قراءة في مخرجات مؤتمر التعدين الدولي الثاني في الرياض

منصة دولية للتعاون والتشارك في الأفكار لتطوير القطاع وتلبية متغيراته المستقبلية
مؤتمر التعدين الدولي جمع 12 ألف مشارك من 130 دولة في السعودية (واس)

باكو: «إن نجاح المؤتمر يتمثل في الأفكار والاقتراحات والنقاشات التي قدمها جميع المشاركين من داخل المملكة وخارجها؛ وهو ما يفرض ضرورة المضي قدماً في تطوير قطاع التعدين استناداً إلى أسس رئيسية، منها استمرار الحوار، وتعزيز التعاون بين مختلف الدول في هذا المجال»..
بهذه الكلمات الواضحة عبر وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر بن إبراهيم الخريف عن اختتام جلسات وفعاليات النسخة الثانية من مؤتمر التعدين الدولي الذي عُقد تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود خلال الفترة من 10-12 يناير (كانون الثاني) 2023 في العاصمة الرياض، إذ أكد أن هذا النجاح يمثل الركيزة الأساسية في بدء الاستعداد للنسخة الثالثة من هذا المؤتمر، سعيا إلى أن يصبح «منصة دولية للتعاون والتشارك في الأفكار لتطوير قطاع التعدين وتلبية متغيراته المستقبلية». وعليه، يسلط التقرير الضوء على ما شهده المؤتمر من مشاركات واسعة وفعاليات عديدة، وما انتهى إليه من رؤى ومقترحات، وذلك من خلال محورين على النحو التالي:

التعدين في نسخة ثانية من مؤتمره الدولى
في واحدة من أهم الفعاليات التي تسعى إلى بناء الشراكات في قادم الأيام، تأتي المبادرة السعودية بعقد مؤتمرها الدولى للتعدين في نسخته الثانية لتستكمل ما شهده هذا المؤتمر في نسخته الأولى من وضع أسس تفاهمية ومرتكزات عملية تستهدف التوصل إلى رؤى توافقيه بشأن تعزيز فرص التعاون المشترك والتنسيق المتبادل في تلبية الاحتياجات الصناعية المتزايدة خاصة فيما يتعلق بحاجات الطاقة المتجددة كبديل للطاقات الأحفورية، وهو ما يدفع بدوره إلى زيادة الطلب على المعادن في العالم حاضرا ومستقبلا، وخاصة ما يعرف بالمعادن الاستراتيجية أو المؤثرة.
وفي هذا المقام، تبرز المملكة العربية السعودية كفاعل رئيسي نظرا لما تتمتع به من قدرات كبيرة في قطاع التعدين من ناحية. وما تمتلكه من موقع جغرافي جيواستراتيجي يتوسط تلك المنطقة التعدينية المتميزة الممتدة من أفريقيا إلى وسط وغرب آسيا من ناحية أخرى، وهو ما يمنحها- بما لديها من تجارب وخبرات تعدينية- دورا قياديا في مجال العمل على تطوير قدرات وإمكانات هذه المنطقة. ومن ثم، فقد اكتسبت المبادرة السعودية في تدشين هذا المؤتمر الدولي السنوي خصوصية مهمة، بهدف التوصل إلى استراتيجية شاملة لتعظيم الاستفادة من المعادن المؤثرة في مجال تحول الطاقة، والمنتظر أن تزداد أهميتها مستقبلا، حيث يعد هذا المنتدى منصة دولية شاملة، تتيح الفرصة للمستثمرين وشركات التعدين والأطراف المعنية بقطاع التعدين على مستوى العالم للالتقاء والاطلاع على كل ما يهمهم حول إمكانات وفرص قطاع التعدين في منطقة التعدين الناشئة، كما يبحث كذلك في كيفية بناء صناعة تعدين مستدامة، والاطلاع على الإمكانات الجيولوجية الهائلة للمناطق المستهدفة.
وفي ضوء تلك الأهمية التي حظي بها هذا المؤتمر، شهد مشاركات واسعة من جانب عديد الوزراء والسفراء وكبار المسؤولين، إضافة إلى 200 متحدث وأكثر من (12000) مشارك من قادة الاستثمار، ورؤساء كبرى شركات التعدين، وخبراء ومختصين تقنيين في هذا المجال، وممثلين للمؤسسات المالية ومقدمي خدمات ومصنعين من 130 دولة، تنوعت جلسات نقاشهم حيث شملت عديد الموضوعات، منها: مستقبل قطاع التعدين، وإسهاماته في تنمية المجتمعات، وتعزيز أنظمة الاستدامة والطاقة النظيفة، وجذب الاستثمارات المباشرة لقطاع التعدين في المنطقة؛ وزيادة إسهام المنطقة في سلاسل القيمة والإمداد للمعادن الاستراتيجية، وتطويرها لتصبح مركزا متكاملاً لإنتاج المعادن الخضراء، ودور التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في قيادة عمليات الاستكشاف والتعدين. وقد تمت هذه المناقشات من خلال عقد أكثر من 30 ورشة عمل، غطت كل هذه الجوانب. هذا إلى جانب تنظيم ملتقى فرص الاستكشاف التعديني، بمشاركة كبرى الشركات الدولية في مجال الاستكشاف التعديني والشركات الاستثمارية الوطنية المهتمة في قطاع التعدين، بهدف دعم إنشاء تحالفات استراتيجية بين الشركات المحلية والدولية، وتطوير البيئة التنافسية في القطاع، إلى جانب نقل أفضل الخبرات الفنية وتحفيز فرص اكتشاف مناجم جديدة في المملكة، حيث قُدم خلال الملتقى تفاصيل 6 فرص تعدينية في المملكة للاستكشاف أمام المستثمرين العالميين والمحليين، والتي سبق الإعلان عنها تحت مظلة مبادرة «برنامج الاستكشاف المسرع» وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب). ولم يقتصر الأمر على جلسات بين الشركات الاستثمارية الدولية والمحلية فحسب، بل شهد المؤتمر عقد اجتماع الطاولة المستديرة الوزاري الثاني بمشاركة 62 دولة ممثلة بعدد من الوزراء والمسؤولين رفيعي المستوى، وبحضور 21 منظمة ومؤسسة دولية مهتمة بالقطاع.

أحد مواقع التعدين في السعودية


وكان من أهم مخرجات هذا المؤتمر أيضا، توقيع 60 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجال صناعة التعدين والمعادن بين عدد من الجهات الحكومية والشركات والمؤسسات المشاركة في المؤتمر؛ واشتملت هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم على مجالات الاستكشاف التعديني، والتكنولوجيا، والاتصالات، وتطبيق معايير الاستدامة، والتوطين والتأهيل، والتصنيع في قطاع التعدين. كما شهد المؤتمر كذلك تسليم رخصتي الاستكشاف لموقعي الخنيقية وأم الدمار للشركات الفائزة بها.
وسعيا إلى تعظيم مخرجات هذا المؤتمر، فقد نُظم على هامشه ثلاثة معارض:
الأول، معرض لأحدث تقنيات التعدين الحالية والمستقبلية.
الثاني، معارض خارجية للرعاة والشركات المشاركة.
الثالث، معرض للفرص الاستثمارية في مناطق أفريقيا وغرب ووسط آسيا، كونها مناطق تعدينية واعدة قادرة على الإسهام في سد فجوات الطلب المستقبلي على المعادن.

المعادن وتحول الطاقة... رؤية المملكة 2030
في عالم يواجه عديد التحديات والأزمات في مختلف المجالات وعلى المستويات كافة، تظل قدرة دوله على التعامل مع تداعيات تلك التحديات والأزمات مرهونا بقدرتها على توفير احتياجاتها من الموارد الاستراتيجية الأساسية والضرورية لضمان التشغيل الكامل لقدراتها الاقتصادية التي من شأنها أن تلبي احتياجات مواطنيها، وتظل الطاقة هي المصدر الأكثر تأثيرا في ضمان هذا التشغيل الكامل لتلك القدرات. وإذا كان صحيحا أن الموارد الأحفورية (الفحم والنفط والغاز) حظيت بأهمية كبرى في تشغيل الاقتصاديات الوطنية على مدار القرون الماضية منذ اكتشاف استخدامات هذه الموارد، إلا أنه من الصحيح أيضًا أن التحديات سواء تلك المتعلقة بالوصول إلى الاكتشافات الجديدة من هذه الموارد خاصة النفط والغاز، أو تلك المتعلقة بصعوبة استخدامها كمصدر للطاقة في ظل ما يواجه العالم من تغيرات مناخية عصفت بعديد الأنظمة البيئية الراسخة في مختلف المجالات وتركت تأثيراتها على مختلف ظروف حياة الدول والمجتمعات وهددت الكثير منها بالفناء أو في حدها الأدنى بالتفكك بسبب الصراعات والحروب بحثا عن الموارد، فرضت هذه التحديات على الجميع البحث عن بدائل حقيقية لموارد الطاقة القادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة منها من ناحية، وتصون البيئة وحق الأجيال القادمة في التنمية فيما يعرف بالتنمية المستدامة من ناحية أخرى، وهو ما خلق حالة من الإجماع العالمي حول أهمية التحول في مجال الطاقة من طاقة أحفورية إلى طاقة جديدة ومتجددة، عبر الاعتماد على مصادر طاقوية صديقة للبيئة، وهو ما وجد صداه في مجال الاعتماد على المعادن بصفة عامة، والمعادن الاستراتيجية أو ما تعرف باسم المعادن المؤثرة على وجه الخصوص، بما يضمن تعظيم الاستفادة من طاقات مثل طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، وإنتاج السيارات الكهربائية، وبناء مشروعات توليد الطاقة المتجددة وتخزينها، وهو ما يعني بدوره ارتفاعا متزايدا في الطلب على هذه النوعية من المعادن الاستراتيجية.
وفي هذا الخصوص، تجدر الإشارة إلى دراسة صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أشارت إلى أن وكالة الطاقة الدولية وضعت ضمن توقعاتها أن التحول من طاقة الهيدروكربون إلى الطاقات المستدامة سيكون لها تأثير في حجم استهلاك المعادن المؤثرة في منتجات الطاقات المستدامة، ليرتفع ذلك إلى ستة أضعاف بحلول 2050، ومن أبرز هذه المعادن الكوبالت والليثيوم، بما يجعل من المتوقع حدوث اختلال في ميزان العرض والطلب لهذه المعادن بنهاية هذا العقد (2030).
وغني عن القول إن المملكة لم تكن غائبة عن كل هذه التطورات والمستجدات، بل أولت اهتماما جليا لدور المعادن ومستقبلها في مجال الطاقة المتجددة، مع إطلاق رؤيتها التنموية المعروفة برؤية المملكة 2030، والتي مثل فيها قطاع التعدين إحدى الركائز الأساسية لتنمية الإيرادات غير النفطية، والإسهام في الناتج المحلي، حيث يُعد الركيزة الثالثة للصناعة، إلى جانب صناعتي النفط والبتروكيماويات، إذ وضعت الرؤية مستهدفات طموحة لرفع إسهام هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من 17 مليار دولار، إلى 64 مليار دولار، بحلول عام 2030. ويأتي ذلك لما تنعم به المملكة من احتياط وفير ومتنوع من إمكانات التعدين تصل قيمته إلى نحو 1.3 تريليون دولار؛ يضم معادن الفوسفات والبوكسيت في الشمال الشرقي، والذهب والنحاس والرواسب الأرضية النادرة في الدرع العربية غربي المملكة.

جانب من فعاليات المؤتمر الذي عقد في الرياض (واس)


وفي سبيل الوصول إلى تلك المستهدفات، تم اتخاذ عديد الخطوات الجادة والإجراءات التنفيذية، من أبرزها: بدء العمل بنظام الاستثمار التعديني الجديد، وتدشين منصة «تعدين» الإلكترونية، لتوفير البيانات الجيولوجية، وتيسير إجراءات إصدار الرخص التعدينية، وإطلاق قاعدة البيانات الوطنية لعلوم الأرض، والبدء في تنفيذ مشروع المسح الجيولوجي العام، الذي يغطي 600 ألف كيلومتر مربع، وإطلاق مبادرة الاستكشاف المسرع، لإجراء المسوح، وتقييم مواقع المعادن الاستراتيجية، واستكشاف وتطوير مناطق المعادن الواعدة، وتأسيس شركة لخدمات التعدين بهدف الارتقاء بالخدمات المقدمة للقطاع وتعزيز قدرته التنافسية، وتحقيق متطلبات الامتثال والاستدامة. وقد حققت هذه الخطوات عديد الإنجازات؛ سواء على مستوى زيادة عدد الرخص التعدينية، حيث بلغت 1967 رخصة للاستطلاع والكشف والاستغلال لمختلف الخامات المعدنية 25 في المائة منها صدر خلال عام 2021، أو على مستوى المجمعات المحجوزة ومناطق الاحتياطي التعديني، حيث بلغت 431 موقعًا.
نهاية القول، إن مؤتمر التعدين في نسخته الثانية يمثل واحدا من أهم المبادرات العالمية في مجال البحث عن حلول لما يواجهه العالم من تحديات واضحة في مجالات الصناعة المتقدمة ومستهدفات التحول نحو الطاقة النظيفة والكربون الصفري، حيث يتنامى الطلب العالمي على المعادن وخاصة الاستراتيجية منها، بما يحتاج بدوره إلى ساحات للنقاش وتبادل للأفكار، وطرح للرؤى والمقترحات ليس فقط بين المسؤولين وإنما بمشاركة جميع الأطراف؛ حكوميين ومستثمرين ومؤسسات مالية ومقدمي خدمات ومصنعين، وهو ما يوفره المؤتمر الدولى كمنصة للتعاون المشترك تهدف إلى رسم خريطة طريق مستقبلية للمعادن واستثمارها وتعظيم مردوداتها محليا وإقليميا وعالميا.