المؤشرات الأمنية في لبنان.. مخاوف جدية من فوضى اجتماعية

ارتفاع «مريب» لجرائم «الخطف مقابل فدية» بلغ 194 %
تصاعد عمليات الاختطاف في لبنان مع اتساع نطاق الفقر والحدود السائبة (أ.ف.ب)

بيروت: طغى الكباش السياسي المستمرّ بين مختلف الأطراف، مصحوباً بالانهيار الناتج عن الأزمات الاقتصادية المالية والاجتماعية، طغى بقيوده على الواقع اللبناني الذي لا يزال يتخبّط بتداعياته التي فاقمت الأمور فيه سوءاً، إلا أن الوضع لم ينحدر إلى مستوى الفلتان الأمنيّ، فالفوضى لم تستحكم في البلاد، على الرغم من الحوادث المتنقلة التي زخر بها العام المنصرم من سرقات وعمليات خطف ونشل وسلب طالت مختلف المناطق اللبنانيّة.

فرض مسلسل الحوادث الأمنيّة، الذي لم يخرج عن إطاره الطبيعي حتى الآن، ولادة مبادرات تحت خانة «الأمن الذاتي» التي قام بها الأهالي للحؤول دون انفلات زمام الأمور في ظل التقهقر الذي تعيشه الدولة، وتأمين الحماية لمناطقهم عبر تأمين الحراسة الليلية «غير المسلحة» لمراقبة وحماية محيط سكنهم بطريقة سلمية، نتج عنها كشف العديد من السرقات بمساعدة القوى الأمنية والشرطة البلدية.

وقد ساهمت الإجراءات الاحترازية في كبح الجريمة، إلا أن المخاوف من ارتفاع نسبة الجرائم المسجلة في البلاد لا تزال تُشكّل هاجساً لدى المواطنين، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع في نسبة الفقر والبطالة، خصوصاً فيما يتعلق بعمليات الخطف المتنقلة التي أثارت الخشية من استفادة العصابات من الواقع المأزوم لتوسيع نشاطها.

أظهرت الحالات التي شهدها لبنان خلال الأشهر الماضية عدم تمييز العصابات بين ضحاياها، وقد طالت الأطفال والنساء كما الرجال، حيث عمد الخاطفون إلى ابتزاز ذوي الضحايا إلى أقصى الدرجات عبر إرسال تسجيلات صوتية وفيديوهات خلال تعذيبهم الضحايا لدفع الأهالي إلى الاستجابة لشروطهم بسرعة ودون مماطلة وعدم اللجوء إلى الأجهزة الأمنية حفاظاً على أرواح المخطوفين.

ووسط حديث بأن الأزمة الاقتصادية والمعيشية ساهمت في تنامي الظاهرة عبر تجنيد أشخاص لتنفيذ أعمال الخطف مقابل تقديمات مادية، يظهر رأي مخالف مفاده أن تلك العمليات ليست وليدة الأوضاع الراهنة وهي غير مرتبطة بالظروف المادية الحالية في لبنان، إذ إن وجود عصابات تمتهن الخطف بغية الحصول على المال ناتج عن توافر بيئة حاضنة له، بفعل سطوة السلاح غير الشرعي، تعمل على الإفادة من الأزمة التي تتخبط فيها البلاد عبر «تشغيل» شبان معها مقابل بدل مادي للتعويض عن الخسائر التي تكبّدتها جراء عمليات القوى الأمنية التي استهدفت انتشار «تجارة الكبتاغون» عبر التصدي لها وإحباط عمليات التهريب إلى الخارج خلال السنوات الأخيرة، ما ساهم في تفشي ظاهرة الخطف بصورة أكبر كونها تُشكّل مدخولاً بديلاً لعصابات الخطف والسرقة وتجار المخدرات التي تتخذ من الحدود بين لبنان وسوريا «مهرباً» لها باعتبارها طريق العبور لأفرادها للإفلات من العقاب.

 

ارقام مريبة للحوادث الأمنية (إعداد الدولية للمعلومات)

تحسّن المؤشرات الأمنية.. ولكن!

ترافق عدم الاستقرار الأمني في لبنان مع ارتفاع معدلات الفقر نتيجة انهيار قيمة الليرة، وفق ما لحظه تقرير «الدولية للمعلومات» (شركة دراسات وأبحاث وإحصاءات علمية) الذي بيّن أنه على الرغم من استمرار التحسّن في المؤشّرات الأمنيّة في العام 2022 إيجابية مقارنة بالعام 2021، إلا أن جرائم الخطف مقابل فدية خالفت هذا المسار الإيجابي فسجلت ارتفاعاً كبيراً وصل إلى 50 عملية مقابل 17 عملية في العام 2021، أي إن النسبة ارتفعت إلى 194 في المائة، مقابل تراجع في جرائم سرقة السيارات بنسبة 23.4 في المائة، وجرائم السرقة، بنسبة 19.7 في المائة، وجرائم القتل، بنسبة 13.5 في المائة، وحوادث السير وأعداد القتلى والجرحى الناتجة عنها، بالنسب التالية على التوالي: 32.5 في المائة و14.3 في المائة و32 في المائة.

وتعكس نسبة عمليات الخطف مؤشّراً خطيراً يفسّر بوجود عصابات منظّمة ومسلّحة تقوم بهذه الأعمال الإجرامية المتزايدة بشكل كبير، وفق ما أوضحه الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين لـ«المجلة»، لافتاً إلى أنه «لم يتم توثيق إلا عمليات الخطف التي تمّ الإبلاغ عنها للقوى الأمنية، مع الإقرار بوجود عشرات الحالات لم يتم إبلاغ القوى الأمنية عنها وقد تم إيجاد حلول بين ذوي المخطوف والخاطفين مباشرة حفاظاً على سلامة المخطوف وتم حلّ الأمر ودفع الفدية المالية مباشرة بين الطرفين».

وأوضح أن «هذا الأمر خطير جداً لأنه يثير لدى اللبنانيين من أصحاب الثروات والذين يمتلكون الأموال والمجوهرات الخوف على حياتهم والحذر في تنقلاتهم»، لافتاً إلى أن «لبنان مجتمع صغير والناس قادرة على معرفة الوضع المادي لأي شخص، سواء من خلال نوع سيارته ومنزله ومستوى معيشة عائلته ومصروفها، وبالتالي نشأت نتيجة الفقر والبطالة في لبنان شبكات منظمة ضمّت إليها أشخاصاً ليسوا مشبوهين أمنياً ولا يمتلكون سجلاً أمنياً، بل هم من الأشخاص العاديين الذين باتوا عاطلين عن العمل أو فقراء وانضموا إلى تلك الشبكات التي استخدمتهم لكي تقوم برصد ومعرفة أكبر عدد من أصحاب الأموال والثروات في لبنان».

واعتبر شمس الدين أن «تلك الشبكات ترصد الأشخاص المستهدفين وتراقب حركتهم وتقوم بخطفهم ووضعهم في أماكن بعيداً عن أعين السلطة، ولا سيما في مناطق البقاع والشمال، وبالتالي أحياناً تستمر لأشهر وليس لأيام»، مشيراً إلى أن «ما يحصل يُظهر أن تلك العصابات مطمئنة على وضعها بأن القوى الأمنية لن تتمكن من الوصول إليها».

وشدّد على أن «هذا الأمر غير مرتبط بأن الحدود اللبنانية السورية غير منضبطة، لأن الأوضاع عندها في 2022 باتت أكثر تشدّداً من السابق، فيما الداخل اللبناني بات أكثر اهتراءً وترهلاً، إذ إن هناك مناطق كثيرة في لبنان لا تستطيع القوى الأمنية الوصول إليها، سواء في البقاع أو في الشمال وحتى في المخيمات الفلسطينية، وهذا ما يؤدي إلى تشكيل بؤر أمنية وأماكن تستخدمها عصابات الخطف في عملياتها».

ولفت شمس الدين إلى أن «الخطف لا يشمل فقط اللبنانيين، بل يطال أيضاً غير اللبنانيين من سوريين وحتى الأثرياء الأجانب الموجودين في لبنان حيث يتم رصدهم وتعقّب حركتهم واعتبارهم أهدافاً لتلك العمليات للمطالبة بفدية مالية».

الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين

ظاهرة ليست بجديدة.. والإفلات من العقاب يُنمّيها

لا تُعدّ عمليات الخطف مقابل فدية «طارئة» على المشهد اللبناني، إذ انتشرت خلال حقبة الحرب الأهلية وفق ما كان يُعرف بـ«الخطف على الهوية» طائفياً وسياسياً حينها، إلا أن ما يحصل حالياً يختلف عن السابق، إذ إن معظم أفراد العصابات يلجأون إلى المناطق الحدودية بين لبنان وسوريا، ويديرون عملياتهم من هناك بالتنسيق مع عصابات داخل الأراضي اللبنانية.

لا يكاد يمر أسبوع إلا وينتشر على صفحات قوى الأمن الداخلي ومنصات التواصل الاجتماعي في لبنان خبر أو بلاغ عن عملية خطف لشخص لبناني أو لأحد المقيمين على الأراضي اللبنانية حيث الرعب دفع بالكثيرين من الميسورين إلى اتخاذ إجراءات للحماية تحسّباً، «عمليات الخطف في لبنان ليست جديدة، وهي دائماً تكون مقياساً لتحلّل الدولة وغياب سلطتها على الأراضي اللبنانية»، هذا ما أكده رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان وديع الأسمر لـ«المجلة»، مشيراً إلى أن «الأسباب الاقتصادية والاجتماعية وازدياد نسبة الفقر ساهم في تناميها، إلا أن أفراد العصابات التي تقوم بهذه الأعمال ليسوا من الفقراء، وإنما هم عصابات منظمة تستغل انكفاء الأجهزة الأمنية عن الأرض للقيام بتلك العمليات من ناحية، ومن ناحية أخرى ما يجعل من تلك الأعمال تتزايد في لبنان أسوة ببلدان أخرى هو الإفلات من العقاب إذ يكون لدى الخاطفين شعوراً بالاطمئنان بأنهم مدعومون سياسياً أو حزبياً أو عشائرياً، حتى وإن تم كشفهم فلن يمضوا وقتاً طويلاً داخل السجن، وهذا ما يؤدي إلى تكرار ممارستهم».

وأوضح أن «السبب الأساسي لارتفاع عملية الخطف خلال عام 2022 هو سبب اقتصادي كون مصادر تمويل العصابات قد تراجعت»، مشدّداً على أنه «من واجب الدولة القيام بحماية المواطنين، إذ لا يجب أن تتم عمليات الخطف بهذه السهولة».

ودعا الأسمر إلى «الحد من وجود السيارات التي تتنقل من دون لوحات، خصوصاً بعد الأزمة في  بيروت، ففي السابق كان وجودها محصورا في مناطق الأطراف النائية، والمطلوب من الدولة اتخاذ إجراءات رادعة  وحواجز لضبط السيارات المسروقة وتلك التي تتنقل بلوحات مزورة أو بلا أرقام لأن عمليات الخطف غالباً تتم بواسطتها»، لافتاً إلى أن «ذلك لا يحتاج إلى تكلفة، والأهم أن تعود الدولة وتأخذ دورها الطبيعي بحماية المواطنين من تلك العصابات ومعاقبة كل المنظومة التي تساهم وتُسهّل القيام بهكذا عمليات».

يُنذر الوضع اللبناني، في حال استمرار الشغور وعدم اتخاذ إجراءات للجم الانهيار المتواصل، بمزيد من التدهور، وخصوصاً من الناحية الأمنية، وسط خشية من أن يؤدي الانفجار الاجتماعي إلى انزلاق البلاد في أتون فوضى قد لا تُحمد عقباها، في ظل انتشار السلاح الفردي المتفلّت الذي بات يُستخدم بشكل كبير وبـ«سلاسة» تخطف ضحايا أبرياء في دولة «حارة كل مين إيدو إلو».