اللبنانيون مهدّدون في مساكنهم وآلاف العائلات تعاني هاجس التهجير

بعدما طغت الدولرة على إيجارات البيوت والمحلات
المحامي أديب زخور

بيروت: لا تزال قضية الإيجارات من أكثر المشكلات التي يعاني منها اللبنانيون منذ زمنٍ بعيد، وتضاعفت بصورة كبيرة خلال السنوات الثلاث الماضية، خصوصاً مع انهيار قيمة العملة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، إلى جانب غياب رقابة الدولة. وفي لبنان نشهد نوعين من الإيجارات، القديم والجديد، لكن المشكلة الكبرى تكمن في القديم. وفي ظل الظروف الحالية تعتبر هذه القضية بالغة الأهمية وتحتاج إلى حلول سريعة تجنباً لأي احتكاك قد يؤدي إلى مشكلات بين المالك والمستأجر.

وتخضع عقود الإيجارات المبنية في لبنان إلى نوعين من القوانين وذلك بحسب تاريخ عقدها، فإذا كانت معقودة قبل تاريخ 23-7-1992 فهي تخضع لقوانين الإيجارات الاستثنائية، أما إذا كانت معقودة بعد هذا التاريخ فهي تخضع لمبدأ حرية التعاقد المنصوص عليه في قانون الموجبات والعقود أي لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات. وبعد ذلك يمكن للمالك أن لا يجدد العقد أو يطلب زيادة معينة على قيمة الإيجار والتي تتحرك وفق العلاقة بين العرض والطلب وتقلبات أسعار الشقق السكنية. وهذا ما يحصل اليوم، إذ إن هناك آلاف الشقق الشاغرة وأصحابها يرفضون تأجيرها إلا بالعملة الصعبة وهذا الواقع سيعقد كثيراً من وضع المستأجرين الذين سيزداد وضعهم سوءاً، خصوصاً أن مداخيل معظمهم بالليرة اللبنانية إضافة إلى ذلك هناك عوامل أخرى قد تعقد المشكة أكثر، وهي:

أولاً: يفتقر لبنان إلى سياسة إسكانية شاملة ومتكاملة تنطلق من ظروفه الاجتماعية والاقتصادية، وتؤمن الموارد المالية الكافية والضرورية لحل مشكلة السكن من مصادر داخلية وخارجية. أما الخطط التي  وضعت حتى الآن للمعالجة فهي جزئية ومرحلية وغير ملائمة ولا تفي بالغرض المنشود.

ثانياً: قبل اندلاع الأزمة المالية أواخر عام 2019 كانت المصارف التجارية والمؤسسة العامة للإسكان وبنك الإسكان تحل الجزء الأكبر من مشكلة الإسكان عن طريق تأمينها القروض للراغبين في تملك شقة سكنية، أما اليوم فقد انهارت المصارف ولم يعد بإمكانها دفع أموال المودعين والمؤسسة العامة للإسكان شبه مشلولة كمصرف الإسكان.

ثالثاً: الخلافات السياسية انعكست سلباً على الإدارات والمرافق اللبنانية وبات الفراغ مسيطراً، إضافة إلى جسم قضائي شبه مشلول وغير قادر على البت في آلاف الدعاوى المرفوعة من قبل المودعين ضد إدارات المصارف التي تحتجز أموالهم، فكيف هو الحال إذا بدأت المشاكل تتفاقم بين المالكين والمستأجرين.

 

منازل بأقل من دولار واحد

ما أشار إليه رئيس ​نقابة المالكين ​باتريك رزق الله الذي أكد أن «انهيار الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي يؤثر سلباً على بدلات الإيجار في العقود الموضوعة، لأن معظمها بالليرة اللبنانية، والأزمة أو الكارثة الكبرى تكمن في الإيجارات القديمة السكنية وغير السكنية».

ويقول: «على صعيد الإيجارات غير السكنية، كالمحال مثلاً، لا تزال هناك إيجارات بـ40 و50 ألف ليرة شهرياً، مع العلم أن التاجر نفسه يحتسب بضاعته أو ما يريد بيعه وفق سعر صرف الدولار في السوق السوداء، في المقابل يدفع للمالك مبلغاً يتراوح بين 30 و50 ألف ليرة في الشهر (تقريبا دولار واحد)، وهنا نتحدث عن الإيجارات المرتبطة بعقود الإيجار لما قبل أغسطس (آب) 1992».

ويضيف: «لا يزال المالك يحصل على إيجار يتراوح بين 20 و30 ألف ليرة شهرياً (أقل من دولار واحد)، في الوقت الذي يدفع فيه المستأجر فاتورة اشتراك الكهرباء بين 4 و5 ملايين ليرة وصفيحة البنزين 800 ألف ليرة، عدا الأقساط التي يحصل جزء منها بالدولار الأميركي».

قد يكون كلام رزق الله فيه الكثير من الصحة لكن مشكلة المالكين القدامى لم يتسبب بها المستأجرون بل الدولة اللبنانية التي مارست سياسة اليد المرفوعة في هذه المشكلة منذ أن بدأ النزوح إلى المدن والعاصمة في ستينيات القرن الماضي، إذ لم تقم بأي خطوة جدية لمعالجة هذه المشكلة الاجتماعية عن طريق إنشاء مجمعات سكنية للطبقة المتوسطة في الأراضي التي تملكها ولا تستثمرها حتى لإسكان إداراتها الرسمية، لذلك كبرت المشكلة بعد الحرب الأهلية التي اندلعت في ربيع العام 1975 وأدت إلى تدمير آلاف المنازل ودفعت مئات العائلات إلى التوجه نحو الضواحي بعدما ارتفعت الإيجارات في العاصمة بشكل جنوني.

إيجارات المنازل ارتفعت بشكل جنوني

اتفاقات رضائية مع المستأجرين

يتساءل البعض: كيف يمكن حل هذه المشكلة في ظل الأوضاع التي يعيشها لبنان اليوم؟ التقت «المجلة» رئيس تجمع الحقوقيين للطعن وتعديل قانون الإيجارات، المحامي أديب زخور، الذي أشار في مستهل حديثه إلى أن معظم الأبنية تؤجر وفقاً لقانون الإيجارات الحرّ، إمّا لأجانب وإما لمحلات تجارية ببدلات إيجار مرتفعة جدا، وإن تواجد في هذه الأبنية مستأجرون قدامى، فقد عمد بعض المالكين إلى إجراء اتفاقيات وزيادات رضائية مع المستأجرين، وإن كانت مخالفة للقانون لاستفادة المستأجرين من الصندوق، كما أن الكثير من الشقق أخليت على مدى عشرات السنوات بدعاوى الإسقاط من التمديد أو الاسترداد للضرورة العائلية والهدم، ومؤخراً نتيجة الضغوطات ودفع تعويضات غير متكافئة في أغلب الأحيان، أو نتيجة شراء بعض المسؤولين السياسيين والشركات العقارية وبعض المصارف والمتمولين وتجار العقارات، للمباني مع قاطنيها من المستأجرين القدامى، وبالتالي فإن تأجير المباني والشقق تؤمن مردوداً جيد جداً للمالكين الجدد أو القدامى، وبالتالي لا يمكن الاختباء والمتاجرة في كل مرة بقصة المالك الفقير الوهمية، وهي مردودة شكلاً وأساساً، والحقيقة أن المستأجر الجديد يعجز عن دفع بدلات الإيجار المرتفعة ويتم استغلال الكثير من المواطنين في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة لرفع بدلات الإيجار وفرض دفعها بالعملة الأجنبية، والتي أجبرت الكثيرين إلى ترك منازلهم إلى المجهول، أو الانصياع للزيادات، أو تأجيرها للنازحين والعمال الأجانب الذين يسكنون الشقق جماعيا مع عائلاتهم، وهذا أدى ويؤدي إلى إفراع المناطق من سكانها الأصليين وتساهم في الفرز الديموغرافي إلى جانب قانون الإيجارات التهجيري».

ويتابع زخور: «استناداً إلى كل ذلك، يتوجب وضع ضوابط للإيجار الحرّ كما في كل دول العالم لمنع الاستغلال والاحتكار، وتتمثل بشكل رئيسي في وضع سقف لبدلات الإيجارات الجديدة وبالعملة اللبنانية منعا من استغلال المواطنين، وإعطاء الأفضلية للبناني كما حصل في قانون الإيجارات بالأفضلية بشراء شقته عند بيعها من الغير، وفرض غرامات عند إقفال الشقق أكثر من شهرين دون تأجيرها، على غرار ما حصل مع القيد على عقد الإيجار الحرّ بين المالك والمستأجر لناحية مدة العقد وتمديده 3 سنوات مع بعض الشروط الملزمة والضوابط، بالرغم من التعاقد الحر، وضرورة إضافة مادة تفرض إمكانية تجديد العقد بالأفضلية للمستأجر الشاغل للشقة، وهذه الشروط والضوابط وغيرها جوهرية تمنع الاستغلال والاحتكار، وتؤمن التوازن وتعطي الحقوق للطرفين، وهي من صلب اختصاص المؤسسات التشريعية والتنفيذية اللبنانية، كما تعطي المالك حالياً الإمكانات لإصلاح البناء بكامله على نفقة المستأجرين القدامى والجدد، ونناشد النواب بتبني هذه الاقتراحات وغيرها التي تعيد التوازن لعقود الإيجار وتمنع الاحتكار واستغلال المواطنين في هذه الظروف الصعبة جداً».

مظاهرات منددة بغلاء السكن

قروض سكنية

وعن القروض السكنية، قال: «أعلن مصرف الإسكان نيته إعطاء قروض سكنية وقروض للطاقة الشمسية، وقد اعترضنا على تخصيص قسم من القروض للطاقة الشمسية في حين أن المواطنين يعانون من أزمة سكن خانقة، خصوصا أن المادة 37 من قانون الإيجارات رقم 2/2017 نصت صراحة على تخصيص القروض السكنية من مصرف الإسكان والمؤسسة العامة للإسكان وإعطائها بالأفضلية لجميع المستأجرين دون تمييز والخاضعين لقانون الإيجارات 2/2017، بحيث تكون جزءًا من قانون الإيجارات والخطة السكنية، لحل أكبر مشكلة يعاني منها الشعب اللبناني وأغلبهم لا يملك بيتا للسكن، قبل إعطائها لأي هدف آخر سواء للترميم أو للطاقة الشمسية، وهي كماليات ويمكن تأجيلها».

وأكد زخور أن «قانون الإيجارات خاص واستثنائي ولا يمكن التوسع في تفسيره، وتطبيقه بصورة متكاملة ومنسجمة ومتوازنة في آن، ويتوجب تعديله برمته مع خطة إسكانية واستحالة إنشاء الصندوق وتمويله وسقوط المهل المنصوص عليها وسقوط حقوق المستأجرين في تقاضي تعويضات الصندوق وغيرها، علماً أن كثيرا من مواد القانون معلقة لحين إنشاء الصندوق ودخوله حيز التنفيذ استنادا للمادة 58 إيجارات،  واقتراحاتنا موجودة في المجلس النيابي، وبحاجة إلى تعديلات بعد مرور الزمن والانهيار الشامل كما يحاول البعض المطالبة بشكل غير قانوني ببدء عمل اللجان بعد مرور سنين طويلة على صدور قانون الإيجارات، وبمعزل عن وجود الصندوق أو الحساب وتمويله، وبالرغم من سقوط المهل للتقدم بالشكل للاستفادة من الحقوق التي تؤمنها اللجان، ويجب التشدد في أنه لا يمكن إنشاء اللجان وبدء عملها قبل تمويل الصندوق بشكل جدي، ويتوجب على اللجان والصندوق ممارسة وظائفها منذ صدور قانون الإيجارات تحت طائلة سقوط الحقوق والإجراءات».

هناك استحالة قانونية بعمل اللجان، لا سيما أن المادة 58 من قانون الإيجارات نصت صراحة على تعليق عمل اللجان وجميع الإجراءات التي تؤدي إلى تحديد بدل المثل لحين إنشاء الصندوق ودخوله حيّز التنفيذ، يقول زخور: «الحكومة عمدت إلى تفريغ الصندوق التي تمّ رصده من عام 2017 حتى عام 2021  بالرغم من ضآلة المبالغ بحيث أصبح مستحيلاً تطبيق القانون، إضافة إلى تدني سعر النقد اللبناني بشكل خطير، وسوف يؤدي محاولة التنفيذ الخاطئ إلى سقوط حقوق المواطنين في الاستفادة من الحساب والتعويضات والمساهمة من الصندوق، وإلى حصول تهجير جماعي، ودون أي بديل سكني دون أي خطأ منهم».

هذا ويوجد عشرات النقاط القانونية والمهل والحقوق التي يتوجب تعديلها واستكمال النواقص في القانون كما تم التوافق عليها، قبل المباشرة بالتنفيذ الخاطئ الذي سيؤدي إلى كارثة إنسانية وقانونية وتهجيرية تلحق بعشرات آلاف العائلات من مختلف المناطق وفي ظل ظروف اقتصادية مأساوية وكارثية.

 


مقالات ذات صلة