأميركية». لذا استفاضت وثيقة الاستراتيجية الأميركية في تصوير مدى خطورة تلك الدول على المصالح العليا الأميركية، مركزة بصفة خاصة على كل من روسيا والصين إضافة إلى إيران باعتبارها أكبر مصادر التحديات والتهديدات القادرة على تغيير موازين القوى عالميا، وفي الشرق الأوسط، التي يجب على واشنطن الاستعداد لمجابهتها.

ورغم أن واشنطن انطلاقا من البرغماتية المعهودة في سياستها الخارجية لم تستبعد إمكانية التعاون مع كل من روسيا والصين في مواجهة الأخطار ذات الطبيعة الكونية كمخاطر التغيرات المناخية والمآسي الناجمة عنها، إلا أنها كانت جازمة في استراتيجية أمنها القومي بشأن:

* اعتبار روسيا نموذجا للأنظمة المارقة عن القانون الدولي، التي تشكل تهديدا آنيا للنظام العالمي الحر والمنفتح كما ثبت ذلك من حربها على أوكرانيا.

* تصنيف الصين منافسا استراتيجيا على مستوى قيادة النظام الدولي الموجود في طور التشكل، نظرا لما لها من إمكانيات اقتصادية ومالية وتكنولوجية هائلة، وما تنفقه حاليا لتطوير قدراتها العسكرية.

* وصم إيران كعنصر مشوش وعامل عدم استقرار في الشرق الأوسط قادر إذا سنحت له الفرصة على الإضرار بالمصالح الأميركية الحيوية في المنطقة، وأهمها تدفق النفط والغاز، وأمن إسرائيل.

إن قناعة الإدارة الأميركية بضخامة هذه التحديات القادمة من موسكو وطهران، وخاصة من بكين التي باتت تشكل حسب مستشار الأمن القومي جاك سوليفان تحديا عسكريا آنيا في منطقة المحيطين الهادي والهندي جعلها تقرر تعبئة كافة الموارد الممكنة لتعزيز القوات المسلحة الأميركية حتى تكون جاهزة للمنافسة المحتمة والمحتومة، وإعادة الحيوية المطلوبة للاقتصاد الأميركي، ناهيك عن تقوية الجبهة الداخلية من خلال حماية الصناعات الوطنية لتوفير أكبر قدر ممكن من فرص العمل لليد العاملة الأميركية لدعم الطبقة الوسطى في أنحاء البلاد.

ورغم أن الإجراءات المنصوص عليها في هذه الاستراتيجية لتحصين الجبهة الداخلية، وتعبئة كافة الموارد لاستمرار التفوق الأميركي في كافة المجالات ولا سيما في المجال العسكري ستحظى بإجماع كافة أعضاء الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، بشكل يتجاوز حدة الخلافات القائمة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، إلا أنها تظل حسب إدارة بايدن غير كافية.

ولهذا شدد واضعو الاستراتيجية الجديدة على أن تنفيذها يحتاج أيضا إلى بناء تحالفات دولية، وإعادة تجميع حلفاء واشنطن عبر مختلف أنحاء العالم للمساهمة كل واحد وفق إمكانياته، وحسب منطقته الجغرافية في عملية احتواء المخاطر التي ترى واشنطن أنها قائمة الآن، وتلك التي يحتمل ظهورها مستقبلا، ومحاصرة مصادرها أيا كانت.

وفي ضوء ما لدى معظم بلدان العالم العربي من أهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي المتميز، وما لها من إمكانيات اقتصادية وثروات هائلة من موارد الطاقة، فضلا عن قوة العلاقات التاريخية الوثيقة لبعضها مع أميركا من الطبيعي أن تسعى واشنطن إلى طلب ودها وضمان انضمامها بنسبة كبيرة للتحالفات التي تزمع نسجها.

ولغاية إغراء البلدان العربية بالانضمام ولو بشكل جزئي للتحالف الأميركي المنشود تضمنت استراتيجية الأمن القومي الأميركية وعودا بالعمل على إرساء أسس سليمة ومتينة لتحقيق المزيد من الاستقرار والازدهار لكافة دول المنطقة العربية وجوارها بغية بناء «شرق أوسط أكثر اندماجا»، وذلك من خلال:

* تشجيع الإقدام على خطوات أخرى للمصالحة والانفتاح بين البلدان العربية وإسرائيل وتعزيز التكامل الإقليمي عبر نسج روابط سياسية واقتصادية وأمنية مع مراعاة سيادة الدول واحترام خياراتها المستقلة.

* إنهاء الصراعات وخفض التوترات القائمة بين بعض بلدان المنطقة بالطرق الدبلوماسية، والتذكير بـ«حل الدولتين»كأساس لتسوية النزاع العربي الإسرائيلي، ولكن من دون تبيان كيفية تنفيذه.

* توفير الدعم العسكري اللازم لردع أي تهديد أو اعتداء يعرض للخطر حرية الملاحة وتنقل البضائع في الممرات المائية بالمنطقة، بما في ذلك مضيق هرمز وباب المندب.

لا شك أن هذه الوعود مغرية رغم أنها غير كافية، فهل ستجتذب البلدان العربية التي تبدو حريصة على عدم الارتهان لأي قوة دولية، وعلى ضمان استقلاليتها في علاقاتها الخارجية، وتبني مواقف حياد إيجابية إزاء تطورات الساحة الدولية؟