بعد فشل تعريبه.. روسيا تحاول تتريك الأسد

جاء لقاء وزير الدفاع التركي مع وزير دفاع النظام السوري في موسكو كأول لقاء سياسي بين مسؤولي البلدين منذ 11 عاما بمثابة صدمة للكثيرين، مع أن اللقاء كان قد سبقه عدة لقاءات أمنية واستخباراتية بين مسؤولين من البلدين.

واعتبر البعض أن اللقاء إشارة إلى التحول في الموقف التركي من الملف السوري، وفاتهم أن هذا التحول كان قد بدأ منذ سنوات مضت، يوم سارت أنقرة بمساري سوتشي وآستانة وأخذت معها المعارضة السورية، التي صار للأسف ولاؤها المطلق هو لتركيا لا لثورة السوريين، فتخلوا عن مسار بيان جنيف واحد والقرار الدولي 2254، وبمناورة خبيثة يومها من بعض المعارضين مع المبعوث الأممي آنذاك ستيفان ديمستورا، انتقل الحديث من تشكيل هيئة حكم انتقالي إلى اللجنة الدستورية، أي من تطبيق القرار الأممي 2254 الواضح جدا بهذا الخصوص إلى تطبيق مخرجات اجتماع سوتشي الذي رعته موسكو علنا وأنقرة سرا.

قبل أشهر قليلة أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن ضرورة حصول «مصالحة»بين نظام الأسد والمعارضة السورية، بعد ردة فعل الشارع السوري حاول الجانب التركي «تلطيف»التصريح، ولجأوا إلى قول إنهم متمسكون بالحل وفق القرار 2254، وهو ما يتعارض مع سياسة أنقرة منذ بدأت مع كل من إيران وروسيا بمسار آستانة، وألزمت المعارضة بالسير بمسار سوتشي.

ورغم ذلك ما زال هناك من يستخف بنتائج السياسة التركية في الملف السوري ويضعها تارة في إطار التكتيك السياسي ومصلحة إردوغان الانتخابية، وتارة في إطار الضغط على الإدارة الأميركية كي توقف دعمها لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تتهمها أنقرة بأنها تابعة وموالية لحزب العمال الكردستاني.

بينما أن واقع الحال وما حصل خلال السنوات الأخيرة يؤكد أن خيار تركيا هو خيار استراتيجي ولن ينتهي بانتهاء الانتخابات ولا بحل إشكالية «قسد»وحدود تركيا الجنوبية، والأمر لا يتعلق بالملف السوري فحسب، بل يستطيع المراقب أن يرى كيف أن سياسة الرئيس رجب طيب إردوغان، وتحديدا منذ ما بعد محاولة الانقلاب في العام 2016، أعادت تموضع تركيا من حليف وثيق للغرب ودولة عضوة في الناتو، إلى دولة بدأت تنحاز أكثر باتجاه روسيا والصين.

فيما يخص الملف السوري، وبعد لقاء وزيري الدفاع التركي والسوري بأيام، وصل وزير الخارجية الإمارتي عبد الله بن زايد إلى دمشق حيث التقى مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، وتعد هذه هي الزيارة الثانية للوزير الإماراتي لدمشق.

وكان اللافت الإعلان عن اتصال هاتفي بين وزيري خارجية كل من الإمارات العربية وتركيا قبيل زيارة الأول إلى دمشق، ليعود لاحقا ويصدر خبر في الصحافة الروسية والصحافة السورية الموالية للأسد عن أن الاجتماع المزمع عقده بين وزراء خارجية كل من روسيا وتركيا والنظام السوري قد يعقد خلال أيام في الإمارات العربية المتحدة، بعدما كانت التوقعات أن يعقد في موسكو.

المشترك بين تصريحات البلدين، الإمارات وتركيا، هو التمسك بوحدة سوريا واستقرارها، وإن كان لكل منهما مصلحة مختلفة في سوريا، فالإمارات ومنذ السنوات الأولى لانطلاق الثورة السورية كانت أولويتها عدم وصول أي جماعة إسلامية إلى الحكم وتحديدا جماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى وضع حد للتوسع الإيراني، بينما كانت تركيا الداعم الأول للجماعات الإسلامية ولم تكن على خلاف مع إيران رغم وقوف كل منهما على النقيض في ما يتعلق بالنظام والثورة، إلا أن أولويتها كانت منع إقامة كيان كردي على حدودها ومحاربة كل من له علاقة بحزب العمال الكردستاني.

فما الذي يجمع اليوم بين تركيا والإمارات في سوريا؟ هل بقاء بشار الأسد في السلطة ومحاولة تعويمه وتعريبه ستطمئن القلقين؟

بدايةً لا النظام السوري ومعه روسيا وإيران ولا تركيا قادرون على محاربة «قسد»طالما أن «قسد»مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية وطالما أن الولايات المتحدة لم تنسحب من سوريا وما زالت قواتها هناك.

هل محاولات تعريب وتعويم الأسد ستضع حدا للنفوذ الإيراني في سوريا وبالتالي في المنطقة؟ لنتذكر أن روسيا لم تستطع إبعاد الميليشيات الإيرانية بضعة كيلومترات عن الحدود مع إسرائيل رغم تعهد بوتين بذلك قبل سنوات، ولنعترف أن إيران ليست على استعداد أن تتخلى عن سوريا بهذه البساطة والدبلوماسية، سوريا صلة الوصل بين طهران والعراق ولبنان والمتوسط، نقطة ارتكاز في مشروع إيران التوسعي، والأسد أثبت خلال سنوات حكمه قبل وبعد انطلاق الثورة أنه ليس راغبا وليس قادرا على أن يتخلى عن علاقته وولائه المطلق للجمهورية الإسلامية في إيران.

حتى وان حاول إعلامه بين الفترة والأخرى تسريب معلومات مغلوطة عن خلافات بين نظامه وطهران، وعن ممانعته لسياسة الهيمنة والوصاية التي تفرضها إيران عليه، إلا أن الوقائع والحقائق تثبت في كل مرة أن هذه المعلومات ليست سوى وسيلة للخداع.

إضافة إلى ذلك،فإن موقف الإدارة الأميركية ما زال واضحا لجهة رفض التطبيع من نظام الأسد، ورفض رفع العقوبات عنه ومنحه أموالا بحجة إعادة اللاجئين وإعادة الإعمار، لا بل إن قانونا جديدا صدر قبل أيام يصنف نظام الأسد على أنه نظام يتاجر بالمخدرات.

وقبل هذا وذاك، كيف يمكن أن يتحقق استقرار في بلد يفتقد لأدنى مقومات العدالة؟ لا يوجد بيت سوري ليس فيه شهيد أو معتقل أو جريح أو مهجر، فكيف لهذا الشعب أن يصالح بعد كل ما عاناه؟