قانون الأحوال الشخصية الجديد يثير الجدل في مصر

اقتراح «رئاسي» بإنشاء صندوق للمقبلين على الزواج لرعاية الأسرة
شروط عقود الزواج تثير الجدل

القاهرة: أصبح مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد حديث الساعة في مصر، بعد ما طرحته الدولة ممثلة بوزارة العدل للحوار المجتمعي، قبل عرضه على البرلمان لإقراره.
ونجح القانون في جذب جميع الشرائح المجتمعية لأنه يعنى بمجموعة القواعد التي تنظم علاقة الأفراد والأسرة المصرية فيما بينهم، من المسلمين أو غير المسلمين على حد سواء، من حيث صلة النسب والزواج وما ينشأ عنه من مصاهرة وولادة وولاية وحضانة وحقوق وواجبات متبادلة، وما قد يعتريها من انحلال تترتب عليه حقوق في النفقة والحضانة والإرث والوصية.
ويعد قانون الأحوال الشخصية أحد القوانين التي لا تزال في مرمى الانتقادات من بعض منظمات المجتمع المدني النسوية منها بشكل خاص، إضافة لعدد من الكتاب وأعضاء البرلمان.
وخلال الأيام الماضية تم تسليط الضوء على القانون بعدما طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي بطرح مشروع القانون الجديد للأحوال الشخصية للنقاش المجتمعي، وذلك بعد عقده اجتماعا ضم رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ووزير العدل، ورئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، ورئيس لجنة إعداد مشروع القانون الجديد، وتناول الاجتماع حسب المتحدث باسم الرئاسة السفير بسام راضي، عرض أعمال لجنة إعداد مشروع القانون الجديد، وطالب الرئيس بضرورة أن يتضمن القانون إنشاء صندوق لرعاية الأسرة، ووثيقة تأمين لدعمها ماديا في مواجهة النفقات والتحديات ذات الصلة بمسائل الأحوال الشخصية، مع توفير المصادر التمويلية له، إضافة إلى دعمه من قبل الدولة حفاظا على الترابط الأسري ومستقبل الأبناء، وإلغاء كافة القوانين الحالية الخاصة بالأحوال الشخصية والتي بلغ عددها 6 قوانين، وذلك بعد إقرار القانون الجديد الذي أعطى صلاحيات جديدة للقاضي، وجمع منازعات كل أسرة أمام محكمة واحدة، واستحداث إجراءات للحد من الطلاق، وإعادة صياغة وثيقتي الزواج والطلاق بما يضمن اشتمالهما على ما اتفق عليه الطرفان عند حالتي الزواج والطلاق، وتوثيق الطلاق كما هو الحال في توثيق الزواج، وعدم ترتيب أي التزامات على الزوجة إلا من تاريخ علمها به. كما نص مشروع القانون على إلزام المقبلين على الزواج بصفة عامة بإجراء التحاليل الطبية المطلوبة، وفي حالة زواج الأقارب يلزم بتحاليل طبية متخصصة.
وكانت الحكومة قد أكدت على مراجعة القانون مراجعة دقيقة، إضافة إلى حصولها على رأي وموافقة الأزهر، ووزارة الأوقاف، ودار الإفتاء فيما يتعلق بمسألة توثيق الطلاق، مع التأكيد على التزامها بدعوة فئات المجتمع المعنية للحوار حول القانون.

القانون وضع شروطا لعقد القران

ضمانات لدعم بناء أسرة قوية
الملامح التي نوقشت حول قانون الأحوال الشخصية الجديد ستكون اتجاهاً جديداً وغير مسبوق ولم يعهد مثله في مصر، بمعنى أن الاتجاه العلمي المتمثل في وجود قاضٍ وطبيب لأجل إتمام الزواج، سيدعم بناء أسرة قوية، بالإضافة إلى أنه سيلغي التطليق الشفهي وعدم الاعتداد به، وسيعمل على التمسك بالأوراق الرسمية كسند للتطليق.
ويؤكد رئيس حزب الشعب الديمقراطي المحامي بالنقض خالد فؤاد، في تصريحات خاصة لـ«المجلة» أن هذا القانون «سوف يؤدي إلى استقرار الأسرة المصرية التي تضررت كثيراً من قانون الخلع، الذي أدى إلى تضرر كبير للأسرة المصرية لأنه  يعمل على تطليق المرأة خلال 6 أشهر ولا يجوز استئنافه، وهو ما أدى إلى تضرر الأسرة المصرية كاملة، وتضرر الأطفال والمجتمع ككل، وأصبحت المرأة الآن بلا مورد وبلا راعٍ، وهو ما أدى إلى زيادة الفساد الأخلاقي».
وتابع: «أعتقد أن قانون الأحوال الشخصية الجديد سوف يقلل من الفساد الاجتماعي، والفساد الأخلاقي، وكذلك سيؤدي إلى تقليل حجم الأسر التي تشردت بسبب قانون الخلع، وهذا بالنسبة للطلاق الورقي، أما المسائل الأخرى الخاصة بالحضانة فنحن نتمنى أن يتم تنظيم مسألة الحضانة بشكل لا يكون فيه ضرر على الأطفال، لأن الرؤية لدينا مرتبطة الآن بالتواجد في بعض مراكز الشباب، والحدائق العامة، وهي أماكن في الغالب الأعم لا توفر الخصوصية والجو الأسري، وقد رأيت قضاة ينفذون أحكام الرؤية في الحدائق العامة، والدولة لا بد أن تسمح بالاستضافة، وهو أن يستطيع الطفل أن يقضي يوما كاملا لدى الطرف المحكوم له بالرؤية، سواء الأب، أو الجد، أو الجدة، أو الأم، وأن يكون له حق الاستضافة كي يرى الأب ويختلط به دون أن يتلصص عليه الأخرون، وتتلصص عليه العيون في الأماكن العامة، على أن تسمح الاستضافة بأن يأخذ الأب ابنه إلى البيت، ويخرج به إلى أي مكان من أجل الترفيه، والفسحة، على أن يكون المنزل هو المركز، وأن يكون هناك أمان بمعنى أن الأم عندما تذهب بالابن لرؤية أبيه، أو العكس، تكون هناك عقوبة مغلظة في حالة الاعتداء عليها، وأن يكون هناك أمان حتى تستقيم نفسية الأطفال، لأن الأطفال يتم تشكيل وجدانهم في هذه المرحلة، ويتضررون من هذه الخلافات، وفي النهاية المجتمع هو الذي يدفع الثمن».

ضوابط حاكمة للزواج والطلاق
قانون الأحوال الشخصية الجديد حسب المحامي بالنقض خالد فؤاد «يعالج مسألة الطلاق الشفهي، وأمسك الموضوع من طرفيه، (المدخل، والمخرج)، بمعنى أنه من ناحية المدخل، فقد قرر أن الزواج سيكون بضوابط، والطلاق أيضا بضوابط، لأن أهم ما في العلاقة هو بدايتها ونهايتها، بدايتها هي الزواج، فيكون هذا الزواج بضوابط، وهناك بعض البلدان العربية تشترط على العروس أو الزوجة، أن تحصل على شهادة بكارة من الطب الشرعي، فعندما تتم كتابة جملة البكر الرشيد لا تكون بشهادة الشهود، بل تكون مكتوبة بناء على كشف طبي، لأنه قد يحدث بعد ذلك عندما يجد العريس عروسه ليست بكراً في ليلة الدخلة، فيقوم بعمل محضر ويرفع دعوى أمام القضاء. والكشف الطبي سوف يضع الأمور في نصابها، وسوف يوقف المشاكل التي نراها في أقسام الشرطة وفي المحاكم، وهذا بالنسبة للمسألة الطبية».
ويتابع قائلاً: «نحن نعلم أن الشريعة الإسلامية يطبقها ولي الأمر، والقاضي هنا هو ولي الأمر، والشريعة الإسلامية تعطيه صلاحيات، وما نشاهده اليوم خاصة في المناطق الريفية، أنّه يتم تزويج غالبية البنات اللواتي لم يبلغن سن الـ15 عاما أو يبلغن سن الرشد زواجا عرفيا، ويقوم أولياء العروسين بتوقيع إيصالات أمانة، أو شيكات على بياض لضمان تحويل الزواج العرفي إلى زواج رسمي بعد البلوغ، وهذه الظاهرة أدت إلى تضرر كبير للمجتمع المصري وبوقائع ثابتة ندفع ثمنها جميعاً، وبصمت وهدوء فجأة نجد أطفالاً ينجبون أطفالاً، وهم جميعا في الشارع وفي النهاية يحدث الضرر على المجتمع، لأن أصحاب هذه الزيجات الفاشلة ينزحون إلى المدينة، ويعملون في الأعمال الدنيا، وهذا ما يستدعي تدخلا من الدولة عن طريق سن قانون للأحوال الشخصية يتدارك هذه المسائل».
ويوضح المحامي بالنقض خالد فؤاد أن «قانون الأحوال الشخصية الحالي تم سنّه في عام 1920، وأصبح متهالكا ولا يتناسب مع الوضع الحالي أو التركيبة الاجتماعية، والتركيبة السكانية مع الاختلاف الكبير الذي شهده المجتمع منذ سنة 1920 وهو تاريخ سن القانون، فالدولة المصرية كانت دولة حديثة العهد حيث اعتد بالجنسية المصرية في العام 1914، وكانت ظروف المملكة المصرية في تلك الفترة مختلفة تماما، كما وضع هذا القانون في عهد الاحتلال الإنكليزي، والقوانين التي وضعت في زمن الاحتلال من وجهة نظري مشوبة بعيب من عيوب الإرادة السياسية، لأن الإرادة السياسية التي تكون في دولة محتلة تجعل قوانينها تتأثر تأثرا سلبيا بإرادة المحتل، ويأتي ضمن هذه الشوائب عدم تنظيم مسألة الرؤية بالنسبة للطفل، وعدم وجود استضافة، والموضوعات الخاصة بالزواج في حد ذاته».
ويرى المحامي أن «المجتمع لا بدّ أن يتطوّر نحو الأمام دون الإخلال بالثوابت، فلدينا أركان خمسة بالنسبة للإسلام، والشريعة الإسلامية لا مساس بها، ولا نقبل المساس بها ولكن هناك أمورا تعتمد على الاجتهاد ولا تمس الثوابت، مثل حق الرجل في الزواج، وفي الطلاق، وهو ما تم تنظيمه في القانون الجديد، ولم يتم منعه، وهناك دول تعتنق المذهب المالكي مثل دول المغرب العربي تجعل القاضي هو الذي يطلق، والمرأة البكر لا تتزوج إلا بشهادة بكارة، فهل هذا تدخل في الشريعة؟ بالقطع لا، علينا إعداد الأوراق حتى لا نأتي في ليلة الدخلة ونقول هل العروس ثيب أم  بكر؟ وقد يعتقد البعض أن هذا القانون به نوع من التضييق على الزواج، والأمر ليس كذلك، لأنه تنظيم للزواج، وأعتقد أن الدولة لا بد أن تنظم الزواج، والطلاق، حتى لا يكون هناك فتنة وفساد داخل المجتمع».

شروط القانون الجديد لا تزال موضع نقاش

آلية لإثبات الطلاق الشفهي
وأضاف فؤاد: «فيما يتعلق بمسألة الطلاق الشفهي، من خلال خبرتي في المحاكم، يأتي الزوج ويطلق زوجته أكثر من 15 مرة، وهي تحاول أن تجعل الحياة تمر، وبعد أن يستحكم النفور بينهما تضطر إلى الاستعانة بالمحامي، لأن الزوج لا يريد إعطاءها ورقة طلاق، فتظل كالعالقة بين إحساسها بأنها تعيش عيشة حراما مع رجل لا يمت لها بصلة، وقلة حيلة رغم طلاقها الشفهي، وهو يرفض أن يوثق الطلاق ويستمرئ هذا الوضع، ما يجعلها مضطرة للجوء إلى القضاء ورفع دعوى إثبات طلاق، والقاضي يحيل الدعوى للتحقيق إذا عجزت عن إثبات أنه ألقى عليها يمين الطلاق، وترفض دعواها إلا إذا أقر هو أنه طلقها. وهذه مشكلة كبيرة أرجو الرجوع فيها لجداول المحاكم التي تم فيها رفع دعاوى طلاق أو خلع، والتي يأتي ضمن أسباب رفعها أن الزوج قام بالتطليق الشفهي عدة مرات، ويرفض إعطاءها ورقة طلاقها، لأننا نفتقد آلية إثبات الطلاق الشفهي إلا في القضاء، وهو ما يجعلنا نرجع لمثل هذا القانون».
وعن الاتهامات التي طالت القانون الجديد المقترح بأنّه يهدف إلى علمنة الدولة، يقول: «مفهوم العلمنة يختلف من شخص لآخر، فالعلمنة من وجهة نظر رجال الدين هي التخلي عن الدين، ومن وجهة نظر العلماء هي اتباع العلم بما لا يتناقض مع شريعة الإسلام، وموضوع قانون الأحوال الشخصية الجديد بحد ذاته هو خطوة للأمام، وليس خطوة للخلف، لأنه سيجعل هناك مساحة أكبر لولي الأمر في إحكام قبضته على الزواج والطلاق، فالأمية الثقافية، والأمية الهجائية، ومظلة الجهل انتشرت واتسعت في البلاد، ولا بد أن تتدخل الدولة من أجل تقليل الفوضى الحاصلة في مسألة الزواج».
ويرى فؤاد أنه «لا أحد يتكلم عن الكم الهائل من الأطفال الذين يتم تزويجهم في سن 14 و15 سنة خاصة في المناطق الريفية، وهو ما أدى إلى  حجم الضرر الرهيب الذي يحيق بالمجتمع، وهذه المخاطر المجتمعية تؤدي إلى أضرار اقتصادية، وتضرب البلاد سياسيا، ولا مساس في هذا القانون بالشريعة، وكل الاحترام لمؤسسة الأزهر الدينية وهي مؤسسة دستورية، إلا أن التشريع يكون في يد مجلس النواب الذي يعد السلطة التشريعية في البلاد، وهو صاحب القرار الأول في هذا الأمر مع الاسترشاد برأي الأزهر، والمؤسسات الدينية الأخرى».

انتقادات توجب مسؤولية الأزهر عن سن قانون الأحوال الشخصية
«الأحوال الشخصية يعنى بها فقه الأسرة، من إنشاء عقد الزواج، والطلاق والخلع إلى آخره، وأحكام ما بعد الموت من الوصايا والمواريث، كل ذلك جزء رئيسي من التشريع الإسلامي للمسلمين، له أدلة نصية من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وإجماع أئمة العلم»..
على ضوء ذلك، وحسب أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر، الدكتور أحمد كريمة، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»، فإن «الجهة الوحيدة بالنسبة لمصر المنوط بها تقنين ما يمس الأحوال الشخصية واقعاً وتاريخاً ودستوراً، هو الأزهر الشريف وحده، فالمادة 7 من الدستور الساري الحالي، تنص على أن الأزهر الشريف وحده هو المسؤول عن الشؤون الإسلامية، ومن المعلوم أن الإسلام- واقعاً وتاريخا ودستوراً وكياناً- هو دين الدولة المصرية بالنص الدستوري، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فكان الواجب أن يناط بالأزهر الشريف وحده تقنين مشروع الأحوال الشخصية، وقد فعل الأزهر ذلك طواعية من لجنة فقهية تخصصية، إلا أن الأمور جرت على غير هذا».