تسارع سباق التسلح في العالم وأخطاره

مع احتدام مجموعة من الصراعات العسكرية، وتصاعد التوترات الدولية في مناطق متعددة، وتزايد حالات اختراق، بل واستباحة حرمة العديد من الحدود السياسية بين الدول تحت ذرائع مختلفة وأحيانا مختلقة، وفي ضوء انعدام بوادر جدية لتسوية بعض النزاعات المسلحة أو تخفيض حدتها، لم تعد مسألة استنفار الجيوش، والتهديد باستخدام القوة، والقيام بمناورات لاستعراض مكوناتها مثار مفاجأة، وإنما باتت مألوفة ومعلنة بشكل أدى إلى تسارع وتيرة سباقات التسلح في العالم عوض تنفيذ الاتفاقيات الدولية والقرارات الأممية الخاصة بنزع كافة أنواع الأسلحة وتحريم استخدامها.

وفي هذه الأجواء المتسمة بتنامي النزعات العدائية وتزايد منسوب الشك والريبة في تعاملات العديد من البلدان فيما بينها ليس مستغربا لجوء كافة الدول إلى مضاعفة ميزانياتها العسكرية لتأمين التعبئة المتواصلة لقواتها المسلحة، وللتزود بمختلف أنواع الأسلحة أو تسريع إنتاجها بالنسبة للدول المنتجة، بغية تلبية تزايد الطلب في السوق الدولية وتأمين حاجيات الجيوش الوطنية، ناهيك عن ضرورة التوفر على مخزون احتياطي يكون جاهزا عند الضرورة.

وينبع هذا السلوك الذي أصبح عاما من قناعة الجميع بأن أفضل الاستراتيجيات العسكرية تكمن في البقاء قويا، وفي الحفاظ على عوامل القوة والجهود مركزة حسب المؤرخ والقائد العسكري الفذ كارل فون كلاوزفيتز. فتوازن القوة ووسائل الردع ولو بشكل نسبي من شأنه المساهمة إلى حد كبير في منع اندلاع النزاعات المسلحة، وكبح جماح تهور بعض قادة الدول، وذلك لأن أكثر العنصر تأثيرا في مسار الأزمات وتأرجحها بين التهدئة والتأجيج ليس هو القانون، وإنما حقائق القوة.

وبديهي في هذا السياق أن تشهد العديد من بقاع العالم حيث تدور مواجهات عسكرية أو تسود علاقات عدائية، ارتفاعا مهولا للميزانيات العسكرية، على حساب تدني متطلبات برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكذا تحديثا للاستراتيجيات الأمنية بصفة عامة، خاصة بعد أن أسقطت الحرب الروسية على أوكرانيا مجموعة مسلمات وترتيبات أمنية كانت قد اتخذت إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأثبتت أن التهديدات الصادرة عن الدول أكبر وأخطر من أي تهديدات أخرى نظرا لضخامة ما للدول من موارد اقتصادية وقدرات عسكرية تسمح بتنفيذ التهديدات.

لهذا لا مفاجأة في أن استمرار احتدام الصراع المسلح في أوكرانيا من دون أن يلوح في الأفق المنظور أي بصيص أمل في وضع حد له قد كشف بجلاء مدى ازدراء الأقوياء لقواعد القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن مصالحهم المصيرية؛ مما دق جرس إنذار قوي في العديد من العواصم، خاصة وقد ترافق ذلك ليس فقط مع استخدام الأطراف المتحاربة لكافة أنواع الأسلحة بما فيها المحرمة دوليا، ولكن أيضا بتهديدات صريحة صدرت من موسكو لا تستبعد إمكانية اللجوء إلى السلاح النووي.

وحسب بعض المراقبين الأوروبيين للتطورات العسكرية في أوكرانيا، فإن حديث موسكو عن إمكانية اللجوء إلى السلاح النووي لم يكن للتهويل والردع فقط، وإنما تضمن تحذيرا جديا وضمنيا، سندهم في ذلك التصريحات المتواترة للرئيس بوتين الذي أكد مرارا أن خطر اندلاع حرب نووية يتصاعد تدريجيا، وأن بلاده مصممة على الدفاع عن أراضيها، وأراضي حلفائها بكل الوسائل المتاحة.

ورغم أن وزير الخارجية الروسي حاول التقليل من المخاوف التي أثارتها تصريحات الرئيس بوتين بالتذكير بأن الحرب النووية إذا اندلعت فلن يكسبها أي طرف، إلا أن العواصم الغربية اعتبرت تذكيره هذا مجرد ذر للرماد في الأعين. فجدية التصريحات الروسية وخطورتها تبدو للغرب واضحة في القرار الأحادي الذي اتخذته موسكو بالتأجيل إلى أجل غير مسمى للاجتماع الذي كان سيعقد بالقاهرة بين خبراء روس وأميركيين مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2022 حول استئناف عمليات التفتيش المتبادل بموجب معاهدة «نيوستارت»للحد من انتشار الأسلحة النووية، وذلك في أعقاب فشل جيشها في حسم المعارك بأوكرانيا باستخدام الأسلحة التقليدية.

وإذا كان صدى التهديدات الروسية قد وصل إلى مسامع قادة الدول الغربية كلها، وأثار الفزع في أرجاء واسعة من العالم، فإن وقع دويه كان أكبر في كل من ألمانيا واليابان، اللتين تعتبران أنفسهما أكثر عرضة لأخطار جدية تتمثل في نوايا التوسع الروسي بالنسبة لألمانيا، وفي التهديدات الناجمة عن رعونة قيادة كوريا الشمالية، وطموحات الهيمنة التي لم تعد تخفيها بكين في مجالها الحيوي المحاذي لحدودها بالنسبة لليابان.

ويعود الاهتمام الدولي بمواقف كل من ألمانيا واليابان إلى كونهما أكبر بلدين مكبلين في مجال التسلح بمعاهدات دولية عديدة نتيجة انهزامهما في الحرب العالمية الثانية، وخاصة فيما يتعلق بحيازة الأسلحة النووية، التي يمتلكان المعرفة التكنولوجية اللازمة لصنعها، والإمكانيات المطلوبة لذلك باعتبارهما قوتين  اقتصاديتين كبيرتين تتوفران على قدرات مالية هائلة، فضلا عن شروعهما معا في الترويج لفكرة أن عقيدة التدمير المتبادل نوويا لم تعد توفر الأمان المطلوب، وذلك لتبرير قرار مضاعفة ميزانياتهما العسكرية ورفع أعداد جيوشهما، واقتناء أحدث أنواع الأسلحة، التي تجلت مؤخرا في إبرام عقود للتزود بطائرات «F35».

قبل نهاية الحرب الباردة بمدة طويلة تنبأ الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول بإمكان أميركا قيادة الاتحاد السوفياتي إلى الخراب والإفلاس عن طريق سباق تسلح لا نهاية له، مضيفا بأنها بذلك سترهق نفسها أكثر مما تستطيع تحمله لتصل هي الأخرى إلى الإفلاس، وتصل بالعالم الغربي إلى مرحلة خطرة، وأنها لن تتردد لإنقاذ نفسها بابتزاز الآخرين والسطو على مواردهم.

يبدو أن ما قاله الرئيس ديغول بشأن سباق التسلح أصبح ظاهرة عالمية عامة تقود نحو فوضى شاملة، وإلى إفلاس دول عديدة دون أن تحقق لها الأمان المطلوب.