في شخصية الأمة

ما الذي يصوغ شخصية الأمة؟ سؤال يراودني كلما زرت بلدا ما.

وأتساءل ما هي خصائص أهله؟ كيف أصبح البلد على ما هو عليه؟ كيف تكونت شخصيته؟ كيف أثرت تلك الشخصية على اقتصاده؟

وتلك الأسئلة تأتي ربما في محاولة لإيجاد أجوبة عن لبنان وتكوين شخصيته، وطبعا على خلفية استسلام شعبه لقدره السيئ من دون اعتراض يذكر. وتأتي هذه الأسئلة عند المقارنة مع أداء جزء من الشعب الإيراني الذي يقاوم ويطالب بحقه في الحرية رغم معرفته المسبقة بأنه يواجه آلة قتل لن ترحمه، وهو بالرغم من ذلك يتظاهر وينتفض ويعارض.

البعض يقول إن اللبناني يتأقلم مع الظروف الصعبة ويفتش عن حلول رغم قتامة وضعه. صحيح أن اقتصاده شبه مدمر ولكن هناك الاغتراب الذي يحول أموالا إلى الأهل والأقرباء وهناك الجمعيات غير الحكومية التي هي الأخرى تضخ أموالا في اقتصاده، ناهيك عن المساعدات الخارجية التي تأتي على شكل هبات، وهذا ما يفسر تأقلم اللبناني مع الوضع القائم والقبول به وعدم لجوئه بالتالي إلى الانتفاضة والثورة وتفضيله حلولا أخرى.

لذا ترى اللبناني وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي عصفت به منذ ثلاث سنوات وما تزال- والتي أدت إلى خسارته لأمواله في المصارف ولانهيار عملته الوطنية وللتضخم الكبير والفقر- تراه تحول إلى سمسار عقارات للأغنياء الذين أرادوا تهريب أموالهم المحجوزة في المصارف، ثم إلى صراف للذين تصلهم دولارات من الخارج، وإلى تجار أدوية من بلدان مجاورة في ظل انقطاعه في السوق اللبنانية.

في تكوين شخصية الأمة، للجغرافيا أثر أكيد، وللمناخ تأثير أيضا على قاطنيها. هكذا يقول مونتسكيو. فلبنان وواجهته البحرية وموقعه الجغرافي جعله بلد عبور، وهو والحالة هكذا يرحب بمن يأتي ويودع من يترك، ويتأقلم مع من يبقى. هذا ما يقوله المؤرخون، وهذا ما يعلمه كتاب التاريخ الرسمي. صلة وصل يقولون عنه.

ثم يعتقد اللبناني بالإجمال أن لا شيء نهائي أو ثابت على المدى المنظور، وأن الظروف قد تتغير إلى الأفضل أو الأسوأ، ولكنها لا تبقى على حالها. الاستقرار في الأوضاع ليست حالة لبنانية. وبالفعل هكذا صار إبان نكبة 48 الذي أعطى مرفأ بيروت أهمية كبيرة نتيجة مقاطعة مرفأ حيفا من قبل الدول العربية، وكذلك مصارفه التي فاضت بأموال البترودولار لفترة وجيزة. تلك الفترة تلتها حرب أهلية دمرت كل شيء وما لبثت أن انتهت من دون مراجعة أو محاسبة أو سؤال بعد خمس عشرة سنة من الاقتتال الأهلي لتبدأ حقبة الإعمار والازدهار مع الرئيس رفيق الحريري ثم ليعود ويغرق البلد في حالة انعدام للوزن وأزمات اقتصادية وسياسية وحروب مع اغتيال هذا الأخير.

وقد اعتاد اللبناني أن يأتي الفرج من الخارج أو نتيجة لأحداث ليس له فيها أي دور أو تأثير. لذا تراه يفضل الانتظار على المبادرة. أو يختار عند الأزمات السفر والانتقال للعيش في الخارج حيث الانتشار اللبناني الواسع يسهل له الهجرة. هذا في الجزء التاريخي لتكوين شخصية لبنان.

يبقى عامل الإنسان التي تتوحد حوله الأمة ويعطيها اتجاها آخر بفضل رؤيته وشخصيته وتأثيرها على الناس. في البال مثلا نيلسون منديلا وديزموند توتو وتأثيرهما على مجريات الأحداث في بلديهما- جنوب أفريقيا- بعد سقوط نظام الابرتهايد وتلافيهما وقوع حرب أهلية مؤكدة من خلال تأثيرهما وشخصيتهما التي وقفت أمام غريزة القتل وأوقفتها. في البال أيضا أتاتورك الذي أسس لدولة حديثة على أنقاض إمبراطورية زائلة ومريضة ومتعبة، فاستطاع تغيير البلاد والعباد لتصبح تركيا على ما هي عليه اليوم.

لبنان لم يعرف في تاريخه هذا الشخص الذي يمكنه أن يؤثر على مساره التاريخي لأسباب كثيرة أهمها عدم وجود وحدة اجتماعية أو سياسية يستطيع أن يلتف حولها. في هذا الشأن ظل اللبناني في تنظيمه الاجتماعي أقرب إلى التنظيم العشائري أو القبلي منه إلى المواطنية.

لذا عند السؤال: وماذا بعد؟ ماذا ينتظر لبنان؟ تبقى في هذا الشأن كل الاحتمالات واردة من الانفراج إلى الانفجار وما بينهما من سنين تتأرجح في وضع غير مستقر.