أوجه الشبه بين مادوف ورياض سلامة

بين رياض سلامة حاكم مصرف لبنان وبرنارد مادوف أحد أهم المستثمرين في أميركا وسوقها المالية حتى سجنه، هناك عدة أوجه شبه. الأول هو حاكم مصرف لبنان لعقدين ونيف من الزمن؛ انهالت عليه الجوائز العالمية قبلا من الهيئات المصرفية العالمية كأفضل حاكم في الكوكب، ونال تكريما من الحكومات الغربية لم ينله أي حاكم في تاريخ لبنان. كان سلامة ضيف الندوات العالمية؛ يتحدث فيها بإسهاب عن الإعجاز المالي اللبناني الذي أداره حتى الانهيار الكبير عام 2019.

تماما كما برنارد مادوف المستشار المالي الأكثر شهرة في الولايات المتحدة والذي استطاع تأمين أرباح خيالية لزبائن شركة مادوف للاستثمار في الأوراق المالية التي أنشئت عام 1960. ولهذا السبب عين رئيسا تنفيذيا لسوق «ناسداك» للأسهم، وكان ضيف الكونغرس غالبا، لكي يعطي آراءه في الاقتصاد والمال.

هذه الضجة التي أثيرت حول الرجلين مردها النتائج الخيالية التي حققاها، كل في مضماره. خيالية لأنها لم تكن تستند إلى أي واقع علمي أو اقتصادي. فكما كان من المستحيل علميا أن يتعدى مردود الاستثمارات المالية لمادوف 15 في المائة طوال مسيرته من دون خسارة، كان من المستحيل على رياض سلامة تمويل خسارة لبنان الاقتصادية والمالية عاما بعد عام من المال العام والتحويلات من الخارج والمساعدات ومن أعمال أخرى مشبوهة.

كان المطلوب حدثا لكي تنهار مخططات الرجلين. حدث برنارد مادوف الذي عرّاه كان انهيار الأسواق المالية العالمية عام 2008. والحدث الأساسي لرياض سلامة كان في تعريته هو قرار منع المصارف في لبنان من إكمال مشاريع تبييض العملة لصالح أكثر من جهة، لا سيما حزب الله، إلى جانب أسباب أخرى مثل انخفاض ملحوظ في نسبة التحويلات النقدية للبنانيي الخارج، مما جعل تمويله الخسارة الاقتصادية لبلد مثل لبنان عاما بعد عام أمرا مستحيلا.

مادوف أهدر 64 مليار دولار تقريبا من أموال الناس والمستثمرين، وسلامة مسؤول عن خسارة 100 مليار دولار على أقل تقدير من أموال المدخرين. وقد تحول الأسطورتان من بطلين يحتفل بهما في عالم المال إلى متهمين، واحد قضى في السجن، وآخر ينظر الخناق وهو يضيق حول رقبته ويتوقع الأسوأ، في ظل إرادة أوروبية جادة بمحاكمة الرجل. فسلامة أصبح متهما في ألمانيا حسب الوثائق التي تتداولها بعض الصحف وليس مجرد مشتبه به في عمليات التبييض، أمواله وممتلكاته أصبحت محجوزة في أوروبا حيث وجدت، أما صديقته الأوكرانية آنا كازانوفا- وبحسب ما أفاد مصدر قضائي لوكالة الصحافة الفرنسية في يناير (كانون الأول) من العام الماضي- فهي متهمة بـ«تكوين منظمة إجرامية وغسل أموال منظّم واحتيال ضريبي خطير». كما يُشتبه بأنها «شاركت في معاملات مالية معقّدة تسمح بإخفاء مصدر أموال اختلسها رياض سلامة من مصرف لبنان (...) وبأنها المستفيد الفعلي النهائي من الأموال»، وهذا ليس سوى غيض من فيض، ومع هذا هناك في لبنان من يفكر بالتمديد سنة أو سنتين لهذا الحاكم.

فكما لم يكن باستطاعة مادوف الاستمرار على مدى عشرين تمويلا،ما يعرف بـ«مخطط البونزي»،إلا بمساعدة بعض أباطرة المال من أميركا ومن أوروبا أيضا- هذا ما كشفته التحقيقات- فلم يكن أيضا باستطاعة سلامة الاستمرار في تمويل عجز الدولة اللبنانية من جيوب الناس دون دعم طبقة سياسية ومجموعة رجال أعمال ومستشارين سياسيين.

كبار المستثمرين لم يكونوا يريدون لمادوف أن يسقط، لأنه كان يعني حتما سقوطهم، وكانوا عند بعض الأزمات يمدونه بالمال للاستمرار في المخطط، فاليوم هناك من يريد التجديد لسنة أو سنتين لرياض سلامة وهو أمر مستغرب.

طبعا لا يجوز تحميل رياض سلامة عبء الانهيار الاقتصادي وحده، فالكل شريك له، ولكن يبقى سلامة الأداة المُنفذة لهذا المخطط الجهنمي الذي وضع لبنان في قلب أزمة اقتصادية هي ثاني أو ثالث أكبر الأزمات في العالم منذ ما يقارب المائة عام.

الأسئلة كثيرة في هذا المجال، والأهم: من يحمي سلامة؟ وإلى متى؟ إلى متى يستطيع الرجل الصمود بالرغم من الفضائح التي تلاحقه؟ إلى متى سيستمر البعض في الدفاع عنه وفي التغطية عليه تحت حجج طائفية ومذهبية؟ ما حجم تورط الفرقاء السياسيين في لبنان بـ«مخطط البونزي»الذي أرساه؟ هل يعقل أن يكون جاهلا بتجاوزات وتعاملات بنك المدينة والتي دفنت أسراره مع إغلاق المصرف؟ هل يمكن أن يقوم حزب الله من خلال أيمن جمعة (ليس صهر الرئيس نبيه بري)، حسب تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي، بتبييض أكثر من 200 مليون دولار شهريا، من خلال البنك اللبناني الكندي الذي عُوقب من قبل وزارة الخزانة الأميركية دون علم حاكم مصرف لبنان؟

مشكلة سلامة أنه في دوامة لن يستطيع الخروج منها سالما، ولو كان يظن أن المعلومات التي في حوزته والتي قد تدين أكثر من جهة داخلية وإقليمية أيضا التي استفادت ولا تزال من«مخطط البونزي»قد ترد عنه الأذى فهو مخطئ جدا.

يبقى أن وجه الشبه الأكثر تقاربا بين الرجلين هو أنهما خلفا الكثير من المآسي بحق الناس الذين للحظة وثقوا بهم وخسروا كل شيء... وهذا أمر محزن.