شتاء 2019 يكشف هشاشة البنية التحتية للدولة اللبنانية

من أسوأ الفصول التي مرت بتاريخ البلاد

* تأسست البنية التحتية في لبنان بعد الحرب الأهلية التي انتهت في تسعينات القرن الماضي.
* خلال الكوارث يلحظ اللبنانيون بطئًا في تحرك الإدارات المسؤولة عن متابعة ما تسببه العواصف الثلجية في المناطق اللبنانية.

بيروت: يمكن القول إن شتاء عام 2019 هو من أسوأ الفصول التي مرت بتاريخ الدولة اللبنانية التي تأسست بنيتها التحتية بعد الحرب الأهلية التي انتهت في تسعينات القرن الماضي.
هذه البنية التحتية صارت شبه مهترئة، وعملية إصلاحها أو تبديلها شبه معدومة. فاللبنانيون يوميًا عبر منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي يشتكون من أزمة السير الخانقة التي يواجهونها عند الوصول إلى جسر جل الديب، وهو معبر رئيسي لأبناء محافظتي المتن والشمال نحو بيروت.
في 12 يناير (كانون الثاني) من عام 2019 استيقظ اللبنانيون على خبر انجراف كبير لتربة ابتلعت أوتوستراد محافظة صور المؤدي إلى قلب الجنوب، وكشف الفيديو الذي تداوله اللبنانيون عن حالة رعب حصلت على الأوتوستراد، فالسيارات كانت على وشك الاصطدام بعضها ببعض، كما فضح الفيديو سوء الإنارة المستخدمة لإضاءة الطريق ليلاً، والتي يشكو منها دائمًا سكان الجنوب وعابرو أوتوستراده الرئيسي.
اللبنانيون الذين تلقوا فيديو مدينة صور لم يستغربوا المشهد، بل حولوه إلى مادة للسخرية وللتحسر على وضع البنى التحتية اللبنانية. أحد الناشطين كتب تعليقًا على حالة السخرية التي اجتاحت الناشطين أثناء تداولهم هذه المواد التي تظهر ما يحصل في المدن نتيجة العواصف بالقول: «الشعب الذي يسخر من مصائبه، اعتاد للأسف على الصمت على وضعه المزري».
موسم هذا العام حمل إلى اللبنانيين الكثير من المشاهد الصادمة، ففي 8 يناير من العام نفسه تداول الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي التفسخ الكبير في جسر الكولا، وهو جسرٌ شهير يربط مناطق بيروت، وممر رئيسي بين ضواحي بيروت ومركزها الإداري. أظهرت صورة الكولا تصدعا مخيفا في أسفل الجسر الذي تقول الدولة إنها تنفذ أعمالا لإصلاحه وتطويره، ولكن واقع الصور المتداولة وما يلحظه شهود عيان يمرون يوميًا في الجسر يتحدثون عن أن الجسر ليس بخير حالة كحال عشرات الجسور في لبنان غير المهيأة لاستقبال كثافة السيارات ولا عواصف كعاصفتي «نورما» و«تريسي» مطلع هذا العام.
في يونيو (حزيران) 2018. اجتاحت السيول مدينة رأس بعلبك الجبلية، وأدت المياه العنيفة التي كانت تصب من أعالي تلال محيطة بالسلسلة الشرقية البقاعية إلى مقتل الفتاة شهيرة بلعيس، وتدمير مزارع كبرى للمواطنين، ويحذر حاليًا أبناء البقاع من حصول كارثة مشابهة في الفترات القادمة. وشهدت المنطقة في نهاية العام نفسه سيلا للمياه اجتاح قرى بقاعية ولمح المواطنون إلى أن سبب السيول يعود إلى انعدام خطط تطوير البنى التحتية في المنطقة وانسداد المصارف الصحية وعدم إنجاز مشاريع لتوسعتها.
في بيروت صار موعد أبناء ضواحيها الأكثر فقرًا مع مشهد طوفان نهر الغدير أمرا معتادًا، رغم مناشدة السكان لإيجاد حل للأزمة المتكررة التي يخلفها نهر الغدير الذي يمر في منطقة شويفات ويعبر أحياء الغدير وهي منطقة مهمشة تقبع في نطاق مدينة حي السلم المبنية على مشاعات وتعاني المباني والبنى التحتية فيها من تخلف واضح للعيان، ومفارقات هذا العام كما وصفه الناشطون أنه تحول إلى «نهر نفايات» ففي العاصفة الأولى التي هبت على لبنان حمل جرف النهر معه آلاف أكياس النفايات والمواد الكيماوية ومخلفات البناء من المصانع ومشاريع البناء المنتشرة في الشويفات.
ومن بين مشاهد الشتاء العنيفة، ما حصل في مدينة الضنية الشمالية، فقد أدت شتوة «أيلول» العام الماضي إلى غرق ممتلكات عامة وخاصة بسيول الوحل، وتداولت الصحف صورة جسر الضنية الممتلئ بالمياه، ويقف في وسطه سيارات عالقة، وفي أسفل الجسر ظهر تفسخ أدى إلى تسرب كميات كبيرة من المياه أخذت شكل شلال.
كذلك واجهت مدينة شكا الشمالية انكسار أحد الجدران الداعمة لجسر شكا الدولي، ما أدى إلى انهيار التربة وهو ما عرض حياة المارة على الأوتوستراد الذي يعبره يوميًا آلاف السيارات السريعة، إلى إمكانية حصول تدهور لسياراتهم أو اصطدامها. وبعد تسعة أيام من حادث انهيار الحائط، نشر ناشط فيديو من أمام الجسر منتقدًا إهمال المعنيين لحادث تحطم الجدار، والذي تبيّن أنه لم يتم إصلاحه بل قامت الأجهزة المعنية برفع الركام فقط وتحويل السير إلى طريق فرعي.

كوارث الصيف أيضًا

الكوارث التي يواجهها لبنان ليست حصرًا على ما يحمله فصل الشتاء سنويًا للبنانيين، ففوضى التخطيط المدني وتراجع مستوى البنى التحتية تنكشف ملامحها في موسم الصيف الذي دائمًا ما يحمل الكثير من المشاكل، كاشتعال المولدات الكهربائية التي تنتشر في الأساس بشكل عشوائي بين الأحياء والتي تؤدي الغازات السامة الصاعدة منها إلى آفات صحية يعاني منها لبنانيون، بالإضافة إلى أن لبنان سنويًا يشهد احتراق مئات آلاف الهكتارات من الأشجار نتيجة انعدام مشاريع ري الأحراج الكبرى في موسم تشهد فيه الحرارة ارتفاعًا كبيرًا تصل إلى 40 درجة مئوية.
عام 2015 شهد لبنان هزة أرضية ضربت مدينة صور، استرجع خبراء وإخصائيون في التنمية الشاملة مناشدتهم للسلطة اللبنانية من أجل تطوير أداء الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث الطبيعية.
يقول الصحافي حسن عباس لـ«المجلة»: «من الطبيعي أن نشاهد هبوط لافتة على سيارة في حالة الأعاصير والعواصف، والأمر نفسه عندما نشاهد حوادث سير سببها المطر أو عندما نستمع إلى خبر انزلاق للتربة، لأننا نرى مثل هذه الأمور تحصل في بلدان متطورة على صعيد بنيتها التحتية، ولكن الغريب في لبنان، هو تكرار الأحداث نفسها سنويًا. عندما تتكرر مشاكل كبرى في بلد تأتيه عواصف مؤذية سنويًا، ولا تقوم الدولة بوضع خطط للوقاية من أضرار العواصف، وبالتالي من الواضح أن هنالك خللا تعانيه المنظومة التي تدير البنى التحتية.
ويضيف عباس: «ليس من المعقول أننا سنويًا نكون على موعد مع طوفان المياه في مناطق وطرقات محددة. لبنان يستقبل سنويًا كمية كبيرة من المياه. يجب أن تكون بنيته التحتية وشبكة الصرف الصحي مهيأة لاستيعاب هكذا كميات إما للاستفادة منها أو كي لا تؤدي إلى أزمات، ولا يوجد أي مشروع عملي لذلك.
بحسب عباس فإن المشكلة الثانية التي يعانيها لبنان، أن كمية التخريب التي ترافق العاصفة ونوعيتها «كتدمير جدران الأوتوستراد، أو سقوط أقسام من الجسور، فهذا يدل على أن هنالك شيئا لم ينفذ بشكل صحيح، لأن عملية بناء الجسور والأوتوستراد أو أي مشروع بنيوي يجب أن يلحظ إمكانية هطول كميات كبيرة من الأمطار، فإذا أدت العواصف إلى كل هذه الأضرار فإن ذلك يعني وجود مشكلة في كافة الالتزامات التي تمنحها الدولة للشركات التي تقوم ببناء المرافق الحيوية».
أما المهندس ومنظم البنى التحتية مصباح رجب فروى لـ«المجلة» فقد لاحظ إمكانية انهيار حائط شكا قبل فترة من حصول الكارثة، وحاول لفت أنظار معنيين بالموضوع، ولكن لم يلقَ آذانا صاغية.
يشغل مصباح رجب منصب أستاذ في الجامعة اللبنانية، ولديه الكثير من الدراسات حول التخطيط المدني، وبحسب رأيه فما يحصل في لبنان «ليس مفاجئًا، فمن عشرات السنوات لا يوجد تخطيط، ولا إدارة أزمات وكوارث، ولا توجد مقاربات تكاملية للمناطق أو للبنى التحتية، وعندما لا يكون هنالك تخطيط بعيد الأمد فإن كل ما تنجزه الدولة على صعيد البنى التحتية إما ينجز بسرعة ويتعرض للضرر السريع وإما أنه لا يرتبط تنظيميًا بالمناطق الأخرى».
يقول المهندس إن لبنان يفتقد إلى «هيئة تخطيط» و«وزارة تخطيط». مؤخرًا حاولت بعض الأحزاب التذكير بها، ولكن طالما أن الحكومة اللبنانية غير مشكلة، فإن هذه الوزارة غائبة. ومن مهام وزارة التخطيط أن تقوم بوضع منظور بنيوي مستقبلي للمناطق، كملاحقة التطور السكاني والعمراني ومتابعة التحديات المركزية للمناطق.

في الوقت الراهن، يواجه لبنان أزمة تشكيل الحكومة، إذ من المتوقع في حال ولادتها أن تتضمن وزارة التخطيط أو التصميم. هذه الوزارة تم تعطيلها بعدما انتهت الحرب الأهلية، وكانت فاعلة بين عام 1956 إلى عام 1977. وتاريخيًا كان لهذه الوزارة رمزيتها الكبرى إذ تولى رئاسة حقيبتها رئيس الحكومة صائب سلام.
ولهذه الوزارة خصوصيتها، إذ إن في السابق كان يطلق عليها اسم الحكومة المصغرة، لأنها تضم وزيرا و10 متخصصين في مجالات اقتصادية واجتماعية وبيئية وطوبوغرافية وعمرانية... إلخ.
عام 2016 أنشأ لبنان وزارة دولة لشؤون التخطيط رغم غياب كيانها الفعلي أو مقر رسمي لها. لم يفلح لبنان في إعادة إحياء هذه الوزارة رغم ضرورتها، لأسباب طائفية، ذلك أن المحاصصة المذهبية بين القوى المهيمنة على البلد تفضل مجالس صغرى على أن يكون هنالك وزارة جامعة تهتم بكل المناطق اللبنانية ضمن خطط تنموية شاملة، ومن بدائل وزارة التخطيط حاليًا، مجلس الخدمة المدنية، ومجلس الإنماء والإعمار، ومجلس المهجرين، ومجلس الجنوب، ويظهر بين الفينة والأخرى حديثٌ عن مطالبة بعض الكتل الحزبية لإنشاء المزيد من المجالس.
يلفت المهندس رجب إلى أوتوستراد جونيه الدولي، والذي تقوم حاليًا الدولة بإصلاحه لتحسينه وتوسعته، والذي كان يجب إصلاحه قبل الشتاء. تعاني أغلب الجسور اللبنانية من تسريب المياه، وتقوم بعض الشركات التي تلزمها الدولة بمهمة إصلاح الجسور بترقيعها، وهو ما كشفته عاصفة نورما التي أدت إلى سقوط جزء سفلي من جسر الكولا الشهير في مدينة بيروت، ويمكن ملاحظة تسرب المياه من التشققات.
لا يستبعد المهندس حصول كوارث جديدة في لبنان، طالما أننا ما زلنا في بدايات موسم الشتاء الذي من المتوقع أن يمتد إلى أكثر من ثلاثة أشهر.
خلال الكوارث يلحظ اللبنانيون بطئًا في تحرك الإدارات المسؤولة عن متابعة ما تسببه العواصف الثلجية في المناطق اللبنانية، ففي عام 2013 شكلت الحكومة اللبنانية لجنة عليا لإدارة الكوارث، ولكن هذه اللجنة التي يجب أن تكون موجودة في أماكن حصول الكوارث كانت غائبة تمامًا عن المشهد، وعليه يختم رجب بالقول: «نحن نتحرك بعد المشكلة ولا نخطط لتجنب وقوعها».