لبنان.. الأفق السياسي مسدود ورهان على التسويات لإنجاز الاستحقاقات

حزب الله يُمعن في التعطيل.. وتخوّف من تدهور أمني بغياب الحلول
لا انفراج قريباً في الداخل اللبناني

بيروت: سلّمت 2022 راية الفراغ، وسلّة من الأزمات المتراكمة، إلى سنة 2023 التي ستكون صفحات رزنامتها زاخرة بمشاكل تتوالى فصولها من سنوات سابقة، ليبقى اللبنانيون تائهين في دوامة الصراعات بين أفراد منظومة جعلت من البلد ومواطنيه حقل تجارب لمخطّطاتهم الجهنّمية التي فتكت بالحجر والبشر، وبات لبنان في العراء بانتظار معجزة تنتشله من أتون ممارسات مسؤولين لم يفلحوا سوى بتقاذف الاتهامات والسعي لتحقيق مآربهم الخاصة على حساب وجع الناس، فيما مسلسل نزيف الأزمات المستمر يضع لبنان في طريق مجهول.
مع بداية العام الجديد، ودّع اللبنانيون شهوراً مدموغة بالمعاناة إلا أنهم يتمسكون بفائض الآمال بتبدّل أحوالهم المأساوية، على الرغم من أن هاجس الانهيار لا يزال يؤرق مضاجعهم بحكم الأفق المسدود في بلد يتّجه بخطى ثابتة نحو مزيد من الانحدار في ظل أزمات غير مسبوقة طالت بسهامها مختلف الأصعدة، فمؤشرات الـ2023 لن تكون مغايرة بضبابيتها عن السابق، والتسويات لم تنضج بعد وطبخة المحاصصات لا تزال قيد التجاذبات والمناكفات المتواصلة التي تؤخر الولوج نحو حلحلة تُمهّد للخروج من النفق المسدود ليس فقط سياسياً، بل أيضاً اقتصادياً واجتماعياً.
احتمالان لا ثالث لهما أمام لبنان مع مطلع السنة الحالية في ظل الشغور الرئاسي، الأول هو انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل للحكومة بعد وصول الأفرقاء السياسيين إلى تسوية بغطاء دولي، أما الثاني فإطالة أمد الشغور وغياب الرعاية الخارجية للبنان، ما يعني استمرار الفراغ المصحوب بمزيد من الانهيار لفترة طويلة الأمد، بانتظار أن تُبصر الحلول النور بعد مخاض طويل من التخبّط في بحر من التعقيدات التي يبدو أنها ستبقى عصيّة على التفكّك حتى الوقت الراهن.
بعد جمود فرضته عطلة الأعياد، تنطلق عجلة الحياة كما السجالات في لبنان مجدداً، وسط الرهان بأن تُسفر الأسابيع المقبلة عن بارقة أمل بأن التغيير سيكون قريباً وليس ببعيد، فهل سيتحقّق «الحلم المستحيل؟».

رسائل إيرانية» عبر الساحة اللبنانية.. ولا انفراج قريبا
فشلت الجلسات النيابية المتتالية في انتخاب رئيس للجمهورية، وطارت الدعوة إلى الحوار بعد أن افتتح تعطيل تشكيل الحكومة مسار العبور إلى فضاء الفراغ الذي لا يزال الحاكم الأوحد في تلك المرحلة بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، فيما تتواصل خلف الكواليس المشاورات، فهل ستشهد البلاد خرقاً لجدار التعطيل؟ وفي الإطار اعتبر الكاتب والمحلّل السياسي يوسف دياب لـ«المجلة» أنه «لا توجد في معطيات الواقع السياسي في لبنان الحالية حتى الآن انفراجات، فالجهود الداخلية التي تُبذل لا زالت دون المستوى المطلوب ولا ترقى إلى مستوى حل الأزمات في البلد، أي الاتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية ومن ثم تشكيل حكومة»، لافتاً إلى أنه «من الواضح أن قوى منظومة الحكم في لبنان أو الأحزاب والكتل النيابية مسلّمة بضرورة أن يكون هناك دور خارجي لموضوع الاستحقاقات الأساسية في لبنان وبأن لبنان لا يمكن إنقاذه من أزماته الراهنة إلا في حال كانت التركيبة السياسية المقبلة متوافقة مع الشروط الدولية والإقليمية».

يوسف دياب


وأوضح أن «غالبية الأطراف في لبنان مقتنعة بذلك، باستثناء طرف واحد وهو حزب الله ومن خلفه إيران، فهما يريدان ضمانات للمرحلة المقبلة، فبخصوص رئاسة للجمهورية يشترط الحزب أن لا يكون الرئيس الجديد ضده وأن لا يطرح شعارات تنتقص من دور الحزب وأن لا يطرح شعار الاستراتيجية الدفاعية بشكل مبكر ولا موضوع سلاحه على طاولة الحوار بشكل عاجل»، مشدّداً على أن «الجميع يعلم أن حزب الله ليس صاحب القرار وهو يستمد تعليماته من إيران، وبالتالي حتى الآن إيران لا تلعب دور المسهّل في حلّ الأزمات في لبنان، لأن وضعها مأزوم ليس على صعيد المنطقة فحسب، بل أيضاً داخلياً حيث تتواصل المظاهرات والمطالبات بتغيير النظام وإطلاق شعارات ضد المرشد والحرس الثوري الإيراني».
ورأى دياب أن «ما يحصل في إيران داخلياً أربكها، وهي في الأساس محرجة لأن المفاوضات الإيرانية الغربية متوقفة في فيينا، كما أنها غير مرتاحة لتراجع المفاوضات مع السعودية، وبالتالي كل هذه الملفات مجتمعة، مترافقة مع تعقيدات الوضع في اليمن وعدم وضوح الصورة في سوريا،
تنعكس سلباً على الساحة اللبنانية»، مشيراً إلى أنه «لا انفراج قريبا في الداخل اللبناني، لأنه شئنا أم أبينا فإن الموضوع اللبناني مرتبط بالملفات الخارجية، والجميع يعلم أن إيران تتّخذ من لبنان ساحة لتوجيه الرسائل إلى خصومها على مستوى المنطقة والعالم».
وجزم أن «إنجاز الاستحقاق الرئاسي ليس بقريب ومن الممكن أن يمتدّ إلى أشهر عدّة وتلقائياً لا توجد حكومة»، لافتاً إلى أن «كل ذلك سيُرتّب على البلد مزيداً من الأزمات السياسية والاقتصادية، كما يُسرّع من وتيرة الانهيار، والخشية من أن يؤدي هذا الانهيار الاقتصادي والاجتماعي إلى فوضى اجتماعية قد توصل البلد إلى فوضى أمنية».
وأعرب دياب عن «أمله في أن يكون هناك اهتمام خارجي في الوضع الداخلي اللبناني بشكل سريع، وإلا فالانتظار لإنجاز الاستحقاقات سيكون طويلاً»، مشيراً إلى أن «المعطيات لا تُبشّر بوجود حلحلة للوضع اللبناني قبل الصيف والخوف من أن يمتدّ الوضع إلى ما بعد السنة الحالية».

حزب الله يبتزّ اللبنانيين
على مدار عام كامل باءت كل محاولات ترقيع الواقع المأزوم في الوصول إلى طرف خيط يساعد لبنان في الخروج من نفق التحديات التي تتراكم في ظل إمعان القابضين على الحكم باستخدام أساليب المناورة لتحقيق مآربهم الخاصة وأجنداتهم التي تحكمها المكاسب على أنقاض الوطن، ووفق الكاتب والمحلّل السياسي طوني بولس لـ«المجلة» فإن «الأزمة التي يشهدها لبنان هي أزمة سياسية بخلاف ظاهرها الاقتصادي، وهي ناتجة عن تداعيات الوضع النقدي والمالي المهزوز، والخروج من كل الأزمات مجتمعة لن يكون بالمعالجة الاقتصادية أو الاجتماعية، بل السياسية».
وأوضح أن «الوضع السياسي في لبنان معطّل، تماماً ككل المواقع السياسية في الدولة، بدءاً من موقع رئاسة الجمهورية الشاغر، مروراً بالحكومة التي تقوم بتصريف الأعمال، وصولاً إلى المجلس النيابي الذي يُمثّل السلطة التشريعية التي تحوّلت إلى هيئة ناخبة لرئاسة الجمهورية، من دون إغفال أن السلطة القضائية بدورها معطّلة».

طوني بولس


واعتبر بولس أن «أركان الدولة الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية في تعطيل تام، وبالتالي لا يمكن أن تكون هناك حلول طالما الشغور مستحكم بتلك المواقع الرئيسية»، لافتاً إلى أن «حزب الله متحكّم بمسار الأمور في لبنان ويبتزّ اللبنانيين، بين تسوية على الأسماء التي يريدها في المراكز والمواقع الأساسية في الدولة وبين الفراغ، وبالتالي القضية باتت أشبه بلعبة وقت يحاول من خلالها حزب الله جرّ اللبنانيين إليها تماماً كما فعل خلال الانتخابات الرئاسية السابقة حيث انتظر لمدة عامين ونصف العام للوصول إلى التسوية التي قضت بالذهاب إلى مرشح الحزب حينها ميشال عون».
وشدّد على أن «القضية في لبنان معرقلة نتيجة قرار من حزب الله بتعطيل الأمور، ومسار الحلّ مُرحّل إلى أجل غير مسمّى حتى تُصبح الأمور مناسبة له على المستويين الإقليمي والداخلي»، مشيراً إلى أن «طرح البطريرك الماروني بشارة الراعي بتدويل الأزمة اللبنانية قد يكون باباً للخروج من الأزمة ولكنه بحاجة إلى إجماع عربي ودولي لتحقيقه».
وأكّد بولس أن «تطبيق اتفاق الطائف هو أساس أي مسار لإخراج لبنان من الأزمة الحالية، فالبنود التي نصّ عليها الاتفاق لم يتم تطبيقها منذ دخول الجيش السوري إلى لبنان الذي طبّق منه ما يناسبه، وبعد خروجه من لبنان وسيطرة إيران عبر حزب الله على الوضع الداخلي في لبنان، تم تطبيقه على الطريقة الإيرانية التي شوّهت الاتفاق».
وفي البحث عن مسار الحلول، رأى أن «تحقيق ذلك يبدأ بإعادة تصويب المسار الدستوري في البلد عبر تطبيق الطائف وإعادة تفعيل المؤسسات الأساسية أي السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بالإضافة إلى تسوية سياسية شاملة على مستوى المنطقة، لأن التسويات الداخلية فقط لن تؤدي إلى النتيجة المرجوة بل إلى استسلام القوى الداخلية السياسية إلى حزب الله  كما حصل منذ عام 2005 وصولاً إلى التسوية الأخيرة التي أتت بميشال عون، وبالتالي كل التسويات تعني استمرار الحزب بالسيطرة على الدولة».
تتجّه الأنظار إلى ما ستؤول إليه الأمور خلال الشهر الحالي ليُبنى على الشيء مقتضاه، إلا أن الأكيد أن الحل المرجو سيدفع ثمنه المواطن الذي يكون على موعد مع كل استحقاق لدفع ضريبة اللعب بمصيره، ليس فقط من أمواله، بل أيضاً من أعصابه حيث يضرب موعداً كل يوم مع مشقّات لتأمين احتياجاته بعد أن أوصله نفاق المسؤولين ووعودهم إلى جحيم سياسي واجتماعي منذ سنوات، من دون أن يرفّ لهم جفن أو يتحركوا لإنقاذ البلاد والعباد من الموت المحتوم.