المسيرات الإيرانية تهدد أوروبا

صفقات عسكرية إيرانية تدق ناقوس الخطر
حطام مُسيرة «شاهد-136»، المعروفة باسم «غيران-2» في إقليم خاركيف، يوم 6 أكتوبر 2022 (رويترز)

تُعد مُسيرات «شاهد-136» إيرانية الصنع التي تضرب المدن الأوكرانية أبرز المؤشرات على أن إيران أصبحت أهم داعم عسكري لروسيا منذ بدء الحرب قبل أحد عشر شهراً. ووفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الأوكرانية، شنت روسيا غارات باستخدام مُسيرات شاهد مما أسفر عن مقتل وجرح العديد من المدنيين وألحق أضراراً بمئات المناطق السكنية ومحطات الطاقة والجسور والمستشفيات ومحطات الصرف الصحي والمدارس في عدد من المدن الأوكرانية.

في الثاني من يناير (كانون الثاني) من العام الجديد، أصدر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بياناً مصوراً تحدث فيه عن مُسيرات «شاهد-136» التي تهدف إلى إرهاق أوكرانيا. قال زيلينسكي: «مر يومان فقط على بداية العام الجديد، وتجاوز عدد المُسيرات الإيرانية التي أطلقت فوق أوكرانيا ثمانين مُسيرة. ربما يزيد هذا الرقم في المستقبل القريب، إذ يمكن أن تستمر الاضطرابات في الأسابيع الجارية».
قبل أربعة أيام فقط، في 29 ديسمبر (كانون الأول) 2022، تعرضت أوكرانيا لهجوم باستخدام 19 مُسيرة من طراز شاهد، ضربت سبعة منها العاصمة كييف. ظهرت أول تقارير تشير إلى استخدام روسيا لمُسيرات شاهد الإيرانية في منتصف سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، عندما استُخدمت العديد من الطائرات دون طيار ضد أهداف بالقرب من مدينة كوبيانسك في إقليم خاركيف، في أوديسا وميكولايف. وظهرت مرة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول)، عندما استُخدمت المُسيرات ضد أهداف مدنية في مدينة بيلا تسيركفا جنوب كييف.

صورة لمجموعة من الطائرات دون طيار أثناء تدريب عسكري بموقع غير محدد في إيران. تم الحصول على هذه الصورة يوم 24 أغسطس 2022 (رويترز)


بعد الهجوم على بيلا تسيركفا، اتهمت كييف طهران علناً بإمداد الروس بمُسيرات شاهد. وفي 11 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، ألقى زيلينسكي كلمة أمام قادة الدول السبع، ذكر فيها أن روسيا اشترت آلافا من مُسيرات شاهد. وقال الرئيس زيلينسكي: «استخدم العدو أكثر من مائة صاروخ كروز وعشرات من المُسيرات المختلفة، بما فيها مُسيرات شاهد. تصلني كل عشرة دقائق رسالة تفيد باستخدام العدو مُسيرات شاهد (...) بحسب استخباراتنا، طلبت روسيا 2400 مُسيرة شاهد من إيران وحدها».
أنكرت طهران هذا الاتهام في البداية ووصفته بأنه بلا أساس، وقالت إنها مستعدة لإجراء محادثات مع كييف لتوضيح الأمر. ولكن بعد أسبوعين فقط اعترفت إيران أنها زودت روسيا بعدد محدود من المُسيرات مدعية أنها وصلت قبل بدء الحرب الروسية على أوكرانيا بعدة أشهر، وأنها أوقفت أي عمليات تسليم جديدة.
كشف مركز «إسرائيل- ألما» للأبحاث والتعليم زيف الادعاء الإيراني بأن التسليم تم قبل عدة أشهر. وجمع المركز بيانات تثبت أن عملية شراء موسكو لمُسيرات شاهد بدأت بزيارة سرية لوفد روسي إلى إقليم كاشان بإيران في يونيو (حزيران) 2022. وأعاد المركز نشر مقطع فيديو في حسابه على «تويتر» يكشف فيه أن عدداً من الجنود الروس شاركوا في أغسطس (آب) الماضي في تدريبات أجريت في كاشان بهدف تعريفهم على كيفية تشغيل المُسيرات.
وفي العاشر من ديسمبر (كانون الأول) 2022، صرح جون كيربي المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي بأن إيران تقدم للروس دعماً عسكرياً على مستوى غير مسبوق. وقال: «تسعى روسيا إلى التعاون مع إيران في مجالات مثل تطوير الأسلحة والتدريب»، مضيفاً أن الإدارة الأميركية تخشى أن روسيا تعتزم «إمداد إيران بمكونات عسكرية متقدمة» من بينها المروحيات ونظم الدفاع الجوي.

سكان محليون ينظرون إلى حطام طائرة دون طيار، تعتقد السلطات الأوكرانية أنها مُسيرات «شاهد-136». 17 أكتوبر 2022 (رويترز)

«شاهد-136»: مُسيرات مؤثرة وزهيدة الصنع
 مُسيرات «شاهد-136» هي طائرات من دون طيار تسمى أيضا بمُسيرات «كاميكازي» لأنها تُدمَّر في الهجوم، وأطلق عليها هذا الاسم نسبة لطياري المقاتلات اليابانيين الذين نفذوا مهمات انتحارية في الحرب العالمية الثانية.
هذه المسيرات من تصنيع مركز شاهد لأبحاث صناعة الطيران الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع القوة الجوفضائية لحرس الثورة الإسلامية الإيراني وشركة الصناعات الجوية الإيرانية المملوكة للحكومة.
دخلت مُسيرات «شاهد-136» الخدمة في الجيش الإيراني رسمياً عام 2021. وقد وردت تقارير بأن الحوثيين في اليمن يستخدمون هذه المُسيرات الإيرانية، بطرزها المختلفة. وفي الأعوام الأخيرة، تُستخدم مُسيرات مشابهة لشاهد-136 ضد أهداف في الإمارات والسعودية، مثلما حدث في اعتداء سبتمبر (أيلول) 2019 على منشأة نفط سعودية في بقيق. وألحق الهجوم ضرراً بالغاً مما تسبب في إغلاق المنشأة لمدة شهرين.
يشرح الدكتور عوزي روبين، الخبير في مجال الدفاع الصاروخي وكبير الباحثين في معهد القدس للدراسات الاستراتيجية والأمنية، مميزات استخدام مُسيرات شاهد-136 الانتحارية. أولاً هي فعالة من حيث تكلفة الإنتاج وأقل سعرا بكثير من المسيرات المحملة بالصواريخ، إذ يتكلف تصنيع مُسيرة واحدة من طراز شاهد حوالي 20,000 دولار. وأوضح روبين: «من السهل للغاية تشغيل هذه المسيرات- يكفي تحميل إحداثيات الهدف وإطلاقها بواسطة صاروخ معزِز صغير- ومن الصعب للغاية أن تلتقطها أجهزة الرادار أو الأجهزة الكهروبصرية بسبب صغر حجمها (يبلغ طول جناحها حوالي مترين)، وسرعتها المنخفضة- غالباً تقل عن الحد الأدنى للسرعة التي تلتقطها أغلب أجهزة الرادار بأشعتها تحت الحمراء».
تصل أقصى سرعة لمُسيرات شاهد إلى 115 كيلومترا في الساعة، ويبلغ أقصى نطاق لها 1550 ميلا، وتحمل رأساً حربياً يزن ما بين 30 و50 كيلوغراما. تُحدث محركاتها ذات الكباس ضجيجاً، ولكن على الرغم من صوتها العالي الذي يمكن أن يحذر من تحليقها، فهي غير مصممة لكي تُطلق منفردة، بل تخرج في أسراب كبيرة.

عثر على هذا المحرك لطيارة بلا طيار، تعتقد السلطات الإيرانية أنها مُسيرة شاهد الانتحارية، بعد غارة روسية على منشآت تخزين الوقود في خاركيف، أوكرانيا. 6 أكتوبر 2022 (رويترز)

وبحسب تصريحات مسؤولين أوكرانيين، تعرضت قواتهم المسلحة منذ سبتمبر (أيلول) لضربات بواسطة آلاف المُسيرات من طراز شاهد. وجدير بالذكر أنه من شبه المستحيل إسقاط جميع المُسيرات، «لأنها تطير على مستوى منخفض ويمكن إرسالها على موجات» على حد قول الخبير العسكري جاستن كرامب الذي أضاف: «من الصعب كثيراً صد أسراب هذه المُسيرات بواسطة الدفاع الجوي».
وذكر جون كيربي المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن عددا قليلا نسبيا من الخبراء الإيرانيين موجود في القرم لتحسين أداء المُسيرات الإيرانية. وكرر تصريحه المتحدث باسم البنتاغون الجنرال بات رايدر الذي قال إن الإيرانيين يساعدون الطواقم الروسية المسؤولة عن تسيير الطائرات دون طيار.
لا تثير حقيقة تقارب روسيا وإيران على الصعيدين العسكري والسياسي الدول المجاورة لروسيا وأوكرانيا فحسب، بل تدق ناقوس الخطر للمجتمع الدولي بأسره، وتحديداً الدول المجاورة لإيران في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد توترات سياسية بالفعل. لن يكون تزويد إيران لموسكو بالمُسيرات وإرسال طواقم إيرانية إلى الأراضي الروسية بلا مقابل، مما يعني أن روسيا ستصبح أكثر انفتاحاً على رد الجميل بتزويد إيران بمعدات عسكرية متقدمة تقنياً وأكثر فتكاً مثل مقاتلات سوخوي (سو-35) التي تحرص إيران على الحصول عليها.