التفاهم بين حزب الله والوطني الحر على المحك!

التباينات تُعمق الهوة بين حليفين «نكثوا بالعهود»
اسعد بشارة
جورج علم

بيروت: تضعضعت أسس تفاهم «مار مخايل» بين حزب الله والتيار الوطني الحر الذي جمع الطرفين منذ عام 2006 على السراء والضراء، فتكشفت إلى العلن خفايا التباينات التي كانت مستورة بغطاء المصالح المشتركة بين الحليفين، فجرتها مشاركة وزراء الحزب في جلسة حكومة تصريف الأعمال الأولى لإقرار البنود الملحة بحجة أن الأولوية لمصلحة الناس كون بيئته هي الأكثر تضرراً في موضوع الكهرباء، فيما التيار قاد حملة منظمة ضد انعقادها، بذريعة أنها ليست دستورية في ظل الشغور الرئاسي على قاعدة أن الأولوية يجب أن تكون لانتخاب رئيس للجمهورية، وسط تأجج الصراع على الفوز بكرسي الرئاسة، فرئيس التيار النائب جبران باسيل «عينه على المنصب»، بينما دفة الحزب غير محسومة، لكنها تميل لصالح رئيس تيار المردة سليمان فرنجية.

رد لاذع من باسيل تجاه الحزب حينها ترجمه بعبارة «مشكلتنا مع الصادقين الذي نكثوا بالاتفاق وبالوعد والضمانة»، ليأتيه الجواب على لسان إعلام الحزب بأن «الصادقين لم ينكُثوا بوعد، وقد يكون التبسَ الأمر على باسيل فأخطأ عندما اتهم الصادقين بما لم يرتكبوه».

لم تخلُ العلاقة بمراحلها المختلفة من التعاطي بكيدية سياسية، على غرار ما هو حاصل في الملف الرئاسي، الذي انسحب بدوره على الملف الحكومي، إلا أن الوقائع المستجدة أوصلت الأمور إلى نقطة يصعب معها تصحيح الخلل بين الحليفين، فالتصريحات التي تصدر عن المسؤولين من الجهتين وكمية الشتائم والاتهامات، تُظهر عمق الهوة بينهما، مما يجعل الطلاق السياسي حتميا بينهما، فباسيل حمل الوزراء الذين يشاركون في حضور الجلسات مسؤولية المشاركة في ضرب الميثاق ومخالفة الدستور، وعبر مراراً وتكراراً عن الغدر والخيانة، ولمح قبيل جلسة مجلس الوزراء الثانية للحكومة بهيئة تصريف الأعمال، أن ما يجري سيذهب أبعد من ضرب التوازنات والتفاهمات، فيما الرد جاء على لسان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بقوله: «نحن ذاهبون لا إلى خصومة ولا إلى معركة ولا إلى تغييب أحد»، وأتبعه بموقف مفاده: «لن يفرض قناعاته على الحليف وأنه يقوم بما يراه صائباً في ملف الحكومة»، فترك «الحرية للآخرين بالتمسك بالعلاقة الثنائية»، متهرباً من مطلب إعادة نسج اتفاق جديد بديل عن الحالي لخشيته من محاولات باسيل، الساعي إلى تعويم نفسه خارجياً في معركته الرئاسية، بالولوج إلى موضوع السلاح غير الشرعي والاستراتيجية الدفاعية باعتبار أن هذا الأمر هو في صدارة لائحة المحظورات غير القابلة للنقاش والمساومة عند الحزب.

الافتراق يُعري حزب الله

استحوذ الكباش بين الحزب والتيار على مساحة اهتمام محلية وترقب لما سيؤول إليه مسار الأمور، وتتوالى التكهنات كما التسريبات، عن مستقبل الوثيقة المشتركة في ظل التصدع الذي يعصف بها، مما دفع بالرئيس السابق ميشال عون، في محاولة منه لجعل الأمر متروكا لما ستؤول إليه المستجدات، إلى التصريح بأن «التفاهم منوط بقيادة الحزبين، وهو ليس إطاراً جامداً، ويوم يشعر أحد الطرفين بالحاجة إلى إعادة النظر ببعض بنوده فلا شك أنه سيفعل».

وسط الغموض المنتهج، جزم الكاتب والمحلل السياسي جورج علم عبر «المجلة» بأن «الصراع بين التيار والحزب يتجه إلى مزيد من الطلاق، فلم يعد لكل من الطرفين مصلحة في استمراره لأن الصراع القائم هو حول من ستكون له غلبة الكلمة، للتيار أم الحزب، وبالتالي هناك انطباع، خصوصاً لدى غالبية اللبنانيين بأن التيار تابع للحزب، لهذا لم يعد الخيار أو القرار للتيار بعد خروج ميشال عون من بعبدا، وبالتالي عليه أن يبني استراتيجية تابعة له خارج الحزب».

وحول نقاط الخلاف، أشار علم إلى أنها «كثيرة، ومن ضمنها ما يتعلق بمرشح الحزب سليمان فرنجية، وهو ما يرفضه حتى الآن باسيل إلا إذا نال حصة الأسد من العهد في حال وصول فرنجية، وسيكون هناك اتفاق مكتوب بين الطرفين وهذا مستبعد، فباسيل يسعى حالياً إلى رفع العقوبات الأميركية عنه، ورفعها لا يمكن أن يتم في ظل استمرار هذا التحالف»، معتبراً أن «الخلاف حول انعقاد جلسات مجلس الوزراء هو لتصغير حجم هذا الخلاف، كونه ليس النقطة الأساسية، وإن كان باسيل يركز عليها على أساس أن انعقاد هذه الجلسات يقوم على حساب صلاحيات رئيس الجمهورية».

وأكد علم أن «ما يباعد بين الحزب والتيار أكثر مما يقربهما، والمتغيرات الإقليمية كلها لا تصب في مصلحة الحزب، وبالتالي هذا الأمر يستشعره باسيل جيداً، لذلك فلا عودة مرتقبة بينهما بل افتراق، وإذا كان هناك من عودة، فلا بد من (مار مخايل) جديد أو اتفاق جديد بين الطرفين، وحتى الآن ليس هناك ما يمكن البناء عليه على هذا الصعيد»، مشيراً إلى أن «خسارة حزب الله كبيرة جداً، والمقربون منه يجزمون بأنه لم يعد بحاجة إلى غطاء مسيحي، وهذا ليس صحيحاً لأن الحزب يصبح عرياناً أكثر إذا لم يكن هناك غطاء مسيحي له بالمستوى الذي كان يمثله ميشال عون، وبالتالي في حال خروج باسيل فعلاً من هذا التفاهم، فإن الحزب سيتحول إلى كتلة شيعية في البلد كما بقية الكتل الشيعية الأخرى، إلا أنه لن يكون مقبولاً كما الرئيس نبيه بري لدى الأطراف السياسية في لبنان على الرغم من تباينها معه، وبالتالي فإن الحزب سيكون مرفوضاً من كل الكتل، وسيبقى بلا حليف على الساحة المسيحية، وهو من دون حليف على الساحة السنية، وبالكاد يغطيه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط درزياً، وكل ذلك سيجعله عرياناً ولا يخدم مصالحه، وخصوصاً بموضوع التفاهم حول رئيس للجمهورية الذي سيصبح أكثر صعوبة في حال الطلاق بين التيار والحزب».

باسيل ينتظر جائزة ترضية!

أشارت المعلومات المتداولة إلى أن زيارة وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبداللهيان إلى لبنان ولقائه نصرالله، أخر فض الاتفاق حتى تمرير مرحلة الانتخابات الرئاسية في لبنان، وذلك بتوجيه إيراني قائم على ضرورة توحيد الموقف السياسي لحلفاء إيران في المنطقة وتحديداً في العراق ولبنان، خصوصاً في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها إيران.

وعلى الرغم من مروره ببعض العثرات استمر هذا التفاهم لسنوات، وفق ما أكده المحلل والكاتب السياسي أسعد بشارة لـ«المجلة»، لأنه «قائم على معادلة أن يعطي التيار العوني لحزب الله الغطاء لسلاحه ومشروعه، على أن يعطي الحزب دعماً لتأكيد نفوذه في الدولة والإدارة والحصص داخل الدولة»، لافتاً إلى أن «المشكلة الأخيرة من الممكن أن تكون قابلة للاحتواء لأن كليهما لديه مصالح لن يتنازل عنها، إلا إذا خرجت الأمور عن السيطرة التي تحول دون ذلك».

وأوضح أن «الرئيس السابق ميشال عون يريد من حزب الله أن يعتمد التيار العوني كحليف رئيسي وأن يُجير له كل المكاسب، وفي طليعتها موضوع رئاسة الجمهورية، وتحديداً لصهره جبران باسيل، ويريد كامل الحصة المسيحية له ولا يريد أن يعترف بوجود أطراف مسيحية أخرى كسليمان فرنجية موجودين في معادلة العلاقة مع حزب الله الذي يريد من جهة الاحتفاظ بعلاقته بعون، ومن جهة أخرى يسعى للاحتفاظ بعلاقته مع باقي حلفائه كحركة أمل وفرنجية وغيرهما».

ورأى بشارة أن «عون يبتز حزب الله بهذه النقطة، ولكن الحزب غير قابل للابتزاز لأنه قدم لعون الكثير، كما أن عون قدم له الكثير، وبالتالي من الممكن أن تعود العلاقة تدريجياً إلى وضعها الطبيعي السابق على الرغم من كل هذا الشد والجذب حول موضوع انعقاد الحكومة أو عدم انعقادها وموضوع رئاسة الجمهورية».

واعتبر أن «حزب الله لديه الكثير من جوائز الترضية ليقدمها إلى باسيل الذي يرفع السقف بانتظار لعبة الوقت التي ستقول كلمتها الفصل في تلك المعضلة في النهاية»، وقال بشارة: «حزب الله هو رئيس موزاييك المنظومة المكونة من مجموعة أمراء الطوائف المشمولة برعاية حزب الله الذي يحافظ عليها وهو من منع سقوطها في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، والجزء الأساسي من هذا الموزاييك هو حالة عون وما يمثله، وبالتالي هذا الموزاييك هو الذي يعطي الشرعية لحزب الله، على عكس ما ينكره أمين عام الحزب حسن نصرالله الذي يقول إنه لا يحتاج شرعية لسلاحه من

أحد، بل أن لا يطعنه أحد، وهذا غير صحيح لأنه فعلياً يكتسب هذه الشرعية من بقاء تلك المنظومة في السلطة».

توحي كل المؤشرات بأن آخر المسامير يتم دقها في نعش تفاهم «مار مخايل»، وما رعاية الحزب لجلسة مجلس الوزراء الثانية في عهد الشغور ومشاركة وزرائه فيها، بخلاف موقف وزراء التيار الوطني الحر، إلا ترجمة لذلك، فهل إعلان وفاة الاتفاق قريب، أم إن النعي سيتم تأجيله، ليستمر التقاذف وشد الحبال بين الطرفين إلى حين ضوء أخضر بفك الترابط الذي دام لسنوات؟