لبنان... تباين في آراء الخبراء حول مشروع الكابيتال كنترول

خرج من دهاليز اللجان إلى مشرحة الهيئة العامة لمجلس النواب
بعد ثلاث سنوات.. اللجان النيابية المشتركة أقرت مشروع قانون الكابيتال كنترول (أ.ف.ب)

بيروت: أقرت اللجان النيابية المشتركة مشروع قانون الكابيتال كنترول بعدما دار هذا المشروع في المجلس النيابي منذ العام 2020، ومن المقرر أن يخضع للمناقشة وترقب أي تعديل مُحتمل لرقم السحوبات المحدَّد، بعدما أثار تعديل هذه المادة المتعلقة بحق المودع بالسحب سلسلة تساؤلات ومخاوف على مصير المصارف في حال أُقرّت الهيئة العامة مشروع القانون ودخوله حيّز التنفيذ، وما سيتأتى عن المادة السادسة المعدَّلة من سحب كل ما تبقى من العملة الصعبة لدى المصارف، بعدما تسبّبت الدعاوى القضائية في الخارج بانخفاض مجموعها، الأمر الذي يهدّد بإفلاس المصارف وبالتالي القضاء على أي أمل في استرجاع أموال صغار المودِعين قبل الكبار.
وقد مرّ هذا المشروع بمراحل عديدة، مع العلم أنه لم يوضع على طاولة النقاش الجدي حين كان ملحاً وضرورياً قبل أكثر من 3 سنوات، مما ساهم في تحويل المزيد من الأموال إلى الخارج بطرق مختلفة.
وبعد الانتقادات التي وجهت للمجلس النيابي لإهماله هذا المشروع، طلب رئيس المجلس نبيه بري عقد جلسات أسبوعية متتالية مرة أو مرتين في الأسبوع للتسريع بدراسة هذا القانون، تمهيدا لإحالته إلى الهيئة العامة للمجلس في جلسة تشريعية لاحقة من أجل مناقشته وإقراره.
وتبين خلال هذه الجلسات، أن هناك ثغرات في نص مشروع القانون قيد البحث، تحتاج إلى نقاش وتعديلات في الشكل والمضمون، وهذا ما ساهم في إطالة فترة دراسته. لكن المعضلة الأساسية التي واجهته في البداية هي المعارضة الشديدة من قبل كتل ونواب وهيئات اقتصادية على تنوعها واختلاف ميولها.
وبعد جلسات وجلسات، أخذت تتبدل الأجواء تدريجيا، لا سيما لمصلحة المضي في مناقشة مشروع القانون وإجراء التعديلات الضرورية واللأزمة عليه، لكي لا يمس الودائع وحقوق المودعين من جهة، ويؤمن تحريك العجلة المالية والاقتصادية، ويعيد تنشيط عمل المصارف من جهة أخرى.

مناقشة القانون
وشهدت النقاشات والجلسات المتتالية تطورا ملحوظا، أدى إلى انخراط الجميع من كل الكتل والتوجهات في نقاش جدي وتفصيلي دقيق، للسير قدما في درس مشروع القانون وإنجازه في اللجان المشتركة، تمهيدا لمناقشته وإقراره في الهيئة العامة للمجلس.
وتراجع النواب الذين أعلنوا في جلسات سابقة عن موقفهم الداعي إلى وقف مناقشة القانون المذكور إلى حين إقرار كامل خطة التعافي. بعض النواب انطلقوا من موقع تبنّي وجهة نظر المصارف لحسابات وارتباطات مع هذه المصارف. والبعض الآخر انطلق بداية من المنطق الذي يقول إنه لا فعالية ولا إمكان لتطبيق القانون من دون ربطه بالخطة الشاملة المالية والاقتصادية، وإنه لا وجوب لاستعجال درسه وإقراره. لكن هذا الموقف سرعان ما أخذ يتراجع لمصلحة المضي في مناقشة هذا القانون.
كما تراجعت وتيرة المعارضة خارج البرلمان، حيث تبين أن هناك آراء مختلفة حول طريقة التعاطي مع هذا الموضوع. فبقي جزء يعارض كليا القانون، بينما تحول الجزء الآخر إلى موقف أكثر اعتدالاً، مركزا على إجراء تعديلات عديدة عليه تحفظ الودائع وحقوق المودعين، ولا تميز بين أموال قديمة وجديدة.
نائب رئيس المجلس إلياس بوصعب أوضح بعد الإقرار أنه «بعد جهد أنهينا النقاش في المشروع، أخذ نقاشا مطولا وأجريت عليه تعديلات كبيرة، أقررنا المواد 11، 12، 13، 14، والتي تنص على الغرامات والعقوبات لمن يخالف تطبيق هذا القانون، والمادة 12 التي تنص على البند المهم، وهو عن المودعين وحقوقهم بالنسبة للدعاوى على المصارف، ومن هذه الدعاوى التي تحصل خارج لبنان. ومن التفاهم الذي أجمعنا عليه خرجنا بصيغتين، الأولى التي اقترحتها أن نشطب المادة، والثانية تقول إنه بهذه المادة وحفاظا على حقوق المودعين على عكس ما كانت المادة آتية، يبقى لهم الحق في أن يرفعوا شكاوى خلال سريان تنفيذ هذا القانون. بهكذا اقتراح يعلق تنفيذ هذا الحكم، وخفضنا مهلة سريان القانون من سنتين إلى سنة، وأخذنا بعين الاعتبار حقوق المودعين وكنا تبنينا الصيغة الثانية».
لكن برأي الخبراء فإن «إقرار القانون خطوة ملحّة تخدم الاقتصاد برمّته، رغم أنها غير كافية بحد ذاتها لاستعادة عامل الثقة لأن الإصلاح المالي والمصرفي في لبنان مرتبط بالإصلاح الاقتصادي ككل، مع ما يتطلّبه ذلك من خطة خروج من الأزمة على مستوى الدولة تعتمدها الحكومة، تطلق عجلة الإصلاحات المنشودة وتسهّل الحصول على المساعدات الضرورية التي يحتاج إليها لبنان. ويجب أن يستتبع ذلك إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي يشمل إصلاحات بنيوية ومالية، ويفسح المجال أمام مؤتمرات دولية داعمة للبنان في ظل الاستنزاف المستمر لمخزون العملات في البلاد.
كيف كانت ردود الفعل السياسية والاقتصادية على إقرار المشروع؟
«المجلة» طرحت هذا السؤال على بعض الأطراف المتابعة للمشروع وخرجت بالآراء التالية:

حاصباني: قانون يحمي المصارف من المودعين
نائب رئيس الحكومة السابق الدكتور غسان حاصباني اعتبر أن «الصيغة المقدمة من الحكومة لا تحافظ على أموال المودعين، بل تركز على حماية المصارف من المودعين، والتعديلات التي أدخلناها هي للحفاظ على حقوق المودعين وواجبات المصارف تجاههم وحماية ما تبقى من الاحتياطات من التصرف بها عشوائيا من قبل الدولة أو مصرف لبنان».
وأضاف: «وضع ضوابط على التحويلات والسحوبات ليس كافيا ولا يحل المشكلة لكنه يضبط التصرف بالاحتياطات إلى حين حل الأزمة، والذي يكمن في إعادة التوازن المالي عبر قانون يحدد توزيع المسؤوليات حول إعادة تكوين الودائع بين الدولة ومصرف لبنان من جهة والمصارف من جهة أخرى، وتأمين الفجوة بين الاحتياطات المتاحة وما هو مطلوب لإعادة الوضع المالي إلى حالة طبيعية، كما يتطلب الحل إعادة هيكلة القطاع المصرفي لإعادة الثقة به من قبل المودعين».

غسان حاصباني


وقال: «بالتزامن مع كل هذه الحلول، يجب أن تبدأ الإصلاحات في الدولة أيضا لتلافي الاستمرار بالهدر حتى بعد إصلاح القطاع المالي وإعادة التوازن وتكوين الودائع»، لافتا إلى أن «الإشكالية الكبرى هي أن الحكومة تتعامل مع الأزمة وكأنها أزمة ائتمانية بين المصارف والمودعين حصلت بسبب سوء الاستثمارات والتوظيفات على غرار ما حصل في العالم عام 2008، متجاهلة المسببات الكبرى للفجوة المرتكزة حول السياسات المالية للحكومات المتعاقبة وسياسة تثبيت سعر الصرف والهدر في القطاع العام».
وبرأي حاصباني فإن تحرير سعر الصرف ضمن ضوابط معقولة وإصلاح الجمارك وضبط الحدود لإيقاف التهريب وإصلاح قطاعي الكهرباء والاتصالات والجباية الضريبية وتقليص حجم القطاع العام، هي من الخطوات الضرورية لا بل الإلزامية للتعافي الفعلي، عدا ذلك تكون المقاربة فقط لشراء الوقت ولتضليل المجتمع الدولي بهدف كسب بعض التمويل مؤقتا.
وأكد أنه إذا لم تحصل كل هذه الخطوات، تكون السلطة معولة على أن تحل الأزمة بتأقلم المواطنين مع فقدان ودائعهم، ودولرة العملة والمساعدات والتحويلات الخارجية، والتعامل مع الكاش بدلا من التعاملات المصرفية وإعادة تكوين بعض الحسابات المصرفية بالدولار الفريش تباعا.
وختم: «مرت ثلاث سنوات على الأزمة وبعد سنتين إضافيتين، قد يكون من هاجر قد هاجر، ومن أفلس قد أفلس ومن اعتاد على الوضع قد تأقلم مع الظروف لتخرج السلطة ومن معها من المصارف خروج الشعرة من العجين، كما يقول المثل الشعبي. ويكون المواطن، مودعا كان أم غير مودع، قد تحمل كل الخسائر ويبدأ العد من جديد، وهذا أمر غير مقبول وعلى كل مسؤول ومواطن أن يمنع ذلك من الحصول، ويصر على الإصلاحات الشاملة وإلا سيكون على الدنيا السلام».

غبريل: مشروع الكابيتال كنترول يحفظ حقوق المودعين
بدوره تحدّث رئيس دائرة الأبحاث المالية والاقتصادية في بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل وعضو اللجنة التي شكّلها نائب رئيس مجلس الوزراء إلياس بوصعب في العام 2022 لدرس مشروع قانون الكابيتال كنترول، عن سلسلة اجتماعات عقدتها اللجنة في مجلس النواب آنذاك ودرست المشروع بنداً بنداً، وأدلى كلٌ من المجتمعين برأيه واستجمع بوصعب كل الآراء ولخّصها قبل أن يُحيلها إلى اللجان النيابية المعنية»، وذكّر بأن «مشروع القانون المذكور كان يلحظ السقف الأعلى للسحوبات بألف دولار أميركي فقط، أما اليوم مع تعديل المادة 6 منه فقد أصبح الحدّ الأدنى للسحوبات 800 دولار».

نسيب غبريل


وبرأي غبريل، إذا عمد جميع المودِعين إلى سحب 800 دولار شهرياً، فستُقفل غالبية المصارف أبوابها بعد شهرين من تاريخ تطبيق القانون... من هنا، على الجميع النظر في مدى قدرة المصارف على الالتزام بهذه الأرقام، وفي إرادة مصرف لبنان وقدرته على المساهمة فيها».
وتابع غبريل: «أكرّر ما حذّرت منه خلال اجتماعات اللجنة المذكورة، وهو التنبّه إلى التالي:
- أولاً: قدرة المصارف على تلبية كل السحوبات، قبل تحديد رقمها الأعلى والأدنى.
- ثانياً: مدى قبول مصرف لبنان بإشراك نفسه في تلبية السحوبات الشهرية الواردة في المشروع، لأن الدولارات النقدية الموجبة وفق التعميم 158 يتأمّن نصف مجموعها من مصرف لبنان وكذلك الأمر بالنسبة إلى التعميم 161.
واعتبر غبريل أن «منع التحويلات إلى الخارج وفق القانون واستثناء ذلك لاستيراد بعض السلع الضرورية، خطوة ليست في محلها أن لم تكن هناك رؤية اقتصادية واضحة كي يُبنى قانون الكابيتال كنترول على أساسها لتحديد الاستثناءات».
وذكّر بأن هدف إقرار قانون الكابيتال كنترول، هو «منع تحويل العملة الصعبة إلى الخارج وتنظيم السحوبات في الداخل والحفاظ على احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية وعلى ما تبقى من سيولة للمصارف التجارية لدى المصارف المراسلة في الخارج»، مؤضحاً أن الحديث عن «ودائع مؤهّلة وأخرى غير مؤهّلة لإخضاعها لقانون الكابيتال كنترول، هو حديث في غير محله لأن هذا الأمر لا ينطبق على مشروع الكابيتال كنترول الذي ليس له علاقة مباشرة بالودائع أو تحديد مصيرها، إذ أن هناك اعتراضا من بعض الاطراف على هذا المشروع لأنه يفصل بين الودائع التي كانت موجودة قبل الأزمة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2019 وودائع بعد الأزمة أو ما يعرف بالدولار الفريش وهناك اعتراض على الدعاوى المقامة على المصارف ومشروع القانون لا يلغي هذه الدعاوى بل يعلقها لأنه لا يمكن إعادة هيكلة المصارف وهناك دعاوى على المصارف في لبنان والخارج».
ورأى أن مشروع الكابيتال كنترول يحفظ حقوق المودعين وهناك مشروع قانون آخر وهو قانون إعادة التوازن المالي هذا المشروع هو الذي يحدد مشكلة الودائع وهو موجود لدى لجنة المال والموازنة فهذا القانون يفصل بين الودائع الموجودة قبل أكتوبر 2019 أي الودائع المؤهلة وبعده أي الودائع غير المؤهلة، وهذه بدعة عجيبة غريبة إذ أن الودائع التي حولت إلى الدولار بعد أكتوبر سيعاد تحويلها إلى الليرة على سعر لم يحدد بعد إذا كان على سعر منصة صيرفة أو أقل، والمشروع يحدد الودائع التي هي بحدود الـ100 ألف دولار ستعود إلى أصحابها نصفها بالدولار والنصف الآخر بالليرة ولكن الآلية غير محددة لجهة الودائع التي هي فوق الـ100 ألف دولار، خصوصاً أن مشروع الحكومة السابقة يقضي بشطب 60 مليار دولار وتحويلها إلى أسهم في المصارف، والآن المشروع الجديد ينص على إنشاء صندوق استعادة الودائع الذي سيتم ضخ الأموال فيه حسب الأداء المالي والفائض الأولي للموازنة الذي سيذهب نصفه إلى الصندوق، وبرأي البعض أن هذا الأمر إذا حصل فالمودع بحاجة إلى 70 سنة لاستعادة وديعته، كما أن المشروع لم يلحظ المعايير لجهة الفائض الأولي للموازنة ونسبة النمو التي يجب أن لا تقل عن 3  في المائة سنوياً وهذا الكلام قاله الرئيس ميقاتي في مجلس النواب».
ويتابع غبريل: «لذلك فإن المعاير غير واضحة والمشروع يذكر أن المودعين يحق لهم الاكتتاب في الصندوق أي أن الودائع ستحول إلى أسهم أو سندات إلى الصندوق، بدلا من تحويلها كأسهم في المصارف، لكن هناك من يعترض ويقول لا يمكن الحديث عن ودائع مؤهلة أو غير مؤهلة لأنه كلام غير قانوني فالودائع ملكية خاصة ولا يمكن لأحد أن يقرر ماذا سيحصل بها، بكل الأحوال قضية الودائع والخسائر هي في صلب خطة الحكومة السابقة وليست مطلبا من صندوق النقد الدولي، والمؤسف أنه حتى الآن لم يقل أي مسؤول أو يعترف بأن هذه الديون هي على الدولة وأنها ستقوم بسدادها أو تطالب بجدولتها على مراحل طويلة ومن دون فوائد، فهذا الكلام يريح المودع ويطمئنه بأن وديعته موجودة لكن هذا لم يحصل. كل ما في الأمر أن كا ما ستقوم به الدولة هو إعادة رسملة مصرف لبنان بمليارين ونصف المليار دولار مع أن الحكومة اعترفت بأن خسائر البنك المركزي 72 مليارا وهذه مسؤولية الدولة ولا يجوز أن يتحملها المودع والقطاع الخاص والمصارف».

سمير حمود

حمود: القانون يزيد من الأزمة
أما الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود فاعتبر أن القانون يعالج القشور ويزيد من الأزمة المصرفية لأن الأموال بحوزة الدولة بنسبة 70 في المائة والباقي بحوزة المصارف وهي تنفقها تدريجيا لتغطية مصاريفها وقبلها تحويلها إلى كبار العملاء والجهات المقربة.
وبرأي حمود: «بإمكان المصارف ومصرف لبنان تسديد المبالغ المحددة في القانون إذا أعطى مصرف لبنان أهمية أقل للتضخم وارتفاع سعر الصرف من خلال سداد المبالغ بالليرة على سعر السوق لكن حتى في هذه الحال لن تكون هناك حياة لقطاع مصرفي. من هنا أقول أن المشكلة مثلثة الوجوه: قطاع مصرفي سليم وفقا للمعايير الدولية. وحقوق مودعين وإعادة الأموال. وسعر صرف وأنظمة دفع موحدة».