القارة الأفريقية بين الوعود الأميركية والإغراءات الروسية

مرة أخرى يحتدم تنافس القوى الدولية الكبرى على استعراض مدى وكيفية الاهتمام الذي توليه هذه القوى للقارة الأفريقية، ولما تزخر به من خيرات وثروات، وما باتت تمثله دولها من وزن سياسي وتصويتي في المحافل الدولية. وقد تجلى هذا الاستعراض في خطوات دبلوماسية رفيعة المستوى كان أبرزها في الآونة الأخيرة إقدام واشنطن على استضافة القمة الثانية لمنتدى أميركا/ أفريقيا في الفترة من 13 إلى 15 ديسمبر (كانون الأول) 2022 بعد أزيد من ثماني سنوات على انعقاد القمة الأولى سنة 2014.

لقد سعت الإدارة الأميركية إلى أن تكون هذه القمة فرصة لوضع لبنات صلبة لشراكة استراتيجية مستقبلية فعالة، ومستدامة وشاملة بين الطرفين لا تحتكرها المؤسسات الحكومية فقط. لهذا لم يكن مستغربا أن يتم الحديث بإسهاب عما سمي «نهج بايدن للانفتاح الأميركي الكامل على أفريقيا»،الذي يدخل، كما تقول واشنطن، في سياق توجهها نحو بناء شراكات دولية جديدة تلائم معطيات القرن 21.

ومن خلال ما رشح من معلومات عن قمة واشنطن، فإن «نهج بايدن» الأفريقي يرتكز على مجموعة من الأسس، أبرزها تعزيز الاستثمار الذي رصدت له الإدارة الأميركية حوالي 55 مليار دولار للسنوات الثلاث المقبلة، وتشجيع الجهود الديمقراطية، ومعالجة التحديات الأمنية، ناهيك عن الإسهام في مواجهة معضلة الأمن الغذائي، ومشاكل التغيرات المناخية.

والملاحظ أن تصميم واشنطن على إعطاء نفس جديد أكثر ديناميكية وشمولية لعلاقاتها الأفريقية تبلور في هذه القمة من خلال كثافة الملتقيات التي نظمت إبان انعقادها وعلى هامشها، بدءا بمنتدى شباب القادة الأفارقة داخل القارة السمراء وفي المهجر، وخاصة في أميركا، مرورا بمنتدى المجتمع المدني الذي شكل منصة هامة لتبادل الآراء واستعراض المواقف الحكومية وغير الحكومية حول العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أبرزها مكافحة الفساد وتعزيز المحاسبة، وصولا إلى بحث تفعيل الميثاق المشترك للتجارة والاستثمار ودعم التكامل الاقتصادي بين الطرفين.

وإضافة إلى الأهمية الاقتصادية للقارة السمراء، وخاصة للمخزون الهائل لعدد من بلدانها من الغاز الطبيعي الذي يمكنه أن يشكل في المدى المتوسط بديلا مناسبا للغاز الروسي، فإن الهاجس الأكبر لإعادة إحياء الاهتمام الأميركي الجدي بأفريقيا يتمثل في مجموعة أبعاد أمنية واستراتيجية يتعلق أولها بتزايد نشاط الجماعات الإرهابية وانتشارها في معظم أنحاء القارة، فيما يعود أكثرها أهمية إلى التنامي الكبير لنفوذ كل من روسيا والصين هناك.

وتكمن خطورة تنامي هذا النفوذ في أنه بدأ يتجاوز مجال الاستثمارات الاقتصادية ورفع المبادلات التجارية ليصل إلى ترسيخ التواجد الأمني والعسكري، الذي اتضح جليا بالنسبة للصين في إقامة قاعدة عسكرية دائمة في جيبوتي على مرمى حجر من باب المندب، فيما تجسد الحضور الأمني والعسكري الروسي في ارتفاع عدد الدول التي أبرمت صفقات تسلح مع موسكو إلى 15 دولة، وفي توسع نشاط شركة فاغنر للخدمات الأمنية، التي استطاعت ملء جزء من الفراغ الذي تركه انسحاب قوات عدد من الدول الأوروبية من دول أفريقيا الوسطى ومنطقة الساحل.

وبديهي أن تدق خطورة الاهتمام الأميركي بالقارة السمراء جرس إنذار قوي في عواصم عالمية كبرى، وخاصة تلك التي تناوئ سياسة الأحادية القطبية الأميركية على الساحة الدولية، التي بادر بعضها إلى التحرك إما لمحاصرة تمدد النفوذ الأميركي أو للحد من تأثيره على مصالحها.

ورغم أن الرئيس الصيني يعتبر أكثر قادة العالم تجولا في القارة السمراء، حيث زارها عشر مرات في الفترة من 2014 إلى 2020، مما ساهم بأن تصبح بكين صاحبة أكبر عدد من الصفقات التجارية والمشاريع الاستثمارية في القارة الأفريقية بمبلغ إجمالي ناهز 735 مليار دولار سنة 2020، فإن الصين لم تفصح عما تعتزم القيام به كرد فعل على التحرك الأميركي، بل حاولت التقليل من بدء وزير خارجيتها الجديد لمهامه خارج البلاد بجولة حول عدد من العواصم شرق وغرب القارة السمراء، وذلك بالإشارة إلى أن هذه الجولة مجرد تكريس لتقليد يعود إلى سنة 1991.

وخلافا للصين، فإن روسيا لم تتأخر في الرد على التحرك الأميركي، إذ أعلنت غداة انتهاء القمة الأميركية الأفريقية عن تأهب وزير خارجيتها للقيام بجولتين تشملان ثماني دول أفريقية خلال شهري يناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط) من السنة الجارية.

وحسب المعلومات المتوفرة، فإن جولتي الوزير سيرغي لافروف تدخلان في إطار استعداد الكرملين لاحتضان القمة الروسية الأفريقية الثانية في يوليو (تموز) 2023 بمدينة سان بيترسبورغ، وذلك بعد حوالي أربع سنوات من انعقاد القمة الأولى في مدينة سوتشي سنة 2019.

وفيما يبدو، فإن موسكو من خلال جولة وزير خارجيتها مصممة على التحضير جيدا ومبكرا للقمة المنتظرة، التي تريدها نقلة نوعية في علاقاتها الأفريقية تتجاوز الأبعاد السياسية والاتصالات الدبلوماسية لتعطي الانطلاقة الفعلية لتوسيع آفاق التعاون التجاري والعلمي والتقني، ولتنفيذ عدد من المشاريع الاقتصادية والاستثمارية التي سبق إقرارها في القمة الأولى تأكيدا للأولوية القصوى التي يوليها الكرملين للتعاون مع دول القارة السمراء، وهي أولوية غير مستغربة نتيجة ما تعانيه روسيا من عقوبات غربية متعددة عليها تجاوز عددها 13 ألف عقوبة فردية وجماعية، وفي ضوء ما وصلها من معلومات عن قيام دول غربية كبرى بتحريض بعض الدول الأفريقية على عدم حضور قمة سان بيترسبورغ.

يقول المثل الأفريقي إن معظم الأشخاص الذين يرغبون في مساعدتك على وضع سلتك فوق رأسك يريدون معرفة ما بداخل السلة. فهل يستوعب الأفارقة المغزى العميق لهذا المثل أم سيسقطون مرة أخرى في فخ الاستقطاب بين كبار العالم؟