روسيا والمنتدى الاقتصادي الشرقي في دورته الرابعة 2018

نحو رؤية تكاملية للشرق الأقصى
* أُسس المنتدى الاقتصادي الشرقي بموجب مرسوم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بهدف تعزيز علاقات مجتمع الاستثمار الدولي في منطقة الشرق الأقصى الفيدرالية.

* فعاليات المنتدى لم تقتصر على مجال المال والأعمال والاستثمارات والتبادل التجاري، وإنما شهدت اهتماماً ملحوظاً أيضاً بمجالات ثقافية، وتعليمية، ورياضية.

* ما أفرزه المنتدى الاقتصادي الشرقي من نتائج ومخرجات، يؤكد على أن هذا المنتدى أصبح على خريطة المنتديات الاقتصادية العالمية.

 

فلاديفوستوك (روسيا): «على مر السنين، أصبح المنتدى مكانًا مهمًا وشعبيًا للحوار المباشر بين السياسيين والشخصيات العامة، والمديرين التنفيذيين والخبراء... هذا العام ستشارك وفود من أكثر من 60 دولة في جميع أنحاء العالم»
بهذه الكلمات أطلق الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، فعاليات المنتدى الاقتصادي الشرقي لدول آسيا والمحيط الهادي، في دورته الرابعة المنعقدة فى مدينة فلاديفوستوك الروسية، وذلك خلال الفترة من 11-13 سبتمبر (أيلول) 2018 وذلك تحت شعار «الشرق الأقصى... توسيع نطاق الإمكانيات»، محددا فى الوقت ذاته الهدف الروسي من انعقاد هذا المنتدى، كما جاء في برقية ترحيبه بالضيوف المشاركين المنشورة على الصفحة الرئيسية للمنتدى، إذ جاء فيها: «طموحنا في رؤية روسيا أكثر تكاملاً في نظام العلاقات الاقتصادية في منطقة آسيا والمحيط الهادي، من أجل تعزيز المبادرات التجارية في مناطق الشرق الأقصى، أنشأنا أراضي التنمية ذات الأولوية مع تفضيلات كبيرة للشركات لإطلاق صناعات جديدة... وأنشأنا منطقة الميناء ذات نظام خاص للضرائب والجمارك - ميناء فلاديفوستوك الحر... فضلاً عن مشاريع وبرامج اجتماعية وبنية تحتية وتعليمية وبرامج بحثية واسعة النطاق تهدف إلى دعم الصادرات والتحديث التكنولوجي».


الرئيس بوتين خلال ترحيبه بقادة الصين واليابان وكوريا الجنوبية ومنغوليا وضيوفه، بعد وصولهم إلى مدينة فلاديفوستوك للمشاركة في المنتدى الاقتصادي الشرقي. (غيتي)

ومن هذا المنطلق، جاءت فعاليات هذه الدورة لتستكمل خطوات تحقيق هذا الهدف، من خلال ما تضمنه برنامجها من لقاءات وحوارات ومشاورات بين كبار المسؤولين من مختلف البلدان المشاركة، وذلك على غرار ما جرى فى الدورات الثلاث السابقة للمنتدى، حيث تمت دعوة أكثر من 5 آلاف مشارك، من بينهم 1575 من رجال الأعمال الروس، و2871 رجل أعمال أجنبياً. ولكن، تكتسب هذه الدورة أهمية كبرى مقارنة بالدورات السابقة، حيث شهدت هذه الدورة ثلاثة أحداث مهمة أكسبتها تلك الأهمية، تمثلت فيما يأتي: الأول، مشاركة الرئيس الصيني شي جينبينغ، في هذا المنتدى وهي المرة الأولى التي يشارك فيها رئيس الدولة الصيني في هذا الحدث، علماً بأن الصين لم تغب عن المشاركة منذ أول دورة، حيث أرسلت وفوداً رفيعة المستوى إلى الدورات الثلاث الأولى، إلا أن حضور الرئيس شي جينبينغ شخصياً في هذه الدورة على رأس وفد ضم نحو ألف شخص، يكسبها أهمية أكبر بشأن العلاقات الصينية الروسية التى تشهد مزيداً من التعاون في ضوء التحديات الإقليمية والدولية التى تواجه الدولتين، وهو ما كان محل إشادة من جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بقوله: «إن هذا دليل على كبر حجم علاقتنا مع الصين، نحن على اتصال منتظم ويسعدني أن استضيفكم في روسيا»، وتأكيدا على ذلك جاءت خطوة إنشاء الصندوق الروسي الصيني للتنمية الإقليمية بقيمة 100 مليار يوان (14.6 مليار دولار) والهادف إلى تعزيز التعاون الإقليمي الثنائي. كما جرى خلال هذا المنتدى تأكيد البلدين على نيتهما فى التوسع فى استخدام عملتيهما الوطنيتين وليس الدولار فى مبادلاتهما التجارية، إذ أشار الرئيس الصيني إلى ذلك بقوله: «الجانبان الروسي والصيني أكدا اهتمامهما باستخدام عملتيهما الوطنيتين بشكل أكبر في المبادلات المشتركة... وإن هذا سيعزز الاستقرار في معالجة البنوك عمليات الاستيراد والتصدير في أجواء من مخاطر مستمرة في الأسواق العالمية». بل الأكثر من ذلك، فقد تزامن مع انعقاد هذه الدورة انطلاق مناورات عسكرية روسية تعد الأضخم منذ عام 1981 بمشاركة كل من الصين ومنغوليا كحدث استثنائي، إذ أعلن عن وجود نحو 3 آلاف جندي صيني وبضع مئات من المنغوليين ترافقهم وحدات جوية، وهو ما يعكس السعي الروسي نحو تعزيز الروابط مع الصين. الثاني، المحادثات الثلاثية (الروسية والكورية الجنوبية والشمالية) والتى جرت على هامش فعاليات المنتدى، والتي استهدف منها بوتين إعادة دمج كوريا الشمالية في منظومة الاقتصاد الإقليمي في المنطقة، وهو ما أكد عليه بقوله: «أود لو أن نعود لبحث المشاريع الثلاثية في البنية التحتية والطاقة وغيرها من المجالات، بمشاركة روسيا والجمهورية الكورية والجمهورية الكورية الشعبية الديمقراطية... التطبيع حول شبه الجزيرة الكورية ضروري للدفع بمثل هذه المبادرات».
صحيح أن موسكو كانت تعول على مشاركة رئيس كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، لتكون المرة الأولى التى يشارك فيها في حدث دولي واسع النطاق، حيث أرسل الرئيس بوتين، رئيسة مجلس الفيدرالية (الشيوخ)، فالنتينا ماتفيينكو، لتسليم الرئيس كيم جونغ، الدعوة للحضور، إلا أن بيونغ يانغ اعلنت أن الرئيس كيم، يتطلع للقاء بوتين في وقت لاحق. الثالث، مبادرة الرئيس فلاديمير بوتين، لتوقيع معاهدة سلام مع اليابان، دون شروط مسبقة، إذ جاءت في كلمته: «نحن نتفاوض على مدى 70 عامًا، (قال شينزو آبي: دعونا نبدل الجهد)، لنغيره! هذه هي الفكرة التي حضرتني؛ دعونا نعقد معاهدة السلام، ليس الآن، بل قبل نهاية العام، دون أية شروط مسبقة... وبعد ذلك وعلى أساس معاهدة السلام هذه، سنواصل كأصدقاء حل كل القضايا المختلف عليها. أعتقد أن ذلك سيسهل علينا حل كل المشاكل التي لم نستطع حلها على مدى 70 عاما». صحيح أن اليابان لم ترد على تلك المبادرة بشكل واضح، وإنما أشارت بعض المصادر الدبلوماسية فى وزارة الخارجية اليابانية إلى أن موقف حكومته لن يتغير بأنه لا تفاوض قبل استعادة جزر الكوريل، وهو ما يتفق مع ما ذكره رئيس الوزراء اليابانى بأن: «المحادثات مع بوتين تشمل الجزر الأربع الشمالية... وأن روسيا واليابان تناقشان منذ أكثر من نصف قرن مسألة السيادة على جزر الكوريل الجنوبية، ولا نتائج حتى الآن. وأنه تحدث مع بوتين في 20 جلسة بشأن هذه المسألة»، وهو ما يعني أن ثمة فجوة لا تزال في رؤية البلدين بشأن كيفية حسم خلافاتهما المتعلقة بتلك الجزر منذ الحرب العالمية الثانية والتي تمثل عائقا أمام أية محاولات للتقارب بينهما.


نساء شابات أمام جناح إقليم كامتشاتكا في معرض «الشرق الأقصى»، كجزء من منتدى شرق الاقتصادي 2018 في جامعة شرق الأقصى الاتحادية (FEFU) بجزيرة روسكي، فلاديفوستوك.(غيتي)

في ضوء تلك الأهمية، يستعرض هذا التقرير المنتدى الاقتصادي الشرقي المعروف اختصارا بـ«EEF Eastern Economic Forum» من خلال محورين:

أولا: المنتدى الاقتصادي الشرقي... التأسيس والأهمية

أُسس المنتدى الاقتصادي الشرقي بموجب مرسوم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 19 مايو (أيار) 2015، بهدف تعزيز علاقات مجتمع الاستثمار الدولي في منطقة الشرق الأقصى الفيدرالية والتى تعد أكبر منطقة اتحادية في روسيا، وتمثل 36,1 في المائة، من المساحة الإجمالية لروسيا، حيث تزايد تركيز واهتمام الحكومة الروسية بهذه المنطقة والعمل على تنميتها كأولوية للتنمية الوطنية، وإنشاء إدارة تنمية الشرق الأقصى وغيرها من المؤسسات، لضمان تطوير المنطقة على المستوى الوطني. وقد تم إنشاء 18 منطقة تنموية سريعة في الشرق الأقصى، وإنشاء الميناء الحر في فلاديفوستوك، وتقديم سلسلة من السياسات التفضيلية، وتنفيذ نظام جمركي ملائم ونظام تأشيرات إلكترونية، لجذب واستقرار استثمارات الشركات في المنطقة.

ويأتى تنظيم هذا المنتدى السنوي الذي يُعقد في مدينة فلاديفوستوك والتي تعد أكبر ميناء فى الشرق الأقصى الروسي، أُسست عام 1860، ليستكمل الرؤى والاستراتيجيات التي تطرحها الدول المجاورة لتلك المنطقة الواقعة في شمال شرقي آسيا والتي تتميز بغنى الموارد وقوة البنية الاقتصادية واتساع السوق الاستيعابية. ليلتحم هذا المنتدى مع المبادرات المطروحة من دول المنطقة، منها: مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي، «سياسة الشمال الجديدة» لكوريا الجنوبية، و«طريق التنمية» لمنغوليا، وغيرها من المبادرات الهادفة إلى جعل التعاون في المنطقة أكثر نشاطاً، وتقديم مساهمة أكبر في تعزيز اقتصاد عالمي مفتوح، من خلال زيادة الطاقة الحركية للتنمية الإقليمية.

 


المشاركون في جلسة الواقع الافتراضي بمعرض «الشرق الأقصى»، كجزء من المنتدى الاقتصادي الشرقي 2018 في الجامعة الفيدرالية الشرقية (FEFU) في جزيرة روسكي، فلاديفوستوك. (غيتي)

ثانياً: المنتدى الاقتصادي الشرقي في دورته الرابعة... البرامج والفعاليات

تضمن برنامج المنتدى في دورته الرابعة ما يزيد على سبعين، من بينها جلسات اللجان وحوارات الأعمال وطاولات مستديرة، بالإضافة إلى الحدث الرئيسي التقليدي في كل دورة للمنتدى والمتمثل في عقد جلسة عامة بمشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي أعاد فيها التأكيد على هدف هذا المنتدى والمتمثل، كما ورد في كلمته، بأن: «هدف جهودنا هنا في هذا الإقليم الديناميكي النامي في منطقة آسيا والمحيط الهادي، إنشاء مركز قوي للتعاون الدولي والتكامل، ونشاط قطاع الأعمال والاستثمار، والتعليم والعلوم والثقافة».

وفي ضوء ذلك، شهدت برامج المنتدى في هذه الدورة تنوعا ملحوظا، حيث تم توزيعها على أربعة محاور شملت ما يأتي: التعاون الدولي في تنمية الشرق الأقصى، أولويات الصناعة في الشرق الأقصى، أدوات دعم المستثمرين، إجراءات تحسين الظروف المعيشية، وذلك كله على النحو الآتي:

1- التعاون الدولي في تنمية الشرق الأقصى، حيث نوقشت فى إطارها كثير من القضايا، منها: لقاء بين مجالس الأعمال والاستثمار الروسية الكورية والكورية الروسية، حيث ناقش آليات التعاون المشترك بين روسيا وكوريا الجنوبية في ضوء مبادرة «الجسور التسعة للتعاون»، والتى تستهدف تعزيز مجالات التعاون الثنائي في مجالات الاستثمار والتجارة المتبادلة بينهما، تحديات الأقاليم الجديدة (الفضاء، القطب الشمالي، المحيط العالمي)، التعاون في مجال الطاقة في شمال شرقي آسيا، التعاون في المجالات الطبية والصحية، وتعزيز التجارة الإلكترونية عبر الحدود بين روسيا والصين، والشرق الأقصى كمركز للتعاون الاقتصادي مع آسيا- منطقة المحيط الهادي (حوار بين الأعمال والحكومة)، والجغرافيا السياسية الآسيوية الجديدة والاقتصاد السياسي: فرص لروسيا، والاقتصاد الرقمى: الفرص والتحديات.

2- أولويات الصناعة في الشرق الأقصى، نوقشت فى إطارها كثير من القضايا، منها: تعزيز اللوجستيات الزراعية في الشرق الأقصى الروسي، كونها قائدة للنمو الصناعي، وتطوير البنية التحتية لميناء فلاديفوستوك: فرص جديدة للمستثمرين، وتحسين التشريعات المنظمة، وتنمية الأحياء المائية: خطوة أولى لصناعة جديدة، ومعالجة النفط والغاز: إنشاء مجموعة صناعية جديدة، والصناعات التقليدية وآليات تطويرها (التعدين)، وصناعة الأخشاب في المنطقة وكيفية تطويرها، والصناعات الغذائية في منطقة الشرق الأقصى.

3- آليات دعم الاستثمار. وقد نوقشت في هذا الإطار كثير من القضايا، منها: جعل الشرق الأقصى مركزاً مالياً، ودعم المشروعات التكنولوجية.

4- تحسين ظروف المعيشة. ونوقشت فى إطارها كثير من القضايا، منها: التعليم من أجل فرص العمل والتشغيل، ووضع استراتيجيات جديدة لأرباب العمل، والبنية التحتية للمعلومات كمحرك للتنمية الاقتصادية السريعة في أقصى الحدود، والعلاقات الأسرية (الآباء والأبناء): التكنولوجيا وحدود الرقابة.
وجدير بالذكر أن فعاليات المنتدى لم تقتصر فحسب على مجال المال والأعمال والاستثمارات والتبادل التجاري، وإنما شهدت اهتماما ملحوظا أيضا بمجالات ثقافية، وتعليمية، ورياضية، حيث يُعد المنتدى منصة من أجل التكامل الثقافي، فقد شهد للمرة الأولى إقامة مجموعة من الألعاب الفكرية على شكل «ماذا؟ أين؟ متى؟»، كما شاركت الفرقة السيمفونية للشباب الروسي التي يقودها يوري باشميه، وأوبرا «عروس القيصر»، وباليه «الجميلة النائمة»، فضلا عن حفل موسيقي من الأوركسترا السيمفونية لمسرح ماريانسكي البحري بمشاركة عدد من المشاركين المنفردين من الصين واليابان وكوريا وروسيا. كما تم ضمن فعاليات المنتدى عرض أفلام الرسوم المتحركة غوفمانييادا وهو مشروع فريد من نوعه في التاريخ الحديث من الرسوم المتحركة الروسية، والعمل به بدأ منذ أكثر من 15 عاما. كما أقيم معرض «شارع الشرق الأقصى»، والذى تم خلاله عرض الإمكانيات الاقتصادية والتقاليد الثقافية والفرص السياحية في الشرق الأقصي. إضافة إلى ذلك تم تنظيم جولات لذوي الاحتياجات الخاصة والمتقاعدين.

نهاية القول إن ما أفرزه المنتدى الاقتصادي الشرقي من نتائج ومخرجات كانت حصيلة الاجتماعات التي عُقدت، والمناقشات التي جرت بين القادة والمسؤولين للبلدان المشاركة في المنتدى، يؤكد على أن هذا المنتدى الاقتصادي أصبح من الأهمية بمكان وضعه على خريطة المنتديات الاقتصادية العالمية، إذ كشف المنتدى في دورته الرابعة عن مدى فشل السياسة الأميركية في محاولتها المستمرة لفرض عزلة دولية على موسكو، إذ مثل نجاح روسيا بتنظيم هذا المنتدى تأكيدا على مدى انفتاحها على الجميع من خلال مشاركة أكثر من 60 دولة إلى جانب وفود من رجال الأعمال والإعلاميين، وبما يعكس كذلك نجاحها في لعب دور أكبر في هذا الإقليم، وهو ما يستوجب الانتباه العربي إلى هذا المنتدى الاقتصادي الإقليمي، من خلال زيادة مستوى المشاركة الحقيقية في فعاليته التي تمثل مفتاحا مهما للاستثمار في منطقة آسيا والمحيط الهادي.


اشترك في النقاش