الصين وأفريقيا... نحو صداقة شاملة ومصير ومشترك

قراءة في نتائج قمة منتدى التعاون «الصيني - الأفريقي»

* شكلت قمة منتدى التعاون «الصيني - الأفريقي» التي عُقدت في «بكين» خلال يومي 3 - 4 سبتمبر 2018، نقطة تحول في مسيرة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين.

* يُعد المنتدى الأفريقي الصيني من أبرز وأهم الفعاليات الدولية ذات التأثير الكبير بالنسبة للتنمية في القارة الأفريقية.

* وصل حجم الاستثمار الصيني في أفريقيا حتى نهاية عام 2016 إلى أكثر من 100 مليار دولار أميركي بزيادة 100 مرة خلال نحو عشر سنوات.

* مبادئ التعاون الصيني – الأفريقي: المساواة والبرغماتية والإخلاص والثقة المتبادلة. علاوة على ستة قطاعات رئيسية هي؛ الصناعة والتمويل وتقليص الفقر وحماية البيئة والتبادلات الثقافية والسلام والأمن.

* أسفر المنتدى عن نتائج تؤكد أن العلاقات الصينية الأفريقية تتجه نحو مزيد من التعمق والتقارب على حساب المنافسين الدوليين وخاصة الولايات المتحدة الأميركية.

* ثمة طرف يملك مقومات ومفاتيح التقدم والنهضة والآخر يملك الموارد والإمكانات غير المستغلة وغير قادر على استغلالها بصورة متعاظمة.

 

بكين: شكلت قمة منتدى التعاون «الصيني - الأفريقي» التي عُقدت في العاصمة الصينية «بكين» خلال يومي 3 - 4 سبتمبر (أيلول) 2018، بمشاركة زعماء الصين والدول الأفريقية، نقطة تحول في مسيرة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين، إذ مثّلت مرتكزا رئيسيا لتأسيس مرحلة شراكة متكاملة بين الجانبين تستهدف الاستفادة المتبادلة من الفرص الاستثمارية والتجارية المتاحة بينهما، كما تمثل في الوقت ذاته حلقة مهمة في سلسلة تعزيز التعاون الصيني الأفريقي في مختلف المجالات، سياسيا واقتصاديا واجتماعيًا وأمنيًا.

وفي إطار انعقاد هذه القمة، تثار كثير التساؤلات بشأن مدى أهمية انعقادها؟ وما هي مخرجاتها وانعكاسات تلك المخرجات على مصالح كل جانب من ناحية، وعلى مصالحهم المشتركة وأهدافهم من ناحية أخرى؟ وماذا تحقق في القمم السابقة؟ وما هو مستقبل علاقة الجانبين؟

وفي خضم الإجابة على هذه التساؤلات، يجدر بنا في البداية الإشارة إلى أهمية انعقاد هذا المنتدى، تلك الأهمية التي يكتسبها من جانبين، هما:

  1. يُعد هذا المنتدى من أبرز وأهم الفعاليات الدولية ذات التأثير الكبير بالنسبة للتنمية في القارة الأفريقية، في ظل السعي المشترك من الجانبين لدعم وتقوية علاقات التعاون بينهما وصولا للشراكة الاستراتيجية الشاملة والتعاون المشترك في المجالات كافة، خاصة أن النجاح المتحقق على مدار الأعوام الماضية منذ تأسيس هذا المنتدى في أوائل الألفية الثالثة، لا يعود فقط إلى ما تقدمه الصين من مساعدات اقتصادية للدول الأفريقية، وما تنفذه من مشروعات البنية الأساسية لدول القارة، وإن كان هذا أمرا مهما. إلا أن هذا النجاح يعود أيضًا إلى توجهات السياسة الخارجية الصينية تجاه أفريقيا، تلك التوجهات القائمة على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم السعي لفرض أي شروط سياسية في مقابل المساعدات، وحرصها الدائم على أن تكون المنافع والمصالح متبادلة للطرفين.
  2. دور المنتدى في تعزيز العلاقات بين الجانبين وخاصة في المجالات الاقتصادية والتنموية، وهو ما تجلى في كثير من المؤشرات، منها:
  3. زيادة حجم التبادل التجاري بين الجانبين، إذ كشفت البيانات الواردة من المصلحة العامة للجمارك الصينية أن قيمة التجارة بين الصين وأفريقيا خلال الستة أشهر الأولى من عام 2018 بلغت 99.84 مليار دولار أميركي بزيادة 17.3 في المائة، مشيرة إلى أن هذه الزيادة تتجاوز معدل نمو التجارة الخارجية للصين بواقع 1.4 نقطة مئوية، حيث بلغت قيمة صادرات الصين إلى أفريقيا 50.37 مليار دولار أميركي بزيادة قدرها 1.8 في المائة، فيما بلغت قيمة وارداتها من أفريقيا 48.47 مليار دولار أميركي بزيادة 28.6 في المائة على أساس سنوي، وانخفض الفائض التجاري بين الجانبين 78.6 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 1.9 مليار دولار أميركي.
  4. إسقاط الصين جزءا كبيرا من الديون الأفريقية المستحقة لها، وهو ما يعني فتح آفاق أكثر رحابة أمام هذه البلدان لتنمية مواردها وتحسين مستويات معيشة مواطنيها، إذ إن الإعفاء من الديون يلعب دورا إيجابيا في مساعدة الدول المدينة في تخفيف أعباء ديونها، ودفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
  5. الزيارات المتبادلة المتكررة التي يقوم بها كبار مسؤولي الجانبين بدءا من رؤساء الدول مرورا بالوزراء وأعضاء البرلمانات وصولاً إلى الخبراء والمتخصصين، وهو ما يعكس حجم الانفتاح بين الجانبين. ويذكر أنه خلال السنوات الثلاث الماضية (2015 - 2018)، زار 27 من زعماء الحزب الحاكم وكبار مسؤولي الدولة الصينيين أفريقيا فيما قام 30 من رؤساء الدول والحكومات الأفريقية بزيارات أو حضروا اجتماعات في الصين إضافة إلى قيام 7 من رؤساء الهيئات التشريعية و9 نواب للرئيس أو نواب رئيس وزراء من أفريقيا بزيارة الصين.
  6. وصل حجم الاستثمار الصيني في أفريقيا حتى نهاية عام 2016 إلى أكثر من 100 مليار دولار أميركي بزيادة 100 مرة خلال نحو عشر سنوات. وذكر تقرير نشرته شركة إيرنست آند يونغ أن الصين أصبحت أكبر مساهم بالاستثمارات الأجنبية المباشرة في أفريقيا في عام 2016. باستثمار 66.4 مليار دولار وخلق 130750 فرصة عمل في الفترة ما بين 2005 وحتى 2016، لترتفع الاستثمارات إلى ما يزيد على 110 مليارات دولار خلال عام 2017. ويذكر أن عدد الشركات الصينية العاملة في القارة الأفريقية حتى نهاية عام 2016 بلغ نحو 3100 شركة صينية تعمل في مشاريع في مجالات النقل والطاقة والاتصالات والمناطق الصناعية ومراكز التكنولوجيا الزراعية وإمدادات المياه والمدارس والمستشفيات.
  7. أنتج المنتدى كثيرا من المبادرات التنموية للقارة الأفريقية، كما أسهم في تأسيس كثير من المنتديات الفرعية والمتخصصة بين الجانبين، منها على سبيل المثال:
  8. أطلقت الصين كثيرا من المبادرات لتعزيز علاقاتها التجارية والاقتصادية مع القارة الأفريقية، من بينها: استراتيجية جديدة للتنمية في أفريقيا عام 2001، خطة عمل لتسريع التنمية الصناعية في أفريقيا عام 2007. خطة تنمية البنية التحتية في أفريقيا عام 2013 ودعم رؤية أفريقيا 2063 لتعزيز وجودها الاقتصادي والتجاري بالقارة الأفريقية.
  9. في عام 2014 أطلق رئيس وزراء الصين «لي كه تشيانغ» ما يسمى «إطار 461 للتعاون الأفريقي الصيني»، ويتضمن أربعة مبادئ أساسية للتعاون تتمثل فيما يأتي: المساواة والبرغماتية والإخلاص والثقة المتبادلة. علاوة على ستة قطاعات رئيسية هي؛ الصناعة والتمويل وتقليص الفقر وحماية البيئة والتبادلات الثقافية والسلام والأمن.
  10. في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 أعطى الرئيس الصيني «شي جين بينغ» دعما إضافيا للمنتدى حيث اقترح 5 ركائز أساسية للتعاون الصيني الأفريقي خلال الفترة من 2016 حتى 2018 تتمثل فيما يأتي: بناء علاقات بين الجانبين على أساس المساواة السياسية والثقة المتبادلة والتعاون الاقتصادي البناء والتبادلات الثقافية والتعليم المشترك والمساعدات المتبادلة في الأمن، والتضامن والتعاون في الشؤون الدولية.
  11. عقد المنتدى الصيني الأفريقي حول الموارد المائية، والذي عقد دورته السادسة في مدينة شرم الشيخ بجمهورية مصر العربية خلال الفترة 23 - 25 يوليو (تموز) 2018 تحت عنوان «الاستخدام المستدام للموارد المائية في البلدان النامية»، ويعد منبرًا نشطًا للتعاون والتبادل الدوليين بشأن قضايا المياه والبيئة بين أفريقيا والصين، كما أنه يعد خطوة رائدة في البحث والتطوير والابتكار والتنفيذ المشترك الجاري في مجال المياه والتنمية.
  12. عقد منتدى التعاون الصيني– الأفريقي بشأن المناطق الاقتصادية، والذي عقد دورته الأخيرة في القاهرة خلال يومي 17 - 18 أبريل (نيسان) 2018. تحت عنوان «المناطق الاقتصادية... إنجازات وخبرات» بحضور وزراء وسفراء وممثلي مؤسسات حكومية ومنظمات دولية من الصين وأفريقيا.
  13. تنظيم عدد من المنتديات الثقافية والإعلامية بين الجانبين، منها: منتدى الفكر الصيني الأفريقي، ومنتدى التعاون الإعلامي بين الصين وأفريقيا، وبرنامج البحث والتبادل المشترك بين الصين وأفريقيا، والحوار رفيع المستوى بين الصين وأفريقيا بشأن مكافحة الفقر من أجل الرخاء المشترك، ومهرجان الشباب الصيني الأفريقي.
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يصافح الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال منتدى التعاون الصيني الأفريقي. (غيتي).
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يصافح الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال منتدى التعاون الصيني الأفريقي. (غيتي).

المنتدى الصيني الأفريقي في دوراته السابقة... ماذا تحقق؟

تكشف القراءة السريعة لما أسفر عنه المنتدى الصيني الأفريقي في دوراته السابقة عن جملة من النتائج التي أكدت سعي الطرفين لتبادل النفع، وإن كانت النتائج المتحققة تصب في مصلحة الجانب الأفريقي بصورة أكبر من خلال حجم المشروعات التي تم تنفيذها في كثير من البلدان الأفريقية، خاصة منذ المنتدى الصيني الأفريقي والتي يمكن أن نرصد أبرزها فيما يأتي:

  • الجسر المعلق أعلى البحر وطرق الربط الخاصة به بطول 187 كم بموزمبيق، وأصبح معلما جديدا في مدينة مابوتو العاصمة والذي قامت ببنائه شركة الطرق والمواصلات الصينية ولقد وفرت الشركة أكثر من 20 ألف وظيفة، بدوام كامل وبدوام جزئي، للسكان المحليين حيث قامت الشركة بتوظيف 3800 من السكان المحليين في وظائف مختلفة، ويبلغ عدد أفراد الفريق الصيني 467، ومن المنتظر أن يمكن هذا المشروع من تسهيل الانتقال بين العاصمة ومدينة كاتمبي النائية، كما سيربط موزمبيق جنوبا بجنوب أفريقيا، مما يعزز التجارة والسياحة بينهما بشكل كبير. ولم يقتصر الأمر على مجال النقل فحسب، بل حظي قطاع الزراعة باهتمام ملحوظ، حيث تم وضع خطة تعاون رئيسية بين البلدين في المجال الزراعي كان من أبرز نماذجها انطلاق مشروع مزرعة أرز وانباو في مقاطعة غزة بموزمبيق، ومن أبرز نتائجه العمل على المساعدة في سد العجز في الأرز الذي يصل إلى 600 ألف طن سنويا.
  • لعبت الاستثمارات الصينية دورا مهما في كثير من المشروعات القومية الكبرى في جمهورية مصر العربية، منها: مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، ومحطتا توليد الكهرباء من الفحم بالحمراوين، ومشروع عتاقة لضخ وتخزين الكهرباء، ومشروع القطار المكهرب «مدينة السلام – العاشر من رمضان- بلبيس»، ومشروع تطوير سكك حديد «أبو قير – الإسكندرية»، ومشروع مجمع فوسفات الوادي الجديد لإنتاج حامض الفوسفوريك، وتوسعة المرحلة الأولى من مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة بشمال غربي خليج السويس، والتعاون في مجال الاستشعار عن بُعد، ومشروعات تطوير شبكات الصرف الصحي بالقرى المصرية، فضلا عن مشروع تطوير ميناء العين السخنة.
  • تنفيذ عدد من خطوط السكك الحديدية، منها: خط سكة حديد إثيوبيا - جيبوتي، وخط سكة حديد خفيفة في أديس أبابا، وخط سكة حديد نيروبي - مومباسا بطول 480 كيلومترا وهو خط سيقلل وقت السفر بين أكبر مدينتين في كينيا إلى النصف، ويخلق 46 ألف فرصة عمل. كل ذلك يُعد دليلا آخر على أن التعاون الصيني - الأفريقي يسهم في النمو المحلي والتوظيف والتكامل الإقليمي.
  • في عام 2015. أعلنت الصين عشر خطط للتعاون بين الصين وأفريقيا لمساعدة القارة على تسريع التصنيع والتحديث الزراعي. كما تم أيضا إنشاء صندوق للتعاون في قدرة الإنتاج بين الصين وأفريقيا بقيمة 10 مليارات دولار بهدف دعم مشاريع التعاون مثل المناطق الاقتصادية والمناطق الصناعية في أفريقيا.
  • تشييد منطقة التجارة الحرة في جيبوتي منصة لتنفيذ استراتيجية «الخروج» للشركات الصينية وسيسهم في حل المشاكل خلال التبادلات الاقتصادية والتجارية مثل كفاءة التخليص الجمركي المنخفضة والخدمات اللوجستية البطيئة والإجراءات الإدارية المعقدة ونقص الخدمات المساندة، مما يعزز تيسير التجارة بين الصين والدول الأفريقية.
  • افتتاح منطقة التجارة الحرة في جيبوتي في الخامس من يوليو (تموز) 2018، وتعد أكبر منطقة تجارة حرة في أفريقيا، وشيدت باستثمار مشترك من شركتي «ميرشانتس هولدنغز» و«داليان بورت» الصينيتين. وتغطي المنطقة مساحة 48 كيلومترا مربعا على البحر الأحمر، وتتمتع بموقع جغرافي فريد على الطريق البحري الصيني الأفريقي.

هذا فضلا عن التعاون في المجال الأمني، إذ إن بكين تدعم القارة الأفريقية في مواجهة أزماتها، حيث تؤيد إنشاء قوة أفريقية للاستجابة الفورية للأزمات. فضلا عن أن الصين تعد حاليا أكبر مساهم في قوات حفظ السلام في أفريقيا بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي حيث يوجد أكثر من ألفين من قوات حفظ السلام الصينية في مناطق الصراع عبر القارة.

وفي مجال التنمية المجتمعية وخاصة في المجال الصحي، يبرز الدور الصيني المستند إلى وثيقة عام 2006 بعنوان «سياسة الصين الأفريقية»، التي تتضمن إرسال الصين المساعدات الطبية والأدوية للبلدان الأفريقية والمساعدة في تحسين جودة البنية التحتية وتدريب العاملين في المجال الطبي، والتعاون للوقاية والعلاج من الأمراض المعدية مثل نقص المناعة والإيدز، والملاريا، وغيرها من الأمراض، وتوفير الصين لمواد الرعاية الصحية في أفريقيا يساعدها على الحصول على الشروط المواتية للموارد الطبيعة والخام اللازمة للصناعات. وتنفيذا لتلك السياسة، كان هناك وجود ملحوظ للفرق الطبية الصينية بشكل متناوب في كثير من المناطق الأفريقية منذ 2012. ففي غرب أفريقيا على سبيل المثال، حيث تفشى فيروس الإيبولا عام 2014. قامت الصين على الفور بإرسال الفرق الطبية وخبراء الأمراض المعدية إلى غينيا وليبيريا وسيراليون لمساعدة الدول الثلاث في التغلب على الأزمة. كما كانت الشركات الصينية المتمركزة في سيراليون أول فريق إنقاذ أجنبي يقدم المساعدات بعد أن تسببت الانهيارات الأرضية التي نتجت عن هطول الأمطار في مقتل أكثر من ألف شخص في العاصمة فريتاون في أغسطس (آب) 2017.

 

الدورة الثالثة للمنتدى الصيني الأفريقي... رؤية تفاؤلية:

حملت مخرجات الدورة الثالثة للمنتدى الصيني الأفريقي رؤية تفاؤلية نحو تعزيز العلاقات الصينية الأفريقية، وهو ما عبر عنه البيان الختامي للمؤتمر والذي أكد على جملة من التفاهمات المشتركة، التي عبر عنها الرئيس الصيني «شي جين بينج» في كلمته الختامية للقمة بتأكيده على أن ثمة «أولوية لتنفيذ الحملات الثماني المتمثلة فيما يلي: التنمية الصناعية، وترابط المنشآت، وتسهيل التجارة، والتنمية الخضراء، وبناء القدرات، والصحة، والتواصل الشعبي، والسلم، والأمن، بما يزيد الفرص قوة لدفع التعاون الصيني الأفريقي... وأنه تم الاتفاق بالإجماع أيضا على أن العلاقات الصينية والأفريقية تشهد تماسكا وحيوية غير مسبوقة، الأمر الذي يوفر فرصة مهمة للتنمية في الصين وأفريقيا... وأن الجانبين سيعززان التضامن والتعاون بعزيمة».

وفي ضوء ذلك، أصدر المنتدى «إعلان بكين - نحو مجتمع صيني أفريقي أقوى ذي مستقبل مشترك» كما اعتمد «خطة عمل بكين لمنتدى فوكاك 2019 - 2021»، والتي تستهدف تكثيف ودفع العلاقات الصينية مع الدول الأفريقية وتعزيز تعاونهما المشترك.

 

الصين وأفريقيا... نحو مزيد من التقارب أم التباعد؟

إن ما أسفر عنه المنتدى من نتائج في دورته الثالثة يؤكد أن العلاقات الصينية الأفريقية تتجه نحو مزيد من التعمق والتقارب على حساب المنافسين الدوليين وخاصة الولايات المتحدة الأميركية التي يعاني وجودها في القارة الأفريقية كثيرا من الصعوبات والتحديات، إلا أن هذا المنتدى لا يعني خلو العلاقات الأفريقية الصينية من معوقات وتحديات يمكن أن تعرقل هذا التقارب والتي يمكن أن نجملها فيما يأتي:

  1. التباعد الجغرافي بين الجانبين. صحيح أن ثمة تعزيزات صينية لتسهيل الربط مع دول القارة الأفريقية ضمن مشروعها «الحزام والطريق»، إلا أنه من الصحيح أيضا أن التركيز منصب على شرق وجنوب شرقي أفريقيا بصورة رئيسية، أخذا في الاعتبار أن هذا لا يعني إغفال وسط وغرب القارة، وإن كان الاهتمام بها أقل مقارنة بمناطق الشرق والجنوب الشرقي. وقد يمثل هذا التباعد الجغرافي عاملا يحد من التقارب المتوقع بين الجانبين.
  2. التنافس الدولي والإقليمي في القارة. تواجه الصين تنافسا دوليا وإقليميا قويا في القارة الأفريقية، ذلك التنافس الذي قد يصل إلى حد التزاحم بين كثير من الأطراف التي يسعى بعضها للاحتفاظ برصيد وجودها في تلك القارة، وبعضها الآخر يسعى إلى كسب مناطق وجود ونفوذ من خلال توثيق علاقاته بقادة دول القارة بشتى الطرق.
  3. ضعف الروابط الثقافية واللغوية بين الجانبين، وهو ما يتجسد في عائق اللغة، إذ إن معظم مناطق القارة بحكم الاستعمار القديم تتحدث إلى جانب اللغات المحلية إما اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان التواصل المجتمعي بين الجانبين. صحيح أن الصين تحاول من خلال الموجودين في المشروعات التنموية أن تكون ملمة باللغات المنتشرة في تلك المناطق لتسهيل التواصل مع مواطنيها. كما تسعى إلى فتح مراكز ثقافية لتعليم اللغة الصينية في بعض المناطق كما هو الحال في معهد كونفوشيوس وإن كان الأمر يتطلب وقتا أطول.

ولكن، رغم هذه التحديات والصعوبات التي قد تعرقل التقارب الصيني الأفريقي والانتقال به إلى مراحل متقدمة، فإنها لن تمنع من تعزيزه في ضوء رغبة وإرادة الطرفين على تذليل تلك المعوقات ومواجهة تلك التحديات عبر العمل بآليات مشتركة ومتنوعة تجمع بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي وما هو أمني- عسكري، ولعل المنتدى الصيني الأفريقي يمثل واحدا من تلك الآليات الأكثر نجاحا في تعزيز التقارب في مختلف المجالات، خاصة أن السياسة الصينية سياسة قائمة على احترام سيادة الدول واستقلالية قرارها دون تدخل في شؤونها الداخلية.

الرئيس الصيني شي جين بينغ قبل خطابه خلال حفل افتتاح منتدى التعاون الصيني الأفريقي في قاعة الشعب الكبرى في 3 سبتمبر 2018 في بكين ، الصين. (غيتي)
الرئيس الصيني شي جين بينغ قبل خطابه خلال حفل افتتاح منتدى التعاون الصيني الأفريقي في قاعة الشعب الكبرى في 3 سبتمبر 2018 في بكين ، الصين. (غيتي)

ولكن يبقى التساؤل إذا كان المنتدى وغيره من الآليات التنفيذية تسهم في تعزيز التقارب بين الجانبين، فهل هذا التقارب يحقق مصالح الجانبين بصورة متساوية أو حتى متقاربة وفقا لقاعدة «اكسب... اكسب Win…win»، أم أن ثمة طرفا يحصد مزايا وعوائد تفوق ما يحصده الطرف الآخر، خاصة أن ثمة طرفا يملك مقومات ومفاتيح التقدم والنهضة والآخر يملك الموارد والإمكانات غير المستغلة وغير قادر على استغلالها بصورة متعاظمة؟

وتأتي الإجابة على هذا التساؤل في نقطتين أساسيتين: الأولى، أن يدرك الطرف الذي يملك الموارد والإمكانيات أنه رغم حاجته إلى ما لدى الطرف الثاني من إمكانات تكنولوجية ومعارف علمية فإنه أيضا في حاجة ماسة إلى موارد وإمكانات الطرف الأول شريطة أن يدرك هذا الطرف كيف يعظم مما لديه من موارد وإمكانات حتى لا تستغل على حساب مصالح الشعوب التي لا يزال معظمها يرزح تحت نير الجهل والتخلف والمرض، وهو ما يتطلب أن تكون المفاوضات حول آلية التعاون قائمة على الندية وتبادل المصالح بصورة متقاربة وحتى لا تتكرر تجربة الاستعمار البغيض الذي استغل ثروات القارة ومواردها على مدار العقود الماضية. أما النقطة الثانية، فتتمثل في ضرورة الاستفادة من التجربة المصرية في جذب الاستثمار الأجنبي في بعض القطاعات، إذ يمكن أن تمثل هذه التجربة مصباحا مضيئا أمام بقية بلدان القارة الأفريقية، حيث اتخذت الحكومة المصرية قرارا بأن استثمار مواردها لا يعني خروجها إلى بلد المستثمر وإنما يعني مجيء المستثمر إليها بما يعني تعظيم حجم التشغيل في تلك المشروعات من ناحية ونقل التكنولوجيا (How) تحت اسم توطين التكنولوجيا للاستفادة بها للأجيال القادمة ضمن ما أطلقت عليه رؤية مصر 2030 بشأن التنمية المستدامة.

وغني عن القول إن ما رفعه المنتدى الصيني الأفريقي من شعار حول تلازم التنمية المحققة للبلدان الأفريقية ضمن مبادرة الحزام والطريق مع أجندة التنمية المستدامة 2030 للأمم المتحدة، وأجندة 2063 للاتحاد الأفريقي، واستراتيجيات الدول الأفريقية، يؤكد على العمل من أجل تحقيق الفوز المشترك في مجال التعاون الصيني - الأفريقي والتنمية المشتركة.


اشترك في النقاش