ما وراء «عشماوي»

انحاز لـ«القاعدة» لكنه فتح خطوط اتصال مع «داعش»
امرأة تبكي في مسيرة منددة بالإرهاب في منتجع شرم الشيخ بعد هجمات بالقنابل هزت المنتجع في وقت مبكر يوم 23 يوليو عام 2005. (غيتي)
*أصدقاء وجيران الإرهابي هشام عشماوي يروون لـ"المجلة" ملامح طفولته وشبابه وأسراراً مثيرة عن حياته تُنشر لأول مرة.
* تحقيقات مبدئية: مطاردة الأمن للإرهابيين ضمت إلى جانب المطلوب الأول عشماوي، الجزائريين بلمختار، وأبو الهمام، والمغربي الحدوشي، والمصري بهاء علي، والقيادي الليبي المطلوب دولياً مرعي زعبية.
* في أواخر التسعينات من القرن الماضي، بدأ عشماوي يثير انتباه قادته في معسكر الصاعقة، ودعا إلى التمرد والخروج على النظام العسكري.
* بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، نشط عشماوي بشكل أكبر في صفوف الجماعات الأكثر تشدداً من جماعة الإخوان.
* الجيش الليبي ألقى القبض على متطرفين أجانب في مدينة درنة، لكن القبض على عشماوي حياً يعد ضربة كبيرة للمتطرفين في المنطقة
* وضعت مصر عشماوي، الذي يعرف في أوساط المتطرفين بلقب «أبو عمر المهاجر»، مطلوبا أول على لائحة الإرهاب.
* قيادي في مؤتمر القبائل الليبية: تركيبة درنة الجغرافية ساعدت القيادات المتطرفة على الاختباء والعمل من داخل الحواري الضيقة للمدينة، ومن منطقة الوديان والجبال المحيطة بها.
* مصدر أمني: الجماعات الموالية لعشماوي اتخذت لها منذ عام 2015 اسم «المرابطون» وانضم لهذه الجماعة المصريون الفارون من سيناء.


القاهرة: كانت هذه واحدة من طموحات الطبقة الوسطى في مصر. منزل، وزوجة، وسيارة، مع وظيفة مستقرة. وتمكن هشام عشماوي حين كان يعيش مع أسرته الصغيرة في ضاحية مدينة نصر، في شرق القاهرة، من توسيع البيت ذي الطابق الواحد، إلى ما يشبه العمارة ذات الثلاثة طوابق.

بيد أنه كان ما زال في مقتبل العمر ويحمل رتبة عسكرية لا تزيد عن ملازم أول، براتب لا يحقق كل ما يتمناه. ولم يتمكن أبدا من طلاء طوب الجدران الخارجية للمبنى الواقع في شارع ما زال يحمل اسم والده.

 

صورة من وسط درنة، حيث كان يقوم الجيش الليبي بمحاصرة حي المغار الذي كان يوجد فيه عشماوي، قبل يومين من القبض عليه حيا. (صورة خاصة لـ«المجلة»).



في أواخر التسعينات من القرن الماضي، بدأ عشماوي ينظر إلى الدنيا من منظور مختلف. وزاد اعتكافه في المسجد الذي كان يوجد بجوار البيت. وفي معسكر الصاعقة، بدأ يثير انتباه قادته. إنه يدعو إلى التمرد والخروج على النظام، وهذا أمر خطير داخل الجيش.

ويقول أحد زملائه السابقين: أتذكر أن والدته توفيت وهو في الخدمة.. كنا في المعسكر. طلب إجازة لكي يحضر جنازتها، لكن الظروف على الأرض لم تكن تسمح بذلك. كان يوجد متطرفون في سيناء في ذلك الوقت أيضا، ولم تكن طرق الذهاب والإياب للعسكريين آمنة. ومن ثم زاد حنقه. أعتقد أنه أصبح أكثر إثارة للريبة فيما يتعلق بتوجهاته

وجرى فصل عشماوي من الخدمة في تلك الأيام. ويقول أحد جيرانه، طالبا عدم ذكر اسمه، إن عشماوي عمل بعد ذلك في التجارة. لقد كان لديه طموح.. كان يريد أن يغطي طوب البيت من الخارج بالإسمنت، ويدهنه بالطلاء، ويتزوج ويقتني سيارة مناسبة، لكن الظروف المالية لم تكن تسمح بتحقيق كل هذا دفعة واحدة. كانت حالته المادية أفضل من كثيرين، لكنه لم يكن راضيا.
 

هشام العشماوي

    

وتعرف عن طريق التجارة، وفي وقت وجيز، على شخصيات ذات تأثير في الأوساط التي تعيش فيها، في شرق مصر وفي غربها أيضا.. «كان يستقبل زوارا من سيناء في أقصى الشرق، ومن مرسى مطروح، على الحدود الليبية، في أقصى الغرب». ويضيف جاره: حين احتجز لبعض الوقت في السجن، تعرف على تجار ومتطرفين، من مختلف مناطق مصر، وبعد أن خرج من فترة الاحتجاز كانت معه قائمة هواتف معقولة

وارتبطت خطوط التجارة في هذه المناطق، قبل «ثورات الربيع العربي»، بتهريب السجائر والمخدرات والسلع. ومع ذلك لم يتمكن عشماوي من تحقيق نجاح يذكر. لكن أصبح لديه شبكة علاقات واسعة تمكن من الاعتماد عليها في تحركاته المشبوهة فيما بعد. لقد كان تحت أعين أجهزة الأمن منذ صدور حكم بفصله من الخدمة بسبب اعتناقه أفكارا متطرفة.
 

دعاة ورجال دين مصريون يغادرون مطار الماظة العسكري بعد جنازة أعضاء قوات الأمن الذين تم قتلهم خلال عملية إرهابية في شمال سيناء 30 يناير 2015.(غيتي)


ويقول جمال، الذي كان يصلي في مسجد «المغفرة» المجاور لمنزل عشماوي، إن الرجل الذي كان ما زال في مقتبل العمر، اعتاد أن يختفي لشهور قبل أن يظهر مرة أخرى في منطقته السكنية. كان والده ووالدته من موظفي الحكومة البسطاء، وتوفي كلاهما فيما بعد. والدته توفيت أثناء وجوده في الخدمة في سلاح الصاعقة في الجيش، ووالده توفي بعد أن أصبح ابنه مطلوبا للسلطات.

وتغيرت الأحوال بشكل جذري، بعد الانتفاضات التي ضربت دولا بمنطقة الشرق الأوسط، في 2011، ومنها تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن. وانتشرت، بين حدود مصر وليبيا، علميات تهريب الأسلحة وتنقل الجماعات المتطرفة من نفس الطرق التي كان يسلكها مهربو السجائر والمخدرات والسلع في السابق. كان عشماوي يبحث عن طريق. ويقول الدكتور ناجح إبراهيم، المنظر السابق للجماعة الإسلامية المصرية إن عشماوي كان مفتونا بفكر سيد قطب ومن يحملون هذا الفكر.

 

الدكتور ناجح إبراهيم



بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، نشط عشماوي بشكل أكبر في صفوف الجماعات الأكثر تشددا من جماعة الإخوان، إلا أن انتفاضة المصريين في 2013 ضد تحالف الإسلاميين في حكم مصر، أدى إلى تفرق هذه الجماعات ما بين السجون، والهجرة إلى الخارج، حيث التحقت عدة جماعات بالقتال في سوريا وليبيا وغيرهما.

ويقول مسؤول أمني بالقاهرة: هكذا فعل عشماوي.. سافر إلى سوريا، ثم إلى ليبيا. وبدأ في محاولة لتكوين ما كان يعرف بـ«جيش مصر الحر» انطلاقا من مدينة درنة التي تبعد حوالي 250 كيلومترا من الحدود المصرية. وبمرور الوقت تحول من ضابط مفصول إلى زعيم لمتطرفين عابرين للحدود، لديه إمكانيات مالية وقتالية ضخمة. لكن يبدو أن حلمه في طلاء بيته بمدينة نصر، لم يتحقق.
 

اللواء محمد قشقوش



ويضيف: من درنة تشكلت «أسطورته». وفي الثامن من شهر أكتوبر (تشرين الأول)، تمكنت القوات المسلحة الليبية، من القبض عليه في عملية أمنية خاطفة بالمدينة. بالطبع كان هناك تعاون أمني مع الجهات الليبية، وهذا أمر يعرفه الجميع. لدينا اتفاقيات رسمية مع الجيش الليبي ومع السلطات في الشرق. بينما يؤكد أستاذ الأمن القومي في أكاديمية ناصر العسكرية العليا بالقاهرة، اللواء محمد قشقوش، أن التعاون الأمني بين مصر وليبيا كان وراء القبض على عشماوي.

وتقول ابنة مدينة درنة، الإعلامية علياء العبيدي: هذا تحول مهم. ولا أخفيك سرا إذا قلت لك إن الجيش ألقى القبض على متطرفين أجانب كثيرين في المدينة، لكن توقيف عشماوي، والقبض عليه حيا، يعد ضربة كبيرة للمتطرفين في المنطقة عموما، ولأولئك الذين ما زالوا يختبئون في درنة على وجه الخصوص.

ووضعت مصر عشماوي، الذي يعرف في أوساط المتطرفين بلقب أبو عمر المهاجر، كمطلوب أول على لائحة الإرهاب، بعد أن نسب إليه الوقوف وراء عمليات قتل وتفجير في عموم مصر، ما أدى إلى مصرع وإصابة المئات من الضباط والجنود والمدنيين، ومنها عملية الواحات الشهيرة في جنوب غربي القاهرة، وتفجير كنائس في شمال العاصمة، بالإضافة إلى عمليات دموية في سيناء. وتوجهت قوات أمنية إلى العقار الذي يملكه في شرق العاصمة المصرية. ووضعت على مسجد «المغفرة» الذي كان يصلي فيه، أقفالا حديدية. لقد أصبح محيط سكنه محل اشتباه وترقب.
 

آثار تفجير قنبلة في كنيستين للأقباط في منطقة العباسية بالقاهرة، 11 ديسمبر (كانون 2011. (غيتي)



ولا يمكن معرفة الميول الفكرية الحقيقية التي كان يتبعها عشماوي بسبب علاقاته التي جرى رصدها منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، حتى القبض عليه. فقد كان يعمل ضمن تيار موال لتنظيم القاعدة وزعيمه أيمن الظواهري. وكان كذلك يعمل ضمن حملة المرشح للرئاسة المصرية في 2012، الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل. ثم التحق بالجماعات التي انتهجت العنف بعد 2013، ردا على عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان

ويقول مسؤول أمني إن توجهات الإخوان المتطرفة عقب عزل مرسي عززت من نفوذ عشماوي وسط من فر من أتباع مرسي إلى خارج مصر، سواء إلى سوريا أو العراق أو ليبيا. ومن هنا تمكن عشماوي من تأسيس موقع له في درنة التي كانت بعيدة عن سلطة الدولة في ليبيا تماما، ويضيف: تلقفت جماعة الإخوان وجود عشماوي في درنة، وبدأت في تقديم الدعم له، وضمته إلى ذراعها العسكرية القوية في المدينة، سفيان بن قومو، الذي كان مسجونا فيما مضى لدى الأميركيين في سجن غوانتانامو، بسبب انتمائه لتنظيم القاعدة

 

سفيان بن قومو


ومن هنا بدأ عشماوي يدعو إلى تكوين ما كان يطلق عليه «الجيش المصري الحر»، لكي يغري مزيدا من الضباط المفصولين من الشرطة والجيش للخروج من مصر والالتحاق به في درنة، بالإضافة إلى عشرات من المتطرفين الذين وجدوا لديه ملاذا للعمل، ومحاولات التسلل إلى الداخل المصري لتنفيذ عمليات إرهابية. وكانت الأموال تتدفق على هذه الجماعة بشكل مثير لتجار درنة.

ويقول أحد باعة الفاكهة في سوق المدينة: نستطيع أن نتعرف بكل سهولة لمن ينتمون لعشماوي من طريقة الشراء. فالواحد منهم لا يسأل عن الأسعار ولا يفاصل في الثمن، كما يفعل أهالي درنة، حتى لو كانوا من الأهالي الميسورين. ويضيف: أتباع عشماوي كانوا يملأون السيارة بالفاكهة ويدفعون الثمن دون فصال ويذهبون.
 

ولاء خطاب



ويقول الخبير الليبي في الجماعات الإسلامية، الدكتور ولاء خطاب: لقد وجد عشماوي جماعات متطرفة في درنة، ساعدته على العمل بشكل آمن. وبدأ هذا الضابط المفصول يمد خطوط التعاون مع مختلف الجماعات، وهي طريقة لم يتبعها أي قائد لتنظيم من التنظيمات المتطرفة، إلا فيما ندر.

فقد استقبل وفودا في درنة من جماعة الإخوان الليبية، ومن الجماعة الليبية المقاتلة (الأقرب لتنظيم القاعدة)، ومن جماعة أبو سليم، الموالية لتنظيم القاعدة، ومن قيادات تابعة لتنظيم داعش، رغم أنه كانت هناك حرب بالأسلحة الثقيلة بين داعش والقاعدة. وبدلا من تحقيق حلمه في الزواج وامتلاك سيارة وممارسة حياته في ضواحي القاهرة، أصبح لدى عشماوي عدة مدرعات وسيارات تحمل مدافع مضادة للطائرات، ومنظومة مراقبة وتجسس. لقد قطع شوطا طويلا بعيدا عن أحلام مدينة نصر.       

ويقول أحد المطلعين على عمل الجماعات المتطرفة في شمال أفريقيا إن عشماوي استفاد من تكتيكات القيادي الجزائري في تنظيم القاعدة، مختار بلمختار، وتمكن على هذا من البقاء طيلة خمس سنوات في درنة، دون القبض عليه. ويضيف أن عشماوي عزز قدراته من تعامله مع بلمختار، حيث أخذ اسم جماعته (المرابطون) من تنظيم بلمختار الأساسي في وسط أفريقيا.

ويتابع قائلا إن تنظيم المرابطين أقيم أساسا على نظام معقد، ومن أبرز ما فيه أن زعيمه بلمختار، قرر منذ 2016 أن ينفذ رجاله التكليفات الموكلة إليهم دون الرجوع إلى القيادة، حتى لو اعترضتهم عراقيل كوجود موالين للتنظيم يمكن أن يتضرروا من تنفيذ العملية.. «لقد كان بلمختار مشهورا بمثل هذه الخصلة. إذا تم تكليفك بالتخلص من فلان، فتخلص منه، حتى لو أدى ذلك إلى مقتل أحد العاملين مع بلمختار نفسه، ولهذا تعلم منه كثير من القادة، ومنهم عشماوي، تنفيذ التكليفات دون النظر إلى الوراء.. ودون أي مراجعة».   

وعمل عشماوي في ظروف صعبة. فبالإضافة إلى التشديد الأمني في مصر، وتزايد قوة الجيش الليبي في شرق البلاد، كان عليه أن يتعامل مع عناصر متباينة التوجهات. لقد كانت جماعة أنصار بيت المقدس التي فرت من سيناء إلى ليبيا منقسمة بين الولاء لتنظيم القاعدة والولاء لداعش. كان عدد من تبقى في سيناء يقاتل تحت راية البغدادي، بينما من دخلوا تحت راية عشماوي (في درنة) وبلمختار (في جنوب ليبيا)، أصبحوا يوالون الظواهري وتنظيم القاعدة.

ويقول مصدر أمني: هذا، بلا شك، أدى إلى صعوبة التواصل بين جماعة عشماوي في ليبيا، والجماعة التي يريد لها أن تنفذ خططه في سيناء. لقد كان السؤال دائما «إلى أي جهة تنتمي»، خاصة بعد المعارك الضارية التي نشبت بين أنصار القاعدة وأنصار داعش في سوريا، وفي درنة نفسها. لهذا ظهر عشماوي في كثير من الأوقات كمن يوالي داعش، مع أنه كان من أشد الحريصين على الاستمرار مع الظواهري. أعتقد أنه كان يريد أن يجد له أرضية بين الدواعش، سواء في سيناء أو غيرها.       

العميد عادل العمدة


ويقول العميد عادل العمدة، المستشار في أكاديمية ناصر العسكرية العليا: لقد كان عشماوي خطيرا. استغل ذكاءه وخبرته في الاستفادة من الجميع. بينما يشير الدكتور محمد الورفلي، القيادي في مؤتمر القبائل الليبية، إلى أن تركيبة درنة الجغرافية ساعدت عشماوي وغيره من القيادات المتطرفة على الاختباء والعمل من داخل الحواري الضيقة للمدينة، ومن منطقة الوديان والجبال المحيطة بها. 
 

الدكتور محمد الورفلي



ويبلغ عشماوي من العمر نحو أربعين عاما. ويقول محمود بوعيسى، وهو خبير في شؤون القبائل بين مصر وليبيا، إن المشكلة التي عرقلت تمدد عشماوي في المجتمع الليبي وفي المدن الليبية الأخرى، كانت تتمثل في التركيبة القبلية الليبية. ويضيف أن العديد من قبائل ليبيا أعلنت منذ 2015 أنها قررت رفع الغطاء الاجتماعي عن أي من أبنائها ممن يلتحق بالجماعات المسلحة والمتطرفة. أعتقد أن هذا لعب دورا كبيرا في أن يكون غالبية أعضاء جماعة عشماوي من المصريين والأجانب، مع وجود عدد أقل من الليبيين.  

حتى الجانب المصري من الحدود، حيث يوجد امتداد قبلي ونسيج اجتماعي شبه موحد بين مصر وليبيا، لم تتمكن علاقات عشماوي القديمة من الصمود، بعد أن كان قد عقدها مع بعض الشخصيات التجارية التي تؤمن بتوجهاته المتطرفة، أو لديها أطماع في تحقيق أرباح، بغض النظر عن مصدرها. ويقول مصدر قبلي إن عشماوي التقى في الفترة التي كان فيها محتجزا في السجن، مع تجار ومع متطرفين من هذا النوع من سيناء وبرج العرب (غرب الإسكندرية) ومن الدلتا المصرية أيضا.

ويضيف: «لقد أدت القبضة الأمنية التي فرضتها السلطات المصرية في البلاد بعد عزل مرسي، إلى تقطع السبل بين كثير من القيادات.. وظل عشماوي في درنة كمن يعمل في جزيرة منعزلة. معظم المجموعات التي حاول إرسالها إلى مصر، من الحدود مع ليبيا، إما تم قصفها بالطيران، أو ألقت قوات حرس الحدود القبض عليها.. والأعداد القليلة التي تمكنت من اجتياز الحدود، نفذت عمليات بشعة في مصر، أشهرها عملية الواحات الأخيرة، التي قتل فيها ضباط وجنود من الشرطة.. ومن قبلها عملية قرب المنطقة نفسها ضد الجيش».       

وبعد انتهاء بريق اسم «الجيش المصري الحر»، وفشله في الاستمرار في درنة، يقول مصدر أمني إن الجماعات الموالية لعشماوي اتخذت لها منذ عام 2015 اسما آخر هو «المرابطون». وانضم لهذه الجماعة المصريون الفارون من سيناء، رغم أنهم كانوا في السابق على خلاف مع عشماوي، بسبب إصراره على الاستمرار في موالاة أيمن الظواهري، ورفضه مبايعة أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش.

وأيا ما كان الأمر فقد ظل منزل عشماوي في مدينة نصر مهجورا، والصدأ يغطي الأقفال على أبوابه، بينما هو ينسج الخطط لتنفيذ العمليات الإرهابية هنا وهناك. وكما يقول بوعيسى، فإن الاسم الكامل لعشماوي هو "هشام علي عشماوي مسعد إبراهيم"، وانضم للقوات المسلحة بمصر في منتصف التسعينات، والتحق بالصاعقة عام 1996، ويضيف أن انتماءه السابق للقوات المسلحة، ووجود بطاقة تعريف خاصة به وصادرة من الجيش، جعلت بعض الليبيين ينظرون إليه كرجل قادر على فعل المعجزات، في ليبيا وخارجها.

ولم تكن خلفية عشماوي معروفة لدى أبناء درنة العاديين أو لوجهاء المدينة. ولم يكن سكان منطقة المغار في وسط المدينة، يعلمون شيئا عن نقله في السابق من الخدمة في القوات المصرية الخاصة، إلى الأعمال الإدارية، بسبب ميوله المتطرفة. كما أن من يدركون مشاكله مع الجيش المصري قليلون، في درنة.

ويقول عبد الله، وهو من وجهاء درنة: فيما بعد، أي في 2017، عرفنا أنه كان قد أحيل للمحكمة العسكرية في مصر في 2007، ثم تم طرده من الخدمة نهائيا بحكم محكمة في 2011. أم قبل هذا فقد كنت أعتقد أنه ضابط مخابرات مصري، يقوم بخداع الجماعات المتطرفة التي كانت تتوافد على درنة من سوريا والعراق وتونس ومصر. وحين بدأ الجيش الليبي في قصف مراكز تابعة لعشماوي في درنة، أدركت أنه قائد لهؤلاء المتطرفين. كانت هذه مصيبة، ولم نتمكن من فعل شيء

وفر عبد الله وأسرته من درنة، وأقام لبعض الوقت في مدينة طبرق المجاورة. لقد كان خطر المتطرفين أكبر مما يعتقد. ويضيف أن كثيرا من سكان درنة لم يكن لديهم ذلك الوعي بخطر الوضع الذي أصبحوا فيه. كانوا يعتقدون أن من يحملون السلاح في المدينة هم الثوار الذين شاركوا في إسقاط حكم معمر القذافي، خاصة بعد أن وقعت حرب في المدينة بين «هؤلاء الثوار» وتنظيم داعش. وفيما بعد عرفنا أن الحرب كانت بين الموالين لتنظيم القاعدة وتنظيم داعش في درنة.

ويقول مصدر في السلطات الأمنية الليبية إن هذين التنظيمين كانا يتحكمان، مع عشماوي، في درنة، ولا تتورع العناصر التابعة لكل منهما عن قتل ونحر كل من يتم القبض عليه من المنتمين للجيش والشرطة الليبية، سواء كان هذا الانتماء قبل 2011 أو بعده. وكانت أشهر ساحات الإعدام تقع في ساحة مسجد الصحابة في وسط المدينة.

ويضيف أن هذين التنظيمين دخلا في خلاف وحرب فيما بينهما، في 2016، وهذا جعل عشماوي ينأى بنفسه عن الدخول في الصراع، حيث عمل فيما بعد، خاصة منذ أواخر 2017، على إعادة التعاون بين المتطرفين في المدينة، حيث كان أتباع تنظيم القاعدة وأتباع داعش يشعرون بأن الجيش الليبي يصر على اقتحام المدينة وتحريرها من جميع المتطرفين، بغض النظر عن التسميات والجهات التي ينتمون إليها.

 

عمر رفاعي سرور

        

ومع اقتراب الجيش من اقتحام درنة، ومع قيامه بتوجيه ضربات قوية ودقيقة لمراكز المتطرفين داخل المدينة وفي الوديان والجبال المحيطة بها، اجتمع قادة هذه الجماعات لوضع خطة مشتركة لمنع الجيش من التقدم، وكان من بين المشاركين في هذه الخطة حسن العسال، وهو قيادي داعشي مصري خطير، كان يحارب مع التنظيم في سوريا والعراق (يعتقد أنه ما زال على قيد الحياة في الصحراء الشرقية من ليبيا)، وكذلك عمر رفاعي سرور، وهو قيادي منتمٍ لتنظيم القاعدة (قتل في مواجهات الجيش والمتطرفين في صيف هذا العام).

ووفقا لمناقشة مطولة مع العميد العميدة، سيكون أمام سلطات التحقيق المختصة الكثير من الألغاز التي سيكون على عشماوي حلها.. مثلا ارتباطاته الخارجية، ومن أين كان يحصل على التمويل، وأسماء الممولين من الدخل الليبي ومن مصر ومن الدول الأخرى. كل هذا سيكون على طاولة التحقيق، ولا بد من إيجاد إجابات على هذه الأسئلة. ويقول: عشماوي صيد ثمين، والقبض عليه حيا يعد ضربة قوية لكل الجماعات المتطرفة في مصر وفي ليبيا وفي المنطقة

وفي كلمة له قبل أيام، أكد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في أول تعليق له على قضية عشماوي، قائلا إن بلاده تعمل على تسلمه من ليبيا لاستجوابه في القاهرة بشأن عمليات إرهابية وقعت في مصر، بينما أوضح مصدر عسكري أن جهات التحقيق الليبية سوف تستجوب عشماوي أولا بشأن كثير من العمليات الإرهابية المتهم بارتكابها في الداخل الليبي، وعلاقته بقيادات سياسية معروفة في الغرب الليبي.

لقد ظلت قيادات حاكمة في طرابلس ومدعومة من المجتمع الدولي، توجه الانتقادات والمناشدات ضد المشير حفتر، حين بدأ بفرض حصار على درنة، حيث كانت تلك القيادات تقول إن درنة لا يوجد فيها إرهابيون، وأن من يحملون السلاح فيها هم «ثوار ليبيون» وأنه لا يوجد أي متطرفين أجانب في المدينة، وكانوا كذلك يطالبون المجتمع الدولي بالتدخل لدى حفتر لفتح مسارات آمنة لخروج المحاصرين في المدينة.

ويقول الدكتور الورفلي: القبض على عشماوي حيا، والقبض على أجانب آخرين كانوا يتزعمون الجماعات المتطرفة في درنة، يثير كثيرًا من التساؤلات عما إذا كانت بعض قيادات العاصمة، متورطة في شبكات المتطرفين، ليس في درنة فقط، ولكن في عموم ليبيا.

ويضيف العبيدي: نعم.. كان بعض القادة في طرابلس يقولون دائما إن درنة لا يوجد فيها إرهابيون.. وحين نتحدث عن هذا الأمر، يرفضون الاستماع إلينا. لقد استولى المتطرفون على بيتي. واضطررت للهجرة من المدينة. وبالقبض على عشماوي، وعلى المتطرفين الآخرين في درنة، أعتقد أن الكثير من الأسرار سوف تخرج إلى العلن.

 

مختار بلمختار



ووفقا لمطلعين على عمل الجماعات المتطرفة في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، فقد تمكن عشماوي، وهو على ولائه لتنظيم القاعدة، من نسج علاقات قوية أيضا بزعماء لداعش، من بينهم ليبيون ومصريون وتونسيون. ويقول الدكتور إبراهيم: التنظيم الذي ينتمي إليه عشماوي له امتدادات في الجزائر وتشاد وغيرها من الأماكن. بينما يشير الدكتور الورفلي، إلى أن عشماوي كانت لديه خبرة من الحروب التي وقعت بين داعش والقاعدة في سوريا في السنوات الماضية، لهذا أعتقد أنه كان يتجنب الصراع بين الجماعات المتطرفة.

وبحسب ما انتهت إليه تقارير أمنية في بنغازي، يوجد نواب في كل من المجلس الرئاسي ومجلس الدولة، في طرابلس، وهما مجلسان مدعومان من الأمم المتحدة، ينتمون لجماعات متطرفة، من بينها الجماعة التي كان يقودها عشماوي. وتشير هذه التقارير إلى صلات قوية لعشماوي بشخصيات تقود إرهابيين في مصر وشمال مالي وجنوب الجزائر، وفي تشاد والنيجر، من بينهم القيادي الجزائري الإرهابي، بلمختار، الذي ينشط حاليا في وسط أفريقيا وجنوب ليبيا.

 

جانب من مبنى تابع للأمن على شاطئ درنة بعد أن حوله المتطرفون إلى ما سموه «مقر المحكمة الإسلامية»، وأصبح أخيرا تحت سلطة الجيش. (صورة خاصة لـ«المجلة»)



وتشير تحقيقات مبدئية إلى أن عشماوي ليس مهما لليبيا ومصر فقط، ولكنه يحظى بأهمية لدى دول أخرى تقوم بمطاردة الإرهابيين في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، من بينهم بلمختار نفسه، وآخر، جزائري أيضا، يدعى أبو الهمام (يعتقد أنه مقبوض عليه في درنة منذ شهرين ولدى الجيش الليبي)، ومغربي يلقب بالحدوشي (يعتقد أنه فر خارج ليبيا)، ومصري متطرف يدعى بهاء علي، تم القبض عليه مع عشماوي، وكذلك القيادي الليبي المطلوب دوليا، مرعي زعبية، والذي جرى القبض عليه أيضا عند مداهمة مخبأ عشماوي.

وبينما يقول اللواء قشقوش، إن القبض على عشماوي «يعني تدمير البنية التحتية للعناصر الإرهابية، بشكل كبير ومؤثر»، يبدو منزل هذا الضابط المفصول، في ضاحيته في شرق القاهرة، مهجورا ومعزولا، بجدرانه التي لم تجد من يكسوها بالإسمنت، أو يبث فيها الحياة.