قطار التطبيع السوري التركي انطلق من طهران

 

يكثر الحديث عن انزعاج إيراني من التقارب بين النظام السوري وتركيا، وخصوصا لأن اللقاء الذي تم في موسكو بين وزيري دفاع البلدين بحضور روسي غاب عنه الجانب الإيراني، ويذكرني هذا الرأي بما سمعناه وقرأنا عنه قبل أكثر من سبع سنوات يوم بدأ التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا دعما لنظام بشار الأسد في حربه على السوريين، يومها قيل إن روسيا جاءت لتتدخل للحد من النفوذ الإيراني في سوريا، لتكون النتيجة بعد سنوات من التدخل والقتال أن روسيا ثبتت الوجود الإيراني في سوريا وزادت من رقعة انتشار الميليشيات التابعة لإيران، وليكتشف الجانبان الروسي والإيراني أن التدخل الروسي إنما جاء بطلب مباشر من إيران يوم زار قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني موسكو وطلب من الجانب الروسي التدخل العسكري المباشر في الحرب الدائرة في سوريا.

 

يتجاهل أصحاب هذا الرأي القائل إن إيران منزعجة من التقارب بين النظام السوري وتركيا، أن تركيا هي شريكة لإيران وروسيا في سوريا منذ البدء بمسار آستانة في العام 2017، ويتجاهلون أن العلاقة التركية الإيرانية لم تتأثر بمسار الأحداث في سوريا، فرغم كل ما قاله المسؤولون من الجانبين في الاعلام، إلا أن العلاقة بين البلدين استمرت بوتيرة جيدة جدا، حتى إن أنقرة لم تلتزم بالعقوبات المفروضة على إيران.

ولمن نسي ولا يتذكر، فمسار تطبيع العلاقات بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وبشار الأسد انطلق عمليا في قمة طهران الثلاثية التي شارك فيها إردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يوم 19/7/2022، حيث طرح موضوع تحقيق التقارب بين أنقرة والنظام السوري، ويكفي العودة للكلمات الافتتاحية التي ألقاها الرؤساء الثلاثة ليدرك أن قطار تطبيع العلاقات التركية مع النظام، انطلق من طهران وبرعاية ومباركة من إبراهيم رئيسي.

واليوم وإن غابت طهران عن اجتماع موسكو جسديا، إلا أنها حاضرة سواء من خلال مسار آستانة الذي أنهك الثورة السورية وطوع ما بقي من المعارضة إلى أن تحولت إلى أداة لينة بيد التركي، أو من خلال النظام السوري الذي لا يتوهم عاقل أنه سيفك ارتباطه العضوي مع النظام الإيراني.

فقبل أيام استقبل رئيس النظام السوري بشار الأسد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان، ونقلت صحيفة «كيهان»الإيرانية عن الأسد تأكيده على حرص دمشق «على التواصل المستمر وتنسيق المواقف مع إيران بشكل دائم، وخاصة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت من أوائل الدول التي وقفت إلى جانب الشعب السوري في حربه ضد الإرهاب، وأن هذا التنسيق يكتسب أهمية قصوى في هذا التوقيت بالذات الذي يشهد تطورات إقليمية ودولية متسارعة لتحقيق المصالح المشتركة للبلدين».

بدوره اعتبر عبد اللهيان أن «بلاده لديها ثقة كاملة بالمواقف والقرارات السورية، وهي ترى أن أي حوار بين سوريا وتركيا إذا كان جاداً فهو خطوة إيجابية لمصلحة البلدين والمنطقة».

كما أكد عبد اللهيان في مؤتمر صحافي عقده مع نظيره السوري فيصل المقداد الاتفاق على تجديد وثيقة التعاون الاستراتيجي بين البلدين، إضافة إلى عزم البلدين «توسيع العلاقات الثنائية بين البلدين وتوقيع العديد من الاتفاقيات بين البلدين».

وفيما أعلنت صحيفة «وول ستريت جورنال»الأميركية، أن طهران قيدت إمدادات النفط الإيراني بالسعر المخفض لسوريا، وضاعفت أسعار النفط المصدر إلى دمشق بسبب مشاكلها الاقتصادية. مشيرة إلى أن «النظام الإيراني رفض إرسال شحنات للنفط إلى سوريا بشكل عقود التسليم مؤجلة الدفع، وطالب دمشق بدفع ثمن النفط مقدما». ذكرت مصادر إيرانية لصحيفة «الوطن»السورية أن «إيران تعرف ما يعانيه الشعب السوري جراء الحصار والضغوط الخارجية، وهي اتخذت قراراً بالوقوف إلى جانبه في الحرب الاقتصادية التي تُشن عليه، ولا تطالب في المقابل بأي ثمن». وأوضحت المصادر أن «موضوع المعروض النفطي منسق بين القيادات العليا للبلدين، وأي معلومة تنشر خارج قيادة البلدين خاطئة وغير صحيحة».

وبغض النظر عن سعر النفط الذي تعتزم إيران اعتماده في تعاملاتها مع النظام السوري وآلية الدفع، فلا يمكن إعطاء الأمر حجما أكبر من حجم ما تعانيه إيران نفسها من أزمة اقتصادية وحراك شعبي لم يتوقف منذ أشهر، فالعلاقة بين نظام الأسد وإيران راسخة منذ عهد حافظ الأسد، وزادت تبعية النظام بشكل كامل ومطلق لإيران في عهد الابن بشار الأسد.

والوجود الإيراني في سوريا لم يعد يقتصر على ميليشيات هنا أو هناك، بل تحول الاحتلال الإيراني إلى احتلالات في كافة المجالات، وما الاتفاقات الموقعة بين الجانبين سواء عسكرية أو ثقافية أو تعليمية أو سياحية إلا وجه من وجوه هذه الهيمنة وهذه الاحتلالات.

دمشق لم تعد دمشق التي يعرفها الجميع، العبث طال تاريخها وحاضرها، الوجود الأميركي في المناطق الشرقية في سوريا لم يوقف المشروع الإيراني، ومن ينظر جيدا للخريطة سيدرك أهمية سوريا بالنسبة لمشروع إيران، سوريا حلقة الوصل بين إيران والعراق ولبنان والمتوسط، وعودة العلاقة بين تركيا والنظام السوري لن تقلق طهران بل على العكس، فإن تخفيف أي عبء عن بشار الأسد ونظامه هو تخفيف عبء عن طهران ودعم لها، وهذا لا يتعلق فقط بالعلاقة التركية السورية، فكيف إن كانت أنقرة شريكة طهران وموسكو في سوريا منذ سنوات.