لقاء تحت غيوم الخطر في بلدة سودانية حدودية

رواية «موسم الأشباح» لفاتن عباس
«موسم الأشباح» رواية لفاتن عباس

بقلم: أنجيلا أجايي

أول ما يقابل الباحث عن السودان على «غوغل» أخبار كئيبة، فلا يخلو ما يكتب عنه وعن جاره جنوب السودان من المآسي المؤسفة. وغالباً ما يحمل رد فعل الكثيرين جرعة مكثفة من التشاؤم والاستسلام. ولكن البعض اختار، ومنهم الكاتبة السودانية فاتن عباس التي تصدر روايتها الأولى الساحرة «موسم الأشباح» باللغة الإنجليزية هذا الشهر، اختارت رفض هذه المشاعر والتمسك بنوع خاص من التفاؤل الحذر، الذي يركز على قيم إنسانية ونسوية، دون أن يغفل ما يحل بوطنها الحبيب.
من أجل هذا الهدف المُعقد، اختارت عباس لأحداث روايتها زمناً كان فيه شمال وجنوب السودان بلداً واحداً قبل أن يسقط في أتون النزاع والإرهاب، الذي استمر على يد الميليشيات والمتمردين. تهتم عباس كثيراً برسم المكان والشخصيات، وهي تكتب في عين عاصفة خطيرة، وتنتقل من صورة مغرقة في اللون البرتقالي إلى أخرى وكأنها صانعة أفلام ماهرة.
تدور أحداث الرواية في بلدة سرايا الحدودية «المتربة النائمة» الواقعة في «منتصف اللامكان- حيث تقع في شمالها الصحراء وفي جنوبها مستنقعات ومراعٍ ممتدة».. بفضل موقعها، تصبح سرايا الغنية بالنفط، «بقعة ساخنة في الحرب الأهلية بين حركة متمردي الجنوب وحكومة الشمال في الخرطوم».
اختيار ذكي للموقع، حيث يطارد الخطر شخصيات الرواية الخمس، لا سيما بعد العثور على جثة محترقة في صباح أحد الأيام. يشير هذا الاكتشاف المروع إلى وقوع جريمة غامضة، ولكن للمؤلفة خطط أخرى. تقرر الروائية نسب الجثة إلى عالم النبؤات، وتركز على الجوانب الإنسانية في العلاقات بين شخصياتها.
تفتتح الرواية بشخصية دينا، التي عادت إلى السودان لإنتاج أفلام وثائقية بعد أن فر والداها من الخرطوم إلى سياتل قبل 15 عاماً. تقيم دينا التي لا تميل إلى الالتزام وتبدو شخصية مستقلة في مجمع تابع لإحدى منظمات المجتمع المدني ومعها أربعة غرباء نتعرف عليهم واحداً بعد الآخر بطرق متباينة.
أليكس وهو أميركي أبيض البشرة سريع الانفعال، مكلف بمهمة في سرايا، فهو مسؤول رسم خرائط ومسح ميداني، محبط بسبب البيروقراطية وتغير المناخ. أما ويليام، فهو سوداني نيلي- يراه البدو أقل منهم مرتبة- وهو مترجم مرافق لأليكس، مثقف ويتبنى فكرا تقدميا.
هناك أيضا مصطفى، ذو الاثنى عشر ربيعاً، يمتلك ذكاء يفوق سنه. وليلى، البدوية الجميلة التي يحبها ويليام، وهي مسؤولة عن الاعتناء بالمجمع وشراء المستلزمات والطهي.
بطبيعة الحال تظهر المشكلات في العلاقات بين هذه الشخصيات، تُفاقمها اختلافات هوياتهم وطبقاتهم الاجتماعية وجنسهم، وأخيرا بسبب الحرب. لا تسارع المؤلفة في الكشف عن كل هذا، بل تخاطر أحياناً باختبار صبر القارئ انتظاراً لتنامي مشاعر الحب (بين ويليام وليلى) والخوف الذي لا ينتهي.
في أحد الأيام يصل جنود إلى أعتاب المجمع لتفرقة اللاجئين المتجمهرين فراراً من قريتهم المسلوبة، مما يتسبب في مزيد من الدمار.
تطرح رواية عباس مسائل أخلاقية من النوع الذي يساعد في قياس التقدم المجتمعي، ومنها كيفية مواجهة العنف ضد المرأة. تواجه كل شخصية في الرواية سؤالا حول الفعل الصحيح الذي يجب أن تقوم به، وفي ظل المخاطر المحيطة، ليس من السهل قط معرفة الفعل الصحيح في أثناء الحرب، أو حتى فترات توقف إطلاق النار الهشة.
ماذا عن كيفية ترسيخ الرواية للشخصيات النمطية؟ عندما تختم عباس روايتها بقصة ملهمة للغاية عن ليلى- تلك الفتاة البدوية التي تلازمها السلطة الأبوية والمآسي، وتتذوق حلاوة الحرية لأول مرة- نرى أولوياتها كمؤلفة بوضوح مؤثر.