الفن والسياسة.. القوى الناعمة من أم كلثوم إلى عصر الميتافيرس

علاقة جدلية غالباً ما تظهر خلال الأزمات

الإسكندرية: تعتبر العلاقة بين الفن والسياسة من أكثر العلاقات الشائكة والمترابطة والمعقدة، كما أن التاثير المتبادل بينهما هو محور حديث الخبراء والمتخصصين، إذ إنّ قضايا القوى الناعمة والحرية والرقابة وتوظيف التكنولوجيا المتطورة والتأثير على الشباب والدور السياسي والوطني الأعمال الفنية والريادة الإعلامية والفنية والثقافية، مقدمة القضايا والأفكار التي تتوارد إلى الذهن عند ذكر العلاقة الجدلية بين الفن والسياسة 
لطالما كانت الفنون وريادتها معبرا ومجسدا عن قوة الدولة، وما تمتلكه من حضارة وتاريخ ومقومات تمكنها من التأثير الواسع المدى على قطاعات ومجتمعات عريضة .
تلك القضايا كانت محور نقاش منتدى حوارات الإسكندرية الذي تحتضنه مكتبة الإسكندرية، وقد أقيم تحت عنوان «السياسة والفن.. علاقات جدلية وسياقات مشتركة» بتنظيم من مركز الدراسات الاستراتيجية برئاسة الدكتورة مي مجيب التي قدمت اللقاء بحضور نخبة من الخبراء والمتخصصين .

الفن ودوره على مر التاريخ 
في حديث خاص لـ«المجلة»، أوضحت دكتورة مي مجيب أن «الفن لعب أدوراً عديدة لخدمة السياسة  على مدار التاريخ، وبالطبع كان هناك ما هو في مصلحة الدولة، وفي أحيان أخرى يستغل سلباً وفقاً لأهواء مروجي تلك الفنون وحسب أغراضهم وتوجهاتهم، وهنا مكمن الخطورة فيما يقدمه الفن كقوة مؤثرة مجتمعياً وسياسياً بشكل غير مباشر، فهو سلاح غاية في الأهمية والتأثير إذا لم نعِ قيمته وكيفية استغلاله لحماية الأمن القومي، وهو القوة الناعمة الحقيقية لمصر التي لا يستهان بها».

الدكتورة مي مجيب


وأضافت: «بالنسبة لضرورة الفن وأهميته، كثيراً ما كان داعماً ومحركاً للأوضاع السياسية الحاكمة، وقد يكون مناهضاً لها في بعض الأحيان. إذن فالعلاقة بين الفن والسياسة قائمة منذ أزمنة بعيدة، فهي انعكاس للواقع بكل ما فيه، كما أنه يعد مصدرًا من مصادر التاريخ بتسجيله للأحداث والعادات وتوثيقها». 
وأوضحت أن «العلاقة الجدلية بين السياسة والفن لا تزال قضية تشغل الكثيرين في العصر الحديث، فالسياسة من أكثر الاتجاهات تأثيراً في نفوس المواطنين، نتيجة للعيش في إطارها والتعايش معها سواء سلباً أو إيجاباً، وهو ما يحتم على المواطنين قدراً معيناً من الدراية والمشاركة في الشؤون السياسية شاءوا أم أبوا».
وتابعت حوارها مع «المجلة» أن الدستور المصري يشمل نصوصا تضمن حماية الإبداع بكافة صوره وأشكاله، وفي ضوء ما تدركه الدولة من مخاطر الانفلات الفني الذي يُستخدم في أشكال الحروب الحديثة غير العسكرية، يجعلنا نتساءل عن العلاقة بين الفن والسياسة ويطرح مجموعة من التساؤلات؛ فإلى أي مدى يمكن تطويع الفن في تطوير وتهذيب الأخلاقيات داخل المجتمع بما لا يتنافى مع القيم والثوابت الراسخة التي أفرزتها العادات والتقاليد عبر العقود الفائتة؟ وكيف يمكن توظيف الفن المصري من أجل التصدي لموجات الغزو الفكري والآيديولوجي التي تستهدف المجتمع وتهدد هويته؟ وكيف يمكن أن يشارك الفن في تشكيل وضبط الوعي عند المصريين؟
وأشارت دكتورة مجيب إلى أهمية طرح خطوات تنفيذية حقيقية تدعم الفن المصري في الداخل، وتعرض رؤى يمكن معها تعضيد حضور الفن المصري وأدوات تأثيره خارجيا كما عهدت مصر في السابق.

الدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية وجانب من اللقاء 

الإبداع والفن ضروريان للمجتمعات
اللقاء الذي ناقش العلاقة الجدلية بين الفن والسياسة، عقد بحضور ومشاركة نخبة من كبار المفكرين وفي مقدمتهم الدكتورأحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية والدكتورة درية شرف الدين  رئيسة لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب والدكتور أشرف زكي نقيب المهن الفنية ونخبة من الفنانين والمثقفين .
وأكد دكتور زايد مدير مكتبة الإسكندرية أن «للفن دورا رائدا في أوقات الأزمات لحشد الروح الوطنية، وأن الجانب الإبداعي ضروري لتنمية المجتمعات، وأن الجوانب الإبداعية تدفع بالمجتمع إلى الأمام، فلا سبيل لإقامة مجتمع مدني حر إلا إذا كانت للفنون مكانة».
وأوضح أن «الفن يعد حائط صد لكل أشكال التطرف التي تواجه المجتمعات العربية، خاصة أن الوقت الماضي شهد تمددا لأشكال التدين خاطئة ومغرضة تدمر المجتمعات وتعود بها إلى الماضي على عكس الفن الذي تبعث الحركة والحياة والإبداع».
وأشار إلى أن هناك علاقات شائكة بين الفن والسياسة فكلاهما يدعي الاستقلالية، مبينا أن الفن هو إبداع شخصي والمجتمع قد يظهر وينعكس بأشكال مختلفة.
وتطرق زايد إلى علاقة الفن بالسياسة، مشيراً إلى أن السياسة هي إنتاج القوة لضبط حركة المجتمع وتقوم بدعم حركة الإبداع في المجتمع وبالتالي أيضا يستخدم الفن لحشد الهمم والطاقة لدى الشعوب في بعض الأوقات.

من الحضور

قوى ناعمة في أوقات الأزمات ومواجهة التطرف 
بدوره أكد  الدكتور أشرف زكي نقيب المهن الفنية، على أهمية الفنون لأنها تعد قوة ناعمة للدول، مشيراً إلى أنها لاعب أساسي خاصة في أوقات الأزمات .
وأوضح أن «الفن والفنانين كانوا من الكتائب الأولى لمواجهة الإرهاب والتطرف الذي يهدد الوطن، فللفنانين دور هام خاصة في أوقات الأزمات، سواء من خلال أعمال فنية أو أدوار قدموها وجسدوها، أو لقاءات تحدثوا فيها من أجل مواجهة أعداء الوطن. كلمة الفنانين مسموعة ومؤثرة لذلك يهاجمنا أعداء الوطن».
كما لفت إلى الترابط بين الحرية والفن، قائلاً: «لا يوجد ما يجبر فنانا على قبول تجسيد دور ما قد يكون ضد اتجاهاته أو آرائه».
وتطرق إلى الحديث عن الدور الوطني للفنون، مؤكدا أهمية الدراما الوطنية والحالة التي تخلقها، ومدى الترابط بينها وبين المجتمعات، موضحاً أن مسلسل الاختيار خلق حالة من الانتماء لدى المواطنين فعندما يغيب الفن تتأثر السياسة، مضيفا: الفن استطاع أن يلعب دورًا إيجابيًا .
وتابع  أن السياسة موجودة في الفن والفن يعد إحدى أدوات الشعوب وقوتها الناعمة.
كما تحدث عن أهمية المسرح والسينما والدراما، في تغيير الظواهر السلبية وكذلك القوانين المعيقة للحياة، قائلا: «الفن يغير القوانين».

أم كلثوم
كما تطرق إلى الحديث عن الدور الذي لعبته أم كلثوم خلال أوقات الحروب التي تعرضت لها مصر، مؤكدا أن ما قدمته هو دور عظيم وفعال يجسد الدور الحقيقي للفنون في أوقات الأزمات.
بدوره أكد الكاتب محمد الشبه أن ما قدمته أم كلثوم خلال فترات الحروب  هام جدا، ويمكن أن يفوق الدور الذي تلعبه الدول في أوقات الأزمات، فقد أقامت الحفلات من أجل دعم مصر في وقت شديد الحساسية  .
كما تطرق إلى الحديث عن أهمية وجود مشروع تنموي ثقافي يحقق النهضة الفكرية والثقافية، ويشارك فيه كافه الفنانين والمثقفين من أجل خدمة المجتمع وإحداث حالة الحراك الثقافي والفكري والإبداعي .
ولفت إلى العلاقة بين الفن والدولة، مؤكدا أن كليهما مستقل عن الآخر.

الدكتور محمد سليمان

الفن والتنبؤ بالمستقبل
من جانبه أوضح دكتور محمد سليمان رئيس قطاع التواصل الثقافي في مكتبة الإسكندرية لـ«المجلة»، أن «علاقة الفن والسياسة علاقة معقدة تعتمد على الظرف التاريخي والاجتماعي للمجتمع؛ أحيانا ما تكون تبادلية وأحيانا أخرى تصادمية، ولكن الثابت أن كلا منهما يحتاج إلى الآخر ولا يستغني عنه، فالفنون بمختلف أنواعها تعكس واقع المجتمعات سياسيا واجتماعيا، كما أن توجه أي نظام سياسي يلقي بظلاله على مستوى الفنون المقدمة».
وقال: «في أحيانٍ كثيرة وخاصة في محيطنا الشرق أوسطي نرى النظم السياسية تسوق الفنون لاستقطاب الجماهير العريضة، ونرى الفنون أيضا تحتمي بالمظلة السياسية».
وأضاف: «في مصر مثلا وقبل ثورة يوليو (تموز) 1952 عبرت الفنون بمختلف أنواعها سينما ومسرح وفن تشكيلي وأغنيات إلى آخره عن أفكار الثورة الوليدة، وساهمت في ترسيخ صورة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في وجدان الشعب وليس هذا فقط بل تحول لأيقونة ثورية عالمية، كما لعبت الفنون دورا نقديا كبيرا بعد النكسة حيث عملت على تشريح سبب الهزيمة وإعادة شحن الوجدان الشعبي لمعاودة النضال. وهو ما تكرر بعد حرب أكتوبر وقتما عمل الفن على تبني وجهة النظر النقدية والتحذيرية لعدد من السياسات الاقتصادية الانفتاحية التي قضت على أحلام الطبقة الوسطى وصعدت بطبقة جديدة أضرت بالمجتمع».
وتابع: «وفي كثير من الأحيان يلعب الفنان دور زرقاء اليمامة فمهامه لا تنحصر فقط في رصد ونقد الماضي والحاضر، ولكن أيضا التنبؤ بالمستقبل واستشرافه ومحاولة تحذير المجتمع من مغبة سلوك ما».

الفن يؤرخ لظواهر المجتمع
الدكتورة درية شرف الدين رئيسة لجنة الثقافة والإعلام في مجلس النواب، قالت إن الفن يؤرخ لظواهر المجتمع ولا ينتج في فراغ ولكن من خلال محيط يتكون من سياسة وثقافة، موضحة أن أي تغيرات في المجتمع تؤثر على الإنتاج الفني .
كما أشارت إلى أهمية الدور التي تلعبه السينما وصناعتها، مشيرة إلى ضرورة زيادة أعداد دور العرض السينمائي، موضحة أن الجمهور المصري يريد أن يشاهد نفسه على الشاشة وهو يتدخل في شروط إنتاج السينما، فهو يتحكم في نوعية السينما لأنه يقوم بدفع أموال مقابل المشاهدة؛ فهو يبحث عن نفسه داخل العمل الفني.
وقالت إن «القوانين الرقابية تعبر عن السلطة السياسية، فالدولة تتدخل في صناعة الأفلام عبر المحظورات الرقابية، وتظهر مدى حرية المجتمع من القوانين الرقابية الموضوعة».
من جانبها، أكدت النائبة هند رشاد، أمين سر لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب لـ«المجلة» أن «الفن هو مرآة الشعوب وانعكاس لها، وأن كثيرا من الكتاب والفنانين والمخرجين دائما ما ارتبطوا بالسياسة والشأن السياسي، وقدموا أفلاما تعبر عن الواقع وتجسده وتعكسه، وتلك الأعمال الفنية تعد تأريخاً وتقديماً لمرحلة ما في حياة الشعوب».
وقالت إنّ الفن والسياسية يسيران معاً، فالأعمال الفنية والسينمائية تعكس الحال والوضع الذي تعيشه الشعوب .
وتابعت: «في أوقات ما نجد أن هناك ازدهارا في الأعمال الفنية وفي وقت آخر يكون هناك تراجع»، مؤكدة أننا نحتاج إلى مزيد من الأعمال المسرحية التي تعبر عن الواقع وتناقشه من جوانب عدة.
كما تحدثت الدكتورة نيفين مسعد الأستاذة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة عن الريادة الفنية والإعلامية وأدوات القوى الناعمة التي تمتلكها الدول، مشيرة إلى أن بعض الدول العربية في المنطقة تعي تماما أهمية دور الفنون .
وأوضحت أن الفن يؤرخ لظواهر المجتمع أيضاً، وأن هناك مساحات مشتركة بين الفن والسياسة في الاتجاهين .
وأضافت أن الربط بين الفن والسياسة مكسب، وأنّ الفن يلعب أدوارا فعالة في بناء وعي المجتمعات.
وأشارت إلى أن الأصل في الفن هو الحرية، فكلما فرضت قيود على الخيال أصبح الفن مصنوعاً وليس نابعاً، فالفن مرآة للمجتمع تعكس سيئاته وكذلك محاسنه.
ومن جانبهم تحدث الخبراء والحضور عن أهميه الترابط بين الفنون والتكنولوجيا الحديثه ومنها تقنية الميتافيرس وتأثيرها على الشباب ومدى تأثرهم بتلك التقنية المتطورة وانجذابهم لها، مشيرين إلى ضرورة توظيف التقنيات المتطورة لتقديمه إلى الشباب، بما يحافظ على الهوية المميزة للشعوب العربية، وللشعب المصري ويحفظه من المحاولات المغرضة والموجهة لطمس هويته والتي تعد من القضايا الملحة التي تتطلب تدخلا من جانب الخبراء والمتخصصين وأصحاب الرؤى الفاعلة لحماية النشء والمجتمعات ومستقبلها.