حسين الحسيني أو نقيض جمهورية الموز

الجميع من دون استثناء أثنى عند الإعلان عن موت الرئيس الحسيني عن عمر ناهز 85 على القيمة المضافة التي مثلها الرجل في السياسة اللبنانية وأنه كان مثالا للحكمة والتواضع ورمزا لفكرة التعايش بين الأديان والطوائف على المستوى الاجتماعي والسياسي وصولا للمناداة بالدولة المدنية بعيدا عن انقسامات اللبنانيين مذهبيا وطائفيا.

رحل الرئيس حسين الحسيني عن بلد عرف معاناته السياسية أيام كان يرافق صديقه الإمام موسى الصدر في حركة المحرومين، ثم كرئيس لمجلس نواب في عز الحرب الأهلية وبعدها عند اتفاق الطائف- والذي كان أحد أبرز الذين صاغوه- كحل لوقف الحرب الأهلية.

تجاربه السياسية انتهت بإعلان استقالته من مجلس النواب عام 2008 خلال مناقشة المجلس للبيان الوزاري لحكومة الرئيس السنيورة وتلاه عام 2018 إعلان انسحابه من الانتخابات النيابية متهما السلطات التي تنظم الانتخابات بأن لا شرعية لها، وداعيا المواطنين والمواطنات الى «فرض تطبيق الدستور وصولاً إلى تحررهم من الوصايات الطائفية السياسية، وتحرير لبنان من الوصايات الأجنبية، وبالتالي إقامة النظام بصيغته المدنية على أسس الحرية والمساواة والاستقلال».

اُبعد الرئيس الحسيني عن رئاسة مجلس النواب، لأن الوصي السوري استشعر أن الرجل لن يكون أداة طيعة بين يديه، وأنه سيسعى لتطبيق أحكام اتفاق الطائف كما أقر، من هنا كان التفتيش عن البديل الذي سيغض النظر عن بند انسحاب الجيش السوري أو إلغاء الطائفية السياسية، وإنشاء مجلس للشيوخ ونزع سلاح الميليشيات كافة، أكانت مقاومة أم لا.

هذه المرحلة بالذات- حيث فرض النظام السوري وصايته على لبنان برضا الغرب والتي بدأت مع انتهاء الحرب الأهلية وانتهت باغتيال الرئيس رفيق الحريري- كان لها شركاء في الداخل متعاونون مع النظام في سوريا ومستفيدون أيضا منه. الرئيس الحسيني لم يكن واحدا من هؤلاء، ولذا استقال تدريجيا من العمل السياسي على مراحل، لاقتناعه بأن اتفاق الطائف أي الدستور اللبناني ممنوع من التطبيق ولأسباب كثيرة لا مكان لشرحها في هذه المقالة.

من حل مكان الرئيس الحسيني وأمثال الرئيس الحسيني- نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: النائب نسيب لحود- كان يمثل شريحة من الناس كبيرة لا تريد للجمهورية أن تتحرر من نظام الطائفية والولوج إلى الدولة المدنية القائمة على المواطنة، لأنها ستعني انتهاء دورهم لزعامات طائفية، فكانت استقالة الرئيس الحسيني نتيجة طبيعية لفشل اجتماع أكثرية وازنة حول ندائه «للمواطنات والمواطنين بالتحرر من الوصايات الطائفية السياسية».

صحيح أن النظام السوري أراد إقصاءه من رئاسة الندوة البرلمانية وأقصاه، لكن هناك من أبدى كامل الاستعداد للحلول مكانه وهناك أيضا من لم يعترض على هذه الخطوة لا داخليا ولا خارجيا.

الرئيس الحسيني كان يمثل هذه الفكرة عن لبنان «الرسالة». كان يعتقد أغلب الظن أن فكرة «التعايش السياسي» القائمة على تقاسم السلطات والوظائف وإرادات الدولة مذهبيا وطائفيا ليست هدفا بحد ذاته إنما وسيلة تنقل لبنان من نظام طائفي ومذهبي وقبائلي إلى نظام مدني وديمقراطي يتساوى أبناؤه في الحقوق والواجبات.

أعتقد أنه في فكر الرئيس الحسيني «التعايش السياسي» كان  ممرا إلزاميا لبناء الثقة المهتزة والهشة بين الطوائف والمذاهب عشية اعلان استقلال لبنان عام 1943 ولكنه ليس نهجا سياسيا صالحا لكل العصور. والرجل كان على حق، فما نجنيه اليوم هو نتيجة تثبيت «التعايش السياسي»- أي تقسيم الدولة مذهبيا و طائفيا-  كمبدأ صالح لكل العصور.

للأسف، انفلات الغرائز الطائفية عند الطبقة السياسية اليوم وبعد كل المحن التي مر بها لبنان إنما هو دليل على انتصار جمهورية الموز التي تناصرها أكثرية ما، على جمهورية مدنية ديمقراطية متحررة من الطائفيات والمذهبيات القاتلة، كان الحسيني أحد أعلامها وأحد الداعين لها.