تركيا.. جدل حول تقديم موعد الانتخابات بين الحزب الحاكم والمعارضة

القامشلي: بات السؤال حول معرفة موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي من المقرر أن تشهدها تركيا في 18 يونيو (حزيران) المقبل، هو الأبرز في الأوساط السياسية التركية مع تجديد نائبٍ للرئيس التركي رجب طيب إردوغان في حزب العدالة والتنمية الذي يرأّسه، إمكانية وضع موعد جديد للانتخابات لأسبابٍ وصفها الرئيس التركي مطلع العام الجاري بأنها «موسمية»، فهل هذا ممكن؟ ولماذا يرغب الحزب الحاكم في إجراء الانتخابات قبل موعدها المقرر مسبقاً؟

يدخل قانون الانتخابات الجديد حيّز التنفيذ في مطلع أبريل المقبل وتحديداً في السادس من هذا الشهر، أي أن أي انتخابات تجرى بعد هذا التوقيت ستتم وفقاً لهذا القانون الذي يمنح الحزب الحاكم وحليفه اليميني حزب الحركة القومية الكثير من الامتيازات، وفق ما يكشف أوزار سانجر مالك ومدير مركز ميتروبول للأبحاث الذي يعد أحد أهم مؤسسات استطلاعات الرأي في تركيا.

وقال سانجر لـ«المجلة» أن «قانون الانتخابات الجديد الذي أقرّه البرلمان العام الماضي، يقع في صالح التحالف الحاكم والقانون القديم يقع في صالح الأحزاب المعارضة، لذلك تريد الحكومة أن تجري الانتخابات وفق القانون الجديد، وهو ما ترفضه المعارضة بشدّة».

وأكّد مصدرٌ من حزب الشعب الجمهوري لـ«المجلة» والذي يعد حزب المعارضة الرئيسي في تركيا ويقوده كمال كيليتشدار أوغلو الذي قد يكون مرشحاً للحزب في الانتخابات المقبلة بعد إقصاء رئيس بلدية إسطنبول منها على خلفية صدور حكمٍ بإدانته الشهر الماضي: «إن حزبنا و5 أحزابٍ أخرى معارضة تشكل معاً (الطاولة السداسية)، لا نعارض إجراء الانتخابات المبكرة، لكن يهمنا أن تكون قبل أبريل كي تتمّ وفق قانون الانتخابات القديم الذي يمنحنا هامشاً أكبر للتحالفات الانتخابية».

 

عقبات أمام الأحزاب الصغيرة حديثة النشأة

قانون الانتخابات القديم كان يمنح هامشاً أكبر للمعارضة في مسألتي التحالفات الانتخابية وكيفية عدّ أصوات الناخبين، لكن القانون الجديد ألغى كلّ هذا ومنع الأحزاب الجديدة والصغيرة من التحالف مع الأحزاب الكبيرة، ففي الماضي كان يمكن لعشرين نائباً من حزبٍ كبير وقديم الانضمام لحزبٍ صغير حديث النشأة دون أن يكون قد عقد مؤتمره السنوي قبل موعد الانتخابات بستة أشهر وكذلك دون أن يكون لديه مقرّات في نصف ولايات البلاد، إلا أن هذا الأمر لم يعد ممكناً بموجب القانون الجديد.

وبحسب مدير ومالك مركز ميتروبول، فإن «مسألة منع نقل النواب من حزبٍ كبير إلى آخرٍ صغير، من المحتمل أن تمنع حزبين أسسهما منشقّان اثنان عن الحزب الحاكم من المشاركة في الانتخابات المقبلة»، وهما حزب المستقبل الذي يقوده أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء الأسبق، وحزب الديمقراطية والبناء الذي يقوده علي باباجان الذي كان نائباً لأوغلو آنذاك ووزيراً في السابق.

وقال سانجر أيضاً أن «كل هذه التغييرات التي طرأت على قانون الانتخابات هي التي أحدثت الجدل الحالي بين التحالف الحاكم ومعارضته حول موعد الانتخابات، فالطرف الأول يريد أن يستفيد منها من خلال إجراء الانتخابات بعد 6 أبريل، في حين أن الطرف الثاني يريد عقدها قبل ذلك التاريخ».

 

«أسباب موسمية» لتغيير موعد الانتخابات

كما كشف سانجر عن «الأسباب الموسمية» التي استند إليها الرئيس التركي ونائبه في الحزب إركان كانديمير حول تغيير موعد الانتخابات ورفضهما لعقدها قبل شهر أبريل المقبل.

وأضاف في هذا الصدد أن «الحكومة تزعم أن إجراء الانتخابات قبل السادس من أبريل أمرٌ غير ممكن نتيجة سوء أحوال الطقس كالعواصف وهطول الأمطار والثلوج، الأمر الذي قد يمنع الناخبين من الوصول إلى كلّ صناديق الاقتراع في بعض المناطق».

وإضافة لسوء الأحوال الجوية المحتمل في تلك الفترة، كشف محمد أوتشوم رئيس «مجلس السياسات القانونية» في الرئاسة التركية، وكبير مستشاري إردوغان، قبل أقل من أسبوعين في مقابلة تلفزيونية، أن تزامن الموعد المحدد مسبقاً للانتخابات في 18 يونيو (حزيران) المقبل مع العطلة الصيفية التي ينتقل مع قدومها الكثير من المواطنين من المدن الكبرى إلى مناطقهم التي ينحدرون منها «يعد سبباً منطقياً لعقد الانتخابات قبل ذلك الموعد».

ويمنع قانون الانتخابات الجديد، الناخبين من التصويت أن كانوا قد قاموا بتغيير عناوين سكنهم قبل موعد الانتخابات بأقل من ثلاثة أشهر، وهو سببٌ آخر من «الأسباب الموسمية» التي وجد فيها مستشار إردوغان مبرراً لتقديم موعد الانتخابات، فانتقال الناخبين من المدن الكبرى إلى قراهم وبلداتهم خلال العطلة الصيفية سيتمّ قبل موعد الانتخابات بعدّة أسابيع، مما سيمنعهم من التصويت فيها لاحقاً.

 

ورأى مدير مركز ميتروبول أنه «على خلفية الأسباب الموسمية لدى التحالف الحاكم ورفضه إجراء الانتخابات وفق قانونها القديم، من المحتمل أن تعقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الفترة الممتدة بين النصف الثاني من أبريل (نيسان) ومطلع مايو (أيار)».

 

3 عوامل ستحدد الفائز في الانتخابات المقبلة  

كذلك أشار إلى «وجود ثلاثة عوامل ستحدد المرشح الفائز في الانتخابات المقبلة وهي مدى قوة مرشح المعارضة؟ وهل ستجد الأخيرة الوقت الكافي لحملتها الانتخابية؟ وهل ستكون قادرة على حماية صناديق الاقتراع من أي حالات للتزوير؟».

وتابع أنه «من الصعب التنبؤ بالفائز في الانتخابات في الوقت الراهن، لكن التطوّرات الحالية حتى الآن تقع لصالح التحالف الحاكم الذي تظهر آخر استطلاعات الرأي لدينا أن قوته التصويتية أعلى من المعارضة وأن شعبية إردوغان تتقدم عليها».

 

جدل حول ترشيح إردوغان

لكن لدى الأكاديمية والباحثة السياسية التركية بانغي بشير قراءة مختلفة، فهي لا تولي اهتماماً للأسباب الموسمية التي تحدّث عنها الحزب الحاكم حول إجراء انتخاباتٍ مبكّرة، فالنقاش اليوم وفق رأيها حول موعد الانتخابات يهدف لإيجاد ثغرة قانونية تسمح بمشاركة إردوغان كمرشح للرئاسة للمرة الثالثة لا سيما وأن الدستور التركي يمنع الفائز لدورتين متتاليتين بالرئاسة من المشاركة للمرة الثالثة في الانتخابات.

وقالت بشير لـ«المجلة»: «إذا أُجريت الانتخابات في موعدها، فهي لا تسمح للرئيس الحالي بالمشاركة فيها»، لكنه رغم ذلك يستطيع أن يكون مرشحاً أن كانت الانتخابات مبكّرة قبل موعدها المحدد مسبقاً، وفي هذه الحالة يجب أن يصوّت البرلمان بأغلبية 360 نائباً لتحديد موعدٍ جديد للانتخابات يسبق الموعد المحدد في السابق.

ولدى التحالف الحاكم 337 نائباً، ما يعني أنه يحتاج لدعمٍ من حزبٍ معارض كي يتمكن من إجراء انتخابات مبكّرة بقرارٍ من البرلمان، إلا أنه فشل في كسب دعم حزب الشعوب الديمقراطي الذي رفض طلباً من حزب العدالة والتنمية بلقاء قادته.

 

ومع رفض الحزب المؤيد للأكراد لقاء مسؤولين من الحزب الحاكم، يمكن للأخير أن يجري انتخاباتٍ مبكرة بطلبٍ من الرئيس التركي لا سيما وأن الحزب الذي ينتمي إليه لا يقرّ بدورته الرئاسية الأولى حين كان حكم البلاد برلمانياً، إذ يشدد على أن «إردوغان كان رئيساً لدورةٍ واحدة بعد التعديلات التي غيّرت نظام الحكم في البلاد من برلمانيّ إلى آخر رئاسي»، وبالتالي يمكنه الترشح مجدداً في الانتخابات المقبلة.

 

يوم رمزي للانتخابات

ووفق الباحثة التركية يمكن أن تعقد الانتخابات في 14 مايو المقبل كتحدٍّ من قبل التحالف الحاكم لحزب المعارضة الرئيسي باعتبار أن هذا اليوم يعد «رمزياً» في تركيا من جهة إطاحة حزب الديمقراطي بحزب الشعب الجمهوري في انتخابات عام 1950، حيث لم يتمكن الأخير منذ ذلك الحين من الوصول لحكم البلاد أو تشكيل حكومة بمفرده.

وكان التحالف الحاكم حالياً في تركيا يرفض دعوات المعارضة لإجراء انتخاباتٍ مبكرة طيلة السنوات الماضية خاصة وأنها كانت تتزامن مع أزمة اقتصادية تواجهها البلاد منذ سنوات، ومع توتر علاقات الحكومة بحلفائها الغربيين، وهو ما كان يساهم في رفع شعبية المعارضة بين الناخبين مقابل تراجع شعبيته آنذاك.

 

الانتخابات المبكّرة قابلة للتطبيق

لكن اليوم يقترح التحالف الحاكم «بشكل جدّي» وفق ما يصف سانجر وبشير على حدٍّ سواء، اللجوء لإجراء انتخاباتٍ مبكرة لا سيما وأن هذا المقترح جاء بعد أيامٍ من رفع الرئيس التركي للحدّ الأدنى من الأجور نهاية الشهر الماضي، «وهو أمر قد لا يستفيد الحزب الحاكم من خلاله المحافظة على رصيده الشعبي أن أُجريت الانتخابات بعد ذلك في موعدها المحدد باعتبار أن التضخم سيستمر في البلاد في الفترة المقبلة».

وعلاوة على رفع الحدّ الأدنى للأجور، وجد الأكاديميان التركيان أن إقصاء رئيس بلدية إسطنبول الذي ينتمي لحزب المعارضة الرئيسي والذي كان واحداً من بين أبرز المنافسين لإردوغان في الانتخابات المقبلة، من المشاركة فيها بعد صدور حكمٍ بحقه منتصف الشهر الماضي ومنعه من ممارسة أي نشاطٍ سياسي لمدّة 5 سنوات في حال أيّدت محكمة الاستئناف أيضاً الحكم نفسه، يشير إلى أن التحالف الحاكم قد

 

يجري الانتخابات قبل موعدها المحدد بنحو شهر أو شهرين على الأقل، ذلك أن محكمة الاستئناف ستتطلب المزيد من الوقت للبت بشأن الطعن الذي تقدّم به محامو إمام أوغلو في الحكم الصادر بحقه مؤخراً.

وبحسب سانجر وبشير، يبدو اللجوء لإجراء انتخاباتٍ مبكّرة «أمراً قابلاً للتطبيق» من ناحية تزامنه أيضاً مع حرمان الحزب المؤيد للأكراد من الميزانية المالية المخصصة له للعام الجاري والتي تبلغ أكثر من 28 مليون دولارٍ أميركي كان الحزب سيستخدم حوالي 80 في المائة منها لأغراضٍ انتخابية وهو ما قد يعني الحدّ من دور هذا الحزب الذي لعب دوراً حاسماً في اختيار رئيس بلدية إسطنبول عند آخر انتخابات محلّية شهدتها البلاد في العام 2019 عندما دعم ناخبوه إمام أوغلو، «الأمر الذي يحاول إردوغان منع تكراره في الانتخابات المقبلة»، وفق الأكاديميين التركيين.