السعودية ومصر.. تعاون عسكري متصاعد يبعث برسائل رادعة

تبوك.. وفيصل.. والموج الأحمر.. ومرجان
من تدريبات «رعد الشمال»

القاهرة: يشهد التعاون العسكري بين المملكة العربية السعودية ومصر آفاقًا واسعة في ظل التحديات الكبيرة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، آخرها الاجتماع التاسع للجنة التعاون العسكري المصري السعودي، الذي حضر جلسته الختامية الفريق أول الركن فياض بن حامد الرويلي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة بالمملكة، والفريق أسامة عسكر رئيس أركان حرب القوات المسلحة بمصر.
يسعى البلدان إلى تنمية وتعزيز العلاقات العسكرية بهدف تنمية وترسيخ أسس التعاون وتطوير العمل المشترك، بما يسهم في تبادل الخبرات باستخدام كافة الأسلحة والمعدات ذات التكنولوجيا المتطورة خاصة أنهما يمثلان ثقلاً عسكريا في العالم بأسره وليس الشرق الأوسط فقط، وفق تصنيف «غلوبال فاير باور» التي منحت مصر المركز الـ12 عالميًا والمملكة المركز العشرين في تصنيف الجيوش، الذي يعتمد على أكثر من 50 عاملا لتحديد مكانة القوة العسكرية لأي دولة، مع الأخذ في الاعتبار القوة المالية والقدرات اللوجستية والعامل الجغرافي.
وقد أسفرت اجتماعات اللجنة عن التوافق على تعزيز أطر التعاون الاستراتيجى بين القوات المسلحة السعودية والمصرية على مختلف الأصعدة، بما يسهم في تحقيق الرؤى والمصالح المشتركة لكلا البلدين الشقيقين، كما تفقد الفريق أسامة عسكر شركة «SAMI» المسؤولة عن دعم وتطوير الصناعات الدفاعية بالسعودية، وأشاد بما شهده من التقنيات المتطورة لمنظومات التسليح المختلفة التى تنتجها الشركة.
كما أشاد عسكر بمستوى التعاون القائم ودورية التنسيق المتبادل للجنة العسكرية المشتركة، وما تحققه من نتائج إيجابية، في ظل الروابط الراسخة العميقة وعلاقات الأخوة التي تجمع البلدين الشقيقين التي تمثل دعامة أساسية لحماية الأمن القومي العربي، وتحقيق الاستقرار بالمنطقة.

مناورات «تبوك-5»

تعاون مستمر
ينعكس التعاون المستمر بين البلدين في زيادة عدد المناورات المشتركة بينهما سواء أكانت ثنائية أم بوجود أطراف إقليمية ودولية، وآخرها في أغسطس (آب) الماضي، خلال مناورات «هرقل» التي شارك فيها البلدان معًا بجانب  دول الإمارات واليونان وقبرص، فضلا عن دول أخرى بصفة مراقب.
شهدت المناورات حينها، وضمت مشاركة عناصر من القوات الخاصة، وركزت على إجراءات دمج وتعارف القوات المشاركة لتوحيد المفاهيم، بجانب تنظيم معرض للأسلحة والمعدات المستخدمة في التدريب، مع عقد محاضرات في مجالات الأمن السيبراني والقانون الدولي الإنساني.
قبلها بشهرين اثنين فقط، تم تنظيم التدريب الجوي السعودي- المصري المشترك «فيصل-12» بالمملكة بمشاركة تشكيلات من القوات الجوية للبلدين، والتي تضمنت تخطيط وإدارة أعمال قتال جوي مشترك، وتنفيذ عدد من الطلعات الهجومية والدفاعية بمشاركة تشكيلات من أحدث المقاتلات متعددة المهام لكلا الجانبين.
كما سبق للقوات الجوية للبلدين، أيضًا، المشاركة معًا في فعاليات التدريب المصري- السعودي المشترك «طويق-2» بقاعدة الأمير سلطان الجوية السعودية، بغرض توحيد المفاهيم وتبادل الخبرات، مما يسهم في رفع الكفاءة القتالية للقوات الجوية المصرية والسعودية.

تبوك.. فعاليات مستمرة
تمثل سلسلة «مناورات تبوك» مثالاً للتعاون العسكري المشترك والمستمر بين مصر والسعودية، فـ«تبوك-1» أقيمت لأول مرة بمنطقة تبوك بالسعودية عام 2008، واشتملت على العديد من الأنشطة، منها قيام الجانبين بأعمال الاستطلاع لمنطقة الإنزال والتجمع، وتنفيذ إجراءات التأمين الإداري والفني للعناصر المشاركة في المناورة، واحتلال أماكن الدفاعات الرئيسية.
في 2010، تم تنظيم «تبوك-2» بمدينة الحمام بمحافظة مطروح شمال غربي مصر، بمشاركة وحدات من المشاة الميكانيكي والمدرعات والمدفعية وتشكيلات من القوات الجوية ووسائل الدفاع الجوي وعدد من القوات البرية لكلتا الدولتين،  وفي مايو (أيار) 2013 انطلقت «تبوك-3» التي كانت الأضخم من نوعها كما أنها كانت أول مناورة برية بين البلدين وتضمنت عمليات الاقتحام وتطهير المباني والتسلل وعمليات الاشتباك والإخلاء والقناصة، استخدمت فيها أحدث المعدات والأجهزة المتطورة. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2018، انطلقت «تبوك-4»، بنطاق المنطقة الجنوبية العسكرية بمصر بمشاركة العديد من الرمايات باستخدام مقلدات المايلز. أما «تبوك-5» التي احتضنتها المملكة في يناير (كانون الثاني) 2022 فشهدت تنفيذ عدد من الأنشطة التدريبية حيث قامت عناصر المظلات بالقفز الحر خلف خطوط العدو لتدقيق المعلومات وقطع طرق الإمداد، ونفذت عناصر المشاة الميكانيكي والعناصر المدرعة الحصار الخارجي لأحد أماكن التدريب، وقامت القوات الخاصة بتنفيذ الاقتحام العمودي والقبض على العناصر الإرهابية وتطهير القرية وتحرير الرهائن، والدفع بعناصر التأمين الطبي والإداري لإعادة الحياة لطبيعتها.
كما شاركت القوات المسلحة المصرية في عام 2016 بأنشطة وفعاليات التدريب المشترك «رعد الشمال» الذي نفذته وحدات مقاتلة من القوات البرية والجوية ووسائل الدفاع الجوي والقوات الخاصة لعدد من الدول العربية والإسلامية، وركزت على النقل الاستراتيجي للقوات من مناطق تمركزها إلى موانئ التحميل والوصول.

مناورات عسكرية بمشاركة دولية

مياه واحدة
كثف البلدان التعاون البحري بينهما في السنوات الأخيرة التي كان في مقدمتها، التدريب البحري المشترك (الموج الأحمر-5)، بالمياه الإقليمية بالمملكة وشارك فيها البلدان بالتعاون مع الأردن وجيبوتي والسودان واليمن لتحقيق التفاهم بين جميع العناصر والقوات المشاركة، وتخطيط وإدارة أعمال قتال بحرية مشتركة لصقل المهارات وتبادل الخبرات بين القوات المشاركة في التدريب.
وخلال شهر يناير 2022، شهدت قاعدة الملك فيصل البحرية بالأسطول الغربي مناورات التمرين البحري الثنائي المختلط «مرجان-17» بين القوات البحرية الملكية السعودية والقوات البحرية المصرية في البحر الأحمر.  
وقبل عامين 2020، شاركت عناصر من القوات البحرية السعودية والمصرية في تدريب  «مرجان-16»، الذي يتم تنفيذه بنطاق الأسطول الجنوبي بالبحر الأحمر في مصر. وشاركت فيه الفرقاطة المصرية طابا وسفينة الإمداد حلايب وعدد من لنشات الصواريخ بجانب عناصر من القوات الخاصة البحرية، ومن الجانب السعودي الفرقاطة الرياض وسفينة دورية صاروخية من طراز PGG وعناصر من الوحدات البحرية الخاصة السعودية.

تنسيق مستمر
اللواء سمير فرج، الخبير العسكري المصري، يقول إن الاجتماع التاسع للجنة التعاون العسكري المصري السعودي شديد الأهمية، باعتباره يتضمن تنظيمًا للتنسيق الأمني وأعمال التدريب المشترك في العام الجديد، مضيفًا أن التنسيق الأمني بين البلدين اللذين يملكان قوات على أعلى مستوى، متواصل ودائم، ويستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، لاسيما باب المندب بالبحر الأحمر.
وتولت القوات البحرية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي قيادة قوة المهام المشتركة (153)، التي تضم مصر والسعودية والإمارات والأردن والولايات المتحدة، تتمثل مهامها في مكافحة أعمال التهريب والتصدي للأنشطة غير المشروعة خاصة الأنشطة الإرهابية في مناطق (البحر الأحمر- باب المندب- خليج عدن).
وأشار فرج إلى أن السعودية ومصر يحملان عبء تأمين البحر الأحمر؛ بعدما أصبح معرضًا للتهديدات وتكثيف التدريبات العسكرية يعمل على تأمينه، ويعطي الدول فرصة لممارسة التعاون لمواجهة أي تهديد لمضيق باب المندب.
حذرت الحكومة اليمنية في الفترة الأخيرة من التهديد الخطير وغير المسبوق الذي باتت تشكله الألغام البحرية الحوثية على سلامة السفن التجارية وأمن حركة الملاحة في الممرات الدولية في البحر الأحمر وتسببه في مقتل عشرات الصيادين في السواحل اليمنية.
الدكتور محمد الغباري، الخبير العسكري المصري، يؤكد على أهمية التعاون العسكري بين مصر والسعودية اللتين تمتلكان أقوى جيوش المنطقة، موضحًا أن التدريبات المشتركة تُزيد من الخبرات ومستوى القدرة والكفاءة القتالية بينهما خاصة في ظل التحديات التي تواجه المنطقة وتشعبها.
يؤكد جميع الباحثين العسكريين بمصر أن العلاقات المصرية السعودية هي العمود الفقري للمنطقة العربية في كفاحها لمواجهة التحديات الهائلة التي تواجه العالم العربي، ويمثل أحد مظاهر العلاقات الممتدة بينهما التي تتضمن التعاون المكثف في الاقتصاد ودرجات عالية من التنسيق على جميع المستويات.
وأوضح الغباري أن التدريبات العسكرية بين الجيوش القوية تساعد في التعرف على الأسلحة الحديثة والتكتيكات والمهارات القتالية التي اكتسبتها كما تبعث أيضًا رسائل بقوة العلاقات بين الدولتين فالتعاون العسكري أرقى مراحل التعاون بين الدول، كما أنه يوجه رسائل لمن يخطط لاستهداف الأمن القومي العربي مفادها أن هناك قوات مُدربة وقوية قادرة على التنسيق والتعاون المشترك لما فيه مصالح شعوبها.
ووفقا لموقع «غلوبال فاير باور» المتخصص في الشؤون العسكرية للدول فإن المملكة العربية السعودية تمتلك قوات عاملة بنحو 480 ألف جندي وتمتلك مصرـ بحسب الموقع ذاته- قوات عاملة يبلغ عددها 450 ألف جندي، ما يجعل البلدان معًا يمتلكان قوات عاملة تقارب المليون بجانب ملايين أخرى من جنود الاحتياط.

تطور تدريبي
شهد الجيش السعودي تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، على مختلف الأصعدة، والذي ظهر أخيرًا في اقتناصه المركز الأول ضمن منافسات مسابقة «أفضل محارب سيبراني» على مستوى الشرق الأوسط، والتي ينظمها الجيش الأميركي، وشاركت وزارة الدفاع حينها بفريق مكون من خمسة أعضاء من أفرع الوزارة.
وضمت المنافسات في المسابقة التي تم تنظيمها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي العديد من التحديات التي تتضمن التشفير، والتحليل الجنائي، والهندسة العكسية، وأمان الويب، واستخبارات المعلومات مفتوحة المصدر، واستطاع الفريق السعودي اقتناص المركز الأول رغم وجود 106 مشاركين من دول عدة بينها وحدات عسكرية أميركية.
من جهة أخرى، حصل الجيش المصري على مراتب متقدمة في مسابقات المباريات الحربية الدولية التي تم تنظيمها في روسيا والصين بأكتوبر الماضي إذ حصل فريق ‏قوات الدفاع الجوي المصري المشارك في مسابقة السماء الصافية بدولة الصين على ‏المركز الثالث في الترتيب العام والميدالية البرونزية، كما حصد الفريق المصري جوائز ‏أفضل مدرب وأفضل رامي رشاش وأفضل إصابات للأهداف في المسابقة.
وحقق الفريق المصري المشارك بمسابقة رالي المركبات بدولة روسيا، 4 ميداليات ‏متنوعة خلال مشاركته المتميزة بالمسابقة، بالإضافة إلى تحقيق الفرق المصرية ‏المشاركة بمسابقتي المسار الآمن والصيغة الهندسية مراكز متقدمة في المنافسات.