2023.. عام سباقات التسلح

مخاطر عالمية وتداعيات إقليمية
منصة صواريخ باتريوت أميركية الصنع

باكو: لن تكون مصادفة أن يشهد العام الجديد الذي حل علينا منذ أيام قلائل الاستمرار في وتيرة الصراع الدولي الذي شهد بدوره تصعيدًا كبيرًا خلال العام المنصرم الذي كان عامًا حمل معه الأمل في أن يكون بداية التعافي من جائحة عالمية عصفت باقتصاديات مختلف دول العالم وراح ضحيتها ما يزيد على 6.5 مليون نسمة، إلا أن الريح لم تأت بما تشتهيه السفن العالمية، إذ سرعان ما دخل العالم في حالة من سباق التسلح مع بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في فبراير (شباط) من العام المنصرم، تلك العملية التي أعادت للأذهان فكرة استخدام القوى الكبرى الأدوات العسكرية في تسوية صراعاتها.
وبعيدًا عن تحديد المسؤول وحجم مسؤوليته عما آلت إليه الأوضاع الراهنة، إذ تظل القضية محل خلاف بين مختلف الرؤى الدولية والإقليمية طبقًا لمنطلقات كل طرف وحساباته، فإنه لا مبالغة في توقع أن العام الحالي سيشهد سباقات للتسلح بين قواه الوسطى (ويقصد بها الفواعل المؤثرة في أقاليمها)، بل ربما أيضًا بين دوله الصغرى التي تخوض حروبًا في جوارها المباشر، حيث ترى هذه القوى أن تسوية الصراع ستكون احتكامًا للأداة العسكرية وليس للأداة الدبلوماسية والتفاوض كما ينادي ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثالثة والثلاثين والتي تنص على أنه «يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق التفاوض والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها. ويدعو مجلس الأمن أطراف النزاع إلى أن يسووا ما بينهم من النزاع بتلك الطرق إذا رأى ضرورة لذلك».
ومن نافل القول إن هذا التوقع لم يأت من فراغ، وإنما استند في رؤيته إلى مؤشرين مهمين:
الأول: ما سجله معهد استكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، والذي يوجد مقره في السويد، في تقريره السنوي عن الإنفاق العسكري في العالم الصادر أوائل عام 2022، إذ جاء به أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ نحو 1981 مليار دولار عام 2021، وهو ما يمثل 2.4 في المائة من الناتج الاقتصادي العالمي، بزيادة نسبتها 0.7 في المائة عن عام 2020، وتصدرت الولايات المتحدة الأميركية والصين، قائمة الدول الأكثر إنفاقاً على التسلح، تليهما الهند وبريطانيا وروسيا، فقد زاد الإنفاق العسكري الروسي بنسبة 2.9 في المائة، وخصصت الصين نحو 293 مليار دولار لجيشها، بزيادة قدرها 4.7 في المائة مقارنة بالعام 2021. كما كشف التقرير أيضًا عن توجه القوى الإقليمية الأخرى لمواكبة ذلك، حيث نما الإنفاق الياباني بنسبة 7.3 في المائة ليصل إلى 54.1 مليار دولار، وهي أكبر زيادة منذ عام 1972، بينما نما إنفاق أستراليا بنسبة 4 في المائة ليصل إلى 31.8 مليار دولار. كما حدثت تغييرات كبيرة أخرى في إيران، التي شهدت ارتفاعًا في الإنفاق العسكري لأول مرة منذ أربع سنوات، إلى 24.6 مليار دولار. وزاد الإنفاق الدفاعي في نيجيريا بنسبة 56 في المائة إلى 4.5 مليار دولار.

ارتفع الإنفاق العسكري للصين بنسبة 25 في المائة وهي نسبة أعلى من معدل الزيادة الأميركية الذي يقل عن 10 في المائة (غيتي)


ومما يزيد الأمر خطورة أن هذا السباق قد يمتد إلى المجال النووي. صحيح أن المعهد ذكر في كتابه السنوي أن عام 2021 شهد تراجعا في عدد الرؤوس الحربية النووية خلال الفترة (يناير/ كانون الثاني 2021- يناير 2022)، حيث انخفض عددها من (13080) إلى (12705)، إلا أنه من الصحيح أيضًا أن ما حدث أوائل العام المنصرم وخاصة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وما ارتبط به من تصعيد في مستوى التوتر بين القوى العظمى من ناحية، وعلى مستوى الفواعل الإقليمية من ناحية أخرى، فإنه من المتوقع أن يكون عام 2022 قد شهد تزايدًا في أعداد تلك الرؤوس النووية ليدخل عام 2023 بترسانة نووية متزايدة تحمل المزيد من المخاطر والتهديدات، وهو ما أشار إليه المعهد أيضا في هذا الكتاب السنوي، حينما توقع أن «تنمو الترسانة النووية العالمية في السنوات المقبلة لأول مرة منذ الحرب الباردة، وأن الحرب الروسية- الأوكرانية أدت إلى تصعيد التوترات بين دول النادي النووي، وأن جميع الدول المسلحة نووياً تعمل على زيادة أو تطوير ترساناتها، ومعظمها يزيد من حدة لهجته النووية، والدور الذي تلعبه الأسلحة النووية في استراتيجياتها العسكرية، وهذا الاتجاه مقلق للغاية»، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن «روسيا تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم، بإجمالي 5977 رأسًا نوويًا، أي ما يزيد بنحو 550 عن الولايات المتحدة، ويمتلك البلدان أكثر من 90 في المائة من الرؤوس الحربية النووية في العالم. وتم نشر ما يقدر بنحو 3732 رأساً منها، والاحتفاظ بوضع نحو ألفي رأس في حالة تأهب قصوى»، ليُذكر هذا التخوف العالم بما شهده خلال حقبة الحرب الباردة، حيث شاع استخدام مفهوم سباق التسلح بين المعسكرين الغربي بزعامة الولايات المتحدة والشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي سابقًا، ويعني المنافسة على شراء وتطوير وامتلاك المزيد من الأسلحة بهدف التفوق على الخصم.
الثاني، ما شهدته الموازنات الدفاعية لعديد الأطراف الدولية خلال العام الجاري (2023)، من ذلك على سبيل المثال، الجزائر التي ضاعفت ميزانية وزارة الدفاع لتصل إلى أكثر من 22 مليار دولار بعد أن كانت في العام الماضي (2022) أقل من تسعة مليارات دولار، وتعد ميزانية الوزارة في المركز الأول في بنود الموازنة العامة للجزائر ثم تأتي ميزانية وزارة المالية. كما اتجهت المملكة المغربية أيضًا إلى رفع ميزانية وزارة دفاعها لعام 2023 ليصل حجمها إلى نحو 17 مليار دولار ما يمثل 3.5 في المائة من الناتج المحلي للبلاد، وذلك بهدف شراء أسلحة لتجديد الترسانة العسكرية. وفى النمسا اعتمد برلمانها موازنة العام الجديد بزيادة في ميزانية وزارة الدفاع بمقدار 604.7 مليون يورو أو 22.3 في المائة مقارنة بالعام السابق لتصل إلى ما مجموعه 3.32 مليار يورو، كما جرى الأمر ذاته في السويد، حيث زادت ميزانية الدفاع بمقدار 800 مليون دولار فى عام 2023، مدعومة باستثمارات رأسمالية أعلى لتعزيز السيبرانية الدفاعية، واستخبارات الإشارات، والاستعداد الدفاعى، والاستيعاب الموسع للعسكريين.
ولا شك أن انطلاق هذا السباق يحمل عديد المخاطر عالميًا وإقليميًا، إذ إنه في ظل ما يعانيه العالم من تزايد معدل التضخم والانكماش الاقتصادي (تشير التقديرات إلى تراجع نسب النمو الاقتصادي من 6 في المائة في 2021 إلى 2.3 في المائة فى 2022، مع توقع المزيد من التراجع إلى ما دون 3 في المائة في 2023)، وذلك بسبب ما شهده العام المنصرم من ارتفاع كبير في مديونيات عديد بلدان الجنوب العالمي (غير المصدرة للنفط والغاز) الواقعة بين مطرقة أسعار القمح والحبوب المتصاعدة وسندان أسعار الطاقة المرتفعة، بل امتدت هذه التداعيات إلى دول الشمال الغني خاصة الدول الأوروبية، التي عانى مواطنوها من الأعباء الإضافية لأسعار الطاقة المتزايدة على موازناتها ومن غياب الإمدادات المضمونة للطاقة بعد اعتيادها على الغاز الروسي رخيص الثمن والذي كان يغطي ما يقرب من 40 في المائة من احتياجاتها، لتدخل عصر الأسعار المرتفعة من الغاز بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على مستويات النمو والتشغيل.

خبراء يقولون إن التوتر بين القوى الكبرى ينذر بسباق تسلح عالمي (أ.ب)


إلى جانب ذلك، فإنه من غير المنتظر أن يشهد العام الجاري تقديم مزيد من المعونات والمساعدات والقروض الميسرة لبلدان العالم النامي، يدلل على ذلك ما جرى في مؤتمر الأمم المتحدة للتغيرات المناخية بشرم الشيخ (كوب-27) في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي (2022) حينما رفضت المانيا البلد الأوروبي الأكبر، إقرار مبالغ وآليات محددة لتعويض دول الجنوب عن الأضرار البيئية، في حين أعلنت عن تخصيص 100 مليار يورو لتجديد تسليح جيشها خلال 4 سنوات وقدمت ما يقرب من 5.2 مليار يورو لدعم أوكرانيا عسكريًا بنظم سلاح ألمانية. كما يدلل على ذلك أيضًا وعد الرئيس الأميركي جو بايدن (في القمة الأفريقية- الأميركية الأخيرة) بتقديم دعم تنموي لكل بلدان القارة الأفريقية يبلغ 55 مليار دولار، في حين كان وعده خلال العام ذاته لتقديم 60 مليار دولار إضافي لأوكرانيا وحدها بين سلاح ومساعدات اقتصادية وإنسانية.
ما سبق يعني أنه رغم حجم المخاطر المتصاعدة والصراعات المتعددة والتوترات المتزايدة، فإن عديد دول العالم لم يدرك قادتها خطر ذلك على السلم والأمن الدوليين، بل مما يزيد الأمر خطورة هو انغماس القوى الكبرى في عديد هذه الصراعات والحروب الإقليمية أو حتى الداخلية في حين أن مسؤوليتهم القانونية والأخلاقية كانت تفرض عليهم البحث عن حلول لتلك الأزمات ووضع نهايات لهذه الصراعات، إلا أن مصالحهم الاقتصادية والسياسية دفعت غالبيتهم إلى التورط في هذه الصراعات من منطلق تزويد أطرافها بالسلاح، والحصول على العائدات الكبيرة من جراء ذلك، حيث تتميز صراعات الحروب المعاصرة بالاستهلاك السريع للذخائر، الأمر الذي يعني مداومة إمداد الأطراف المتصارعة باحتياجاتها منها، لتحصد القوى الكبرى العوائد في حين تدفع شعوب الدول المتصارعة الأثمان غالية من أرواحها ومقدراتها، وهذا ما أشار إليه بشكل صريح وواضح رئيس مجلس إدارة معهد استكهولم ستيفان لوفين بقوله إن «العلاقات بين القوى العظمى في العالم تدهورت أكثر في وقت تواجه فيه البشرية والكوكب مجموعة من التحديات المشتركة العميقة والملحة التي لا يمكن التصدي لها إلا من خلال التعاون الدولي».

عام 2022 هو عام اشتعال حرب أوكرانيا (أ.ف.ب)


إلى جانب ما سبق، تترك مثل هذه الصراعات المصحوبة بسباق للتسلح، عديد التأثيرات والتداعيات على الأمن والاستقرار العالمي من ناحية، وعلى قدرة المجتمع الدولي من ناحية أخرى على مواجهة التحديات والتهديدات المتزايدة، سواء تلك التي ارتبطت بالطبيعة وتقلباتها مثل التغيرات المناخية، أو التي ارتبطت بالسلوك البشري وعدوانيته على غرار شن الحروب وتشكيل التنظيمات الإرهابية.
ولذا، أضحت ثمة ضرورة أن ندرك خطورة المنزلق الذي نهوي فيه جميعًا صوب اشتعال المزيد من الحروب والصراعات. ومن ثم، يبرز دور بعض القوى الوسطى في النظام الدولي والتي تحمل رؤية للتنمية ومشاعل للسلام، حيث يمكن هنا الحديث في إقليم الشرق الأوسط عن ثلاث قوى رئيسية قادرة على مواجهة هذا الانزلاق ليس فقط إقليميًا وإنما أيضًا عالميًا، إذ يمكن لثلاثية البلدان العربية (مصر- السعودية- الإمارات) بما تحظى به من مكانة إقليمية ودولية، وتمتلك من قدرات وثروات اقتصادية، وخبرات سياسية أن تقدم مبادرة أممية تعيد للعالم رشده لوقف الانزلاق في طريق سباق للتسلح لن يفيد أحدا بل سيصل خطره إلى الجميع.