فرنسا تدخل على خط قضية انفجار مرفأ بيروت.. فهل تُستأنف التحقيقات؟

ممارسات ترهيبية ضد أهالي الضحايا تشعل الشارع
مرفأ بيروت

بيروت: لا تزال قضية اعتقال الناشط وليم نون شقيق أحد ضحايا انفجار الرابع من أغسطس (آب)، وما نتج عنها من تحركات شعبية أدت إلى إطلاق سراحه يوم السبت الماضي، تشغل حيزا من الاهتمام اللبناني، لا سيما أنها تأتي عشية وصول وفد قضائي فرنسي إلى لبنان، للاستعلام عن تطورات التحقيق في الملف، مع رفض القضاء اللبناني الرد على خطابات المرجعية الفرنسية الموجهة إليه منذ شهور، وطلب فيها معلومات تعزز التحقيقات الفرنسية المستقلّة في ملف انفجار المرفأ، الذي سقط فيه ضحايا من الفرنسيين. علما أن التحقيق في انفجار العصر الذي وقع عام 2020 لا يزال عالقًا منذ ما يقارب العام بسبب تدخل السلطة السياسية بشلّ عمل قاضي التحقيق طارق البيطار ما حال دون استجواب كبار المسؤولين.

تحرك قضائي يشعل الشارع
ورغم إطلاق سراح «نون» بعد اعتصام مفتوح نفذه العشرات من أهالي ضحايا الانفجار، بمشاركة نواب وناشطين أمام مقر المديرية في بيروت، إلا أن الغضب لا يزال مشتعلا وسط مطالب واسعة بإعادة فتح التحقيقات في جريمة المرفأ.
 ومع تلاشي الآمال في محاسبة أي مسؤول لبناني كبير، أدى توقيف واستدعاء العشرات من أهالي الضحايا بشأن اتهامات بارتكاب أعمال شغب في قصر العدل الأسبوع الماضي (احتجاجا على محاولة السلطة تعيين قاض بديل للتحقيق) إلى مفاقمة معاناتهم وسط ذهول وعلامات استفهام كبيرة حول «الاستقواء» على أهالي الضحايا الذين يناضلون من أجل المساءلة، واستهدافهم في الأيام الأخيرة بدلا من ملاحقة ومعاقبة الجناة في أكبر انفجار غير نووي في التاريخ.
ولطالما طبعت ثقافة «الإفلات من العقاب» المشهد العام في بلد يحفل تاريخه باغتيالات وانفجارات وملفات فساد، لم تتم يوماً محاسبة أي من المتورطين فيها، فلماذا يستنفر عدد من القضاة لعقاب «أشخاص» لفظوا عبارات تهديد في لحظة غضب، في حين أنّ قيادات متورطة بملفات فساد وربما جرائم واضحة الأدلة والبراهين، ولا من يتحرّك؟

محتجون خارج المديرية العامة لأمن الدولة في بيروت في 14 يناير احتجاجاً على توقيف وليام نون شقيق أحد ضحايا فوج الإطفاء جراء انفجار مرفأ العاصمة اللبنانية (أ.ف.ب)

الأهالي مستمرون رغم التهويل
وبينما يفترض أن يكون مثول نون ورفاقه أمام القضاء مقصورا على استجوابه، أكد نون، في حديث لـ«المجلة»، أنه لا يوجد خوف من اعتقاله مرة أخرى. وشدد على أن «قضية انفجار المرفأ قصة حياة أو موت لنا، وما نطالب به هو معرفة حقيقة من قتل أحباءنا»، مؤكدا على أن «مشكلتنا مع من كان السبب في تفجير المرفأ، ولن نسكت ولن نستسلم، حتى تحقيق العدالة».
إلى ذلك، رأى نون أن الهدف من هذا الإجراء واضح وكل ما يجري ما هو إلا محاولة ضغط لتخويف الأهالي واستنزافهم وإرهاقهم، إلا أن ما جرى أكّد العكس، لأن أهالي الضحايا والجرحى عبّروا عن وحدة صف بتضامنهم».
وتابع: «كان المقصود استهدافي شخصيا لأني أكثر شخص من بين الأهالي عفوية، وأقول (الكلمة اللي براسي)، وإذا كان صوتي يزعجهم فهذا يعني أنه يصل»، مشددا على أنه حتى لو وقّع على تعهد، إلا أن ذلك محصور في عدم التعرض لشخص القضاة، ولكن هذا لا يعني التوقف عن المطالبة بسير التحقيقات، علما أن الجميع يعلم أن لا وجود لمتفجرات في منزلي، فصوتنا صوت الحق ونحن تحت سقف القانون ونطالب بعدالة 4 أغسطس».
وعن وصول الوفد القضائي الفرنسي، قال نون إن «مطلبنا الأساسي كان تدويل الملف، وبالتالي نأمل من هذا الوفد أن يساعدنا في توصيل قضيتنا إلى مجلس الأمن الدولي نظرا لحجم العرقلة والتعطيل لمسار القضية منذ أكثر من عام».
وكان قد احتُجز نون، وهو شخصية ناشطة في حملة المساءلة، بعد استدعائه للاستجواب بشأن تعليقات أدلى بها أمام قصر العدل، وأظهرت لقطات له وهو يقول إن المتظاهرين «محضرين شباب وشغب وديناميت وحجارة» للرد إذا عُين قاض بدلا من البيطار.

القضاء الفرنسي يتدخل
وفيما أصبح واضحاً انعدام الثقة في القضاء اللبناني، فقد فرض القضاء الدولي «تدخله» على القضاء اللبناني للتحقيق في أكبر ملفات الفساد المتعلقة بمصرف لبنان المركزي والأمن المتعلق بقضية انفجار بيروت. وكان اللافت الاهتمام الفرنسي بقضية المرفأ، إذ أرسل وفدا لمتابعة التحقيقات. فهل سنشهد تطورات لافتة خلال الأيام المقبلة؟
وقد حضر ملف الانفجار في مرفأ بيروت في اليوم الثاني من تحقيقات الوفد القضائي الأوروبي في بيروت إذ التقى قاضيان فرنسيان في قصر العدل النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات والمحامي العام التمييزي القاضي صبوح سليمان، وداعي الحضور الفرنسي للإفادة عن مآل استنابة قضائية فرنسية إلى قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار في هذا الملف تتضمن طلب مساعدة لم يتمكن من الإجابة عنها بسبب كفّ يده مؤقتا عن التحقيق في انتظار بتّ طلبات لرده ودعاوى مخاصمة بوجهه لا تزال عالقة أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز المتعذر عليها عقد جلساتها للأسباب المعروفة.
لقد استفسر القاضيان الفرنسيان عن سبب توقف القاضي البيطار عن العمل. وفُهم أن الاستنابة الفرنسية تتمحور حول أسئلة تقنية لا يمكن أن يجيب عنها إلا المحقق العدلي المعتصم عن الكلام كون ملف المرفأ يخرج عن يده قانونا ما دام الفصل في المراجعات القضائية في شأنه لم يحصل بعد. وأفهمهما القاضي عويدات أنه متنح عن النظر في ملف المرفأ لدواع قانونية، وتاليا، بخلاف الأمور الشكلية المعروفة من العامة في شأن أسباب توقف التحقيق بهذه القضية، فإنه غير مخوّل التعاطي به قانونا، كون ذلك من صلاحية المحقق العدلي حصرا في الحالات التي تخلو من مراجعات كتلك العالقة بحقه.
أما ما رشح عن زيارة الوفد القضائي الفرنسي للبيطار، (الأربعاء)، والتي استغرقت أكثر من أربع ساعات، أن الوفد استفسر عن مدى تقدم التحقيقات اللبنانية في الملف والعقبات التي تعترضه وأبرزها دعاوى الرد التي جمدت التحقيق. وبحسب المعلومات فإن الوفد لم يطلع على مضمون التحقيقات وإنما على مسار التحقيق. وقد أبدى البيطار استعداده بتزويد الوفد بما يسمح به القانون وضمن التعاون القضائي الفرنسي من مستندات، وإنما بعد عودته إلى التحقيق.

المحامي المتخصص في القانون الدولي والدستوري الدكتور أنطوان سعد

لبنان ملزم على التعاون مع القضاء الفرنسي
في السياق، أشار المحامي المتخصص في القانون الدولي والدستوري الدكتور أنطوان سعد، في حديث لـ«المجلة»، إلى أن لبنان ملزم بالتعاون مع الوفد القضائي الفرنسي بموجب الاتفاقية الدولية المتعلقة بمكافحة الفساد عام 2008 والتي دخلت حيز التنفيذ في لبنان عام 2009، فبالتالي أصبح لبنان مرتبطا بالتعاون مع الأسرة الدولية».
وأشار إلى أنه «في حال امتناع القضاء اللبناني عن التعاون مع الوفد الفرنسي، يستطيع هؤلاء القضاة بعد الاطلاع على التحقيق وأخذ الأدلة الكافية لتدعيم ملفاتهم، إصدار قراراتهم في فرنسا ضد الأشخاص المتورطين».
أما عن كيفية الملاحقة، فقد أشار إلى أنه «شأن فرنسي والآلية موجودة إن كان عبر الإنتربول أو تعميم مذكرات توقيف دولية وما شابه».
وشدد سعد على أنه «في لبنان تمت عرقلة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وعرقلة أي قضية تضرهم كقضية الوزير ميشال سماحة (أدين بالتخطيط لتنفيذ عمليات «إرهابية») التي رفضوا إحالتها إلى المجلس العدلي، وعرقلوا التحقيقات بتفجير المرفأ، وذلك لأن المجتمع اللبناني يجب أن يكون «دليفري أمنيا» جاهزا ينفذ فيه حزب الله مهمته الأمنية بالداخل والخارج وبالتالي يجب أن يكون لديه مظلة قضائية تحفظ الدور الأمني والميليشياوي والإرهابي الذي يقوم به».
وعن التعرض لأهالي الضحايا، فقد قال سعد إن «الطبقة السياسية عمدت منذ البداية إلى الضغط على الأهالي وقاضي التحقيق وعطلوا التحقيق مع تعليق عمل القاضي بيطار، ومن ثم اقترحوا بديلا له لتعيين رديف تابع لهم، ومن بعدها شرذموا أهالي الضحايا وقسموهم إلى فريقين أو أكثر، ليبقى الفريق الأخير المتراص بنفس اللغة والخطوات، فكان لا بد من تهذيبه بما ينسجم مع نمط ومصالح وأهداف المنظومة الحاكمة والاحتلال الإيراني، فكان ما قام به القاضي حمادة بالأمس القريب».
وتساءل: «أين كان القاضي حمادة عندما كان نصر الله يهدد بالقتل، وأين كان عندما هدد وفيق صفا البيطار وجميع القضاة؟».
ورأى أن «ما جرى إضافة إلى خطأ عناصر الجيش بالاعتداء على الخوري آنذاك، أدى إلى شد العصب وطنيا وطائفيا مما أجّج غضبا ضد القاضي حمادة ومن دفعه للتحرك، وفي حال تكرر مثل هذا الخطأ فإن لبنان سيعود إلى الشارع مجددا بوجههم، وبالتالي لن يكرر الاعتداء على أهالي الضحايا».

عضو اللقاء الديمقراطي النائب بلال عبد الله

صرخة محقة ولكن..
من جهته، قال عضو اللقاء الديمقراطي النائب بلال عبد الله، في تصريح لـ«المجلة» إن «موقفنا منذ بداية المشكلة هو تحقيق العدالة وترك القضاء للقيام بمهامه، حتى إن الحزب الاشتراكي طالب بلجنة دولية في ملف تفجير المرفأ لأن القضاء اللبناني سيكون عرضة للضغوطات مثله مثل بعض الأجهزة الأمنية للأسف، وما مر به هذا الملف من مراحل وتعطيل يثبت ذلك".
وأكد عبد الله أن «صرخة أهالي الشهداء يجب أن يفهمها الجميع، ولكن حكما لا أحد يرضى بأن يكون هناك اعتداء على المؤسسات الرسمية مثل ما جرى، ولكن هذا لا يستدعي الاستنفار بالتوقيفات والإجراءات»، مشددا: «نحن نتفهم صرخة الأهالي وسخطهم بسبب تأخر تحقيق العدالة ووقف التحقيق في هذا الملف».
ودعا إلى «تحرير هذا الملف من المناكفات السياسية والسماح للقضاء الأعلى بأن يمارس صلاحياته الكاملة وأن يستمر التحقيق لإصدار القرار الظني وهو ما يريح الأجواء»، لافتا إلى أن «ثمة ملفا آخر غير ملف أهالي الشهداء وهو ملف الموقوفين في القضية، فإذا ثبت تورط أحدهم تجب مقاضاته، وإذا ثبتت براءة أحدهم يجب الإفراج عنه، لأن مدة التوقيف طالت وبالتالي يجب البت في هذا الملف».
ما يجري اليوم يردنا سنوات إلى الخلف، حيث شهد لبنان أكثر من 25 تفجيراً، قتل على أثرها مئات الأشخاص من شخصيات سياسية واجتماعية وصحافية، والأفراد العاديين لا ذنب لهم سوى وجودهم في مكان التفجير، ولم تتوصل التحقيقات إلى كشف أي جريمة منها.