الأمطار الغزيرة تنعش السياحة الشتويّة السعودية

التركيز على السياحة البيئية وإثراؤها بالنشاطات
أحد المخيمات الفاخرة بمنطقة الرياض المصدر (موقع جاذر إن)

جدة: تداول مغردون سعوديون قبل فترة صوراً لقطار يخترق مساحات شديدة الاخضرار، فيما كانت الماشية ترعى الكلأ وتسرح بحرية. اعتقد المعلقون للوهلة الأولى أن الصورة تنتمي إلى أحد أرياف جنوب المملكة، وبخاصة منطقة عسير، ومنهم من ذهب إلى أنها ملتقطة في أحد الأرياف الأوروبية.
ليس في أرياف عسير قطارات، والصورة سعودية 100 في المائة ملتقطة في إحدى ضواحي جدة، حيث يمر قطار الحرمين السريع. ولعل المشهد لم يكن مألوفاً لسكان جدة في الأعوام السابقة، إلا أن غزارة الأمطار كانت لافتة خلال الشهرين الأخيرين، بل إنها تجاوزت أحياناً في يوم واحد ما يهطل على جدة في عام كامل!
ولم تكن تلك الأجواء مقتصرة على جدة، فقد فوجئ السعوديون بجريان الأودية في العديد من مناطق المملكة بشكل غير مسبوق مثل واديي العقيق والرمة بالمدينة المنورة (غربي السعودية)، والوادي الأخير يمتد إلى محافظة القصيم بين وسط وشمالي المملكة، إلى جانب العديد من الأودية ومجاري السيول في المناطق ذات الطبيعة الجافة.
وبالفعل، كان تأثير الأمطار هائلاً على الأرض، وبخاصة تلك المساحات الصحراوية الشاسعة المقفرة، وكذلك الجبال، حيث اكتست باللون الأخضر، جاذبة معها رواد السياحة الطبيعية الشتوية، حيث الترفيه والترويح عن النفس، إلى جانب رعاة الماشية، حيث الغذاء المجاني اللامحدود.
ليس ذلك فحسب، بل إن المستثمرين السياحيين يستغلون فرصة الأجواء الشتوية العليلة لإقامة استثمارات مؤقتة. أجرت «المجلة» جولة حول أرياف جدة لاستكشاف أجواء السياحة الشتوية والنشاطات المرتبطة بها.

جبل القمر في جدة


المربعانية والكشتة
منذ عقود، ارتبطت مربعانية الشتاء لدى السعوديين، وهي الفترة التي تبدأ أواخر ديسمبر (كانون الأول) من كل عام وتمتد حتى 40 يوماً فيها البرودة، برحلات «الكشتة» (جمعها كشتات)، وهي كلمة ذات جذر تركي مشتقة من كلمة kastanyola التي تعني النزهة أو الرحلة.
ويقول صالح (40 عاماً) الساكن في جدة إنه يحرص كل شتاء على تنظيم الكشتات، إما مع أفراد عائلته وإما مع أصدقائه، في المناطق المحيطة بجدة، من أجل الاستمتاع بأجواء الشتاء الباردة وارتداء الفروة (عباءة شتوية) أمام شعلة النار.
ويضيف: «الطبخ في البر متعة خالصة. أستغل شتاءنا القصير للاستمتاع بالطبيعة لأن الجو الحار يسود أيام السنة. سيارتي مجهزة بجميع الأدوات اللازمة للترفيه والطبخ والنوم. الاستراحة من ضجيج المدينة نعمة كبيرة».
وفي منطقة جبل القمر (70 كم شمال جدة)، مثلاً، يمكن رؤية رواد الكشتة من العائلات والأفراد، ناصبين خيامهم ومعدات الطبخ والترفيه قرب سياراتهم، فيما يلعب أطفالهم حولهم. أما البعض، فإنهم ينصبون خيامهم في نهاية الأسبوع حتى يناموا ليلة أو ليلتين في البر (الاسم الذي يطلقه السعوديون على المساحات الصحراوية الشاسعة في البلاد).
لقد اجتذب هذا النشاط السياحي الشتوي غير السعوديين، إذ يمكن مشاهدة بعض الوجوه العربية والآسيوية أثناء الرحلة إلى جبل القمر.
يقول الشاب الفلبيني ماركوس (37 عاماً): «لقد كان الاسم (Moon Mountain) ملهماً لدرجة الشعور بأن الجلوس على سطح الجبل وسط الأعشاب البرية والأشجار النامية حديثاً، في خصوصية تامة في ليلة يكون فيها القمر بدراً، وكأنه جلوس على سطح جبل في القمر!».


اقتصاد موسمي.. وضوابط
يتجه جزء من رواد الكشتة إلى الراحة عبر التوجه إلى مخيمات، يقيمها مستثمرون شغوفون بعالم الرحلات. تتمثل الراحة التي يسعون إليها في توفر خيام مرخصة مزودة بجميع المرافق الموجودة في المنازل كالمطابخ والمواقد ودورات المياه وألعاب الأطفال ومستلزمات الشي، فيما يكون بعضها أكثر ترفاً من خلال المجالس العربية الفاخرة وغرف النوم المنزلية والطعام.
وبحسب مواقع حجز الوحدات السكنية والمخيمات، يمكن حجز خيمة منفصلة ضمن مخيم أو استئجار مخيم بأكمله للمجموعات أو العائلات الضخمة.
ويتراوح سعر الليلة بين 150 دولاراً و1000 دولار وفقاً لمستوى تجهيزات المخيم والفخامة والموقع.
ومن المشاهدات التي تسيء إلى السياحة الشتوية والبيئة بشكل أوسع، ترك مخلفات الطعام أو النفايات، وبخاصة البلاستيكية في الطبيعة. كما أن قطع الأشجار خلسة للتدفئة عمل مدمر للتنوع الطبيعي، يقضي على نمو الغطاء النباتي.
تمنع القوانين السعودية الاحتطاب غير المرخص بكافة أشكاله، وكثير من الحطب الموجود حالياً أوروبي المنشأ. وغني عن الذكر أن الذوق السليم يفترض التعامل الرفيق مع البيئة بالحفاظ على نظافتها. وتخالف شرطة البيئة من يخرقون قوانين النظافة وقطع الشجر أو استخدام حطب غير مرخص.
يقول أبو أحمد من جدة (50 عاماً): «نستغل فرصة استئجار مخيم يستوعب 50 شخصاً لتجتمع أصول العائلة وفروعها، وليس أجمل من شعلة النار في الليل المظلم. اللون الأخضر مذهل في هذا الموسم؛ حتى الجبال اكتست بهذا اللون بشكل غير مسبوق».

صورة تداولها المغردون في جدة لقطار الحرمين السريع


الترويج للسياحة البيئية
تطلق هيئة السياحة السعودية، حملات ترويجية سنوية متنوعة مثل «شتانا غير»، و«شتاء السعودية» مع تركيز خاص على مفهوم «السياحة البيئية»، الذي يتضمن إثراء المشهد السياحي البيئي بالنشاطات.
وتؤدي بعض المحميات الطبيعية، التي يصل عددها إلى 30 محمية، دوراً أساسياً في السياحة البيئية. وعلى سبيل المثال، نشرت هيئة تطوير محمية الإمام عبد العزيز بن محمد الملكية (شرقي المملكة) على صفحاتها ضمن منصات التواصل، 39 نشاطاً مرخصاً تتضمن، مثلاً، المشي الخلوي (hiking) وركوب الراحلة والدراجات الهوائية وتأمل النجوم.
وللحقيقة، فإن الجزء الأكبر من الطبيعة البرية للمملكة، ليس ملائماً للسياحة البيئية إلا في فصلي الشتاء والربيع؛ نظراً لارتفاع درجات الحرارة إلى أرقام قياسية في الصيف وأقل بقليل في الخريف. لذا، تنشط حملات ترويج السياحة البيئية المسؤولة في المواسم الباردة.
ليس هناك رقم دقيق للسياح الشتويين القادمين من الخارج من أجل الكشتات والاستمتاع بالطبيعة، لكن الأقرب أن أكثرهم قادمون من الدول الخليجية المجاورة. ومنذ سبتمبر (أيلول) 2022، فتحت السعودية أبوابها للمقيمين في دول الخليج المجاورة، مما يعزز أعداد السياح.
ويقول فادي (27 عاما)، وهو مقيم عربي في جدة: «كانت غزارة الأمطار لافتة، وكان تأثيرها ساحراً على الأرض. لقد أصبحت الكشتة طقساً أسبوعياً في هذا الوقت من العام. السياحة البيئية في السعودية تجربة جميلة وأحب تكراراها!».