معايير «التكريم» و«التجريم» بين ما هو أخلاقي وما هو وطني

قراءة جديدة: جمال عبد الناصر... مؤسس سياسة الإقصاء
* هناك حقائق رئيسية غائبة، أولها أن حقيقة عبد الناصر تختلف اختلافًا كبيرًا عن صورته، وأن السياق التاريخي لتجربة الرجل، داخليًا وإقليميًا ودوليًا، لا يمكن استنساخها.
* من الملامح المهمة للمرحلة الأولى من تجربة عبد الناصر أنها تنسف المقولة الأكثر ارتباطًا بالهالة التي أحاطت به وهي هالة مواجهته للغرب، وبخاصة أميركا.
* وبدلاً من إنصاف ضحايا الديكتاتور أصبح كثير من مروجي فكرة إعادة إنتاج التجربة الناصرية يمتدحون الديكتاتورية نفسها ويدبجون قصائد الهجاء في الديمقراطية.

قبل أعوام كنت ضيفًا في أحد برامج التلفزيون المصري الرمضانية في حوار عن العلاقة بين الدراما والتاريخ، وكان أحد المسلسلات التلفزيونية الأكثر مشاهدة آنذاك مسلسل «أدهم الشرقاوي» وهو وطني مصري كانت حياته موضوع فيلم سينمائي شهير. وقد لفت نظري تكرار ذكر عدد من الضيوف أن الحقائق التاريخية تؤكد أن أدهم الشرقاوي كان لصًا. وتوقفت أمام هذه الملاحظة وسألت عن مغزى أن يحتفي الضمير الجمعي بـ«لص» وفاجأني مثقف ناصري معروف بأن أدهم الشرقاوي ليس اللص الوحيد الذي أصبح رمزًا وطنيًا، ومنذ ذلك الحين تشغلني قضية معايير «التكريم» و«التجريم» بين ما هو أخلاقي وما هو وطني.
 
من النماذج المهمة التي صادفتني في رحلة البحث في هذه القضية قصة زعيم وطني روماني شهير. ففي أثناء التوسع العثماني في شرق أوروبا عرفت رومانيا واحدًا من أشهر أبطالها الوطنيين هو الأمير فلاد تيبيس، ومما لا يحتاج إلى بيان درجة الأهمية التي كانت تمثلها «مقاومة العثمانيين» في وجدان شعوب شرق أوروبا في هذه المرحلة، حيث كان «خطر التوسع العثماني» بالضبط في مكانة المشروع الصهيوني بالنسبة إلى مسلم أو عربي معاصر. كان هذا الأمير «فلاد تيبيس» أحد أشهر رموز هذه المقاومة. لكن فلاد تيبيس في الوقت نفسه كان مستبدا لا يتورع عن خطيئة بحق شعبه.


 
ناصر الأول... ناصر الثاني
بعد سقوط نظام محمد مرسي احتفل الخطاب العام في مصر (السياسي والإعلامي والتحليلي) بسيل من الأدبيات المكتوبة والمسموعة والمرئية تؤكد بيقين يبعث على الرعب أن الحل في استنساخ تجربة جمال عبد الناصر؛ كمخرج من الأزمة السياسية في مصر آنذاك.
لكن ما استوقفني هو أن هناك حقائق رئيسية غائبة، أولها أن حقيقة عبد الناصر تختلف اختلافًا كبيرًا عن صورته، وأن السياق التاريخي لتجربة الرجل داخليًا وإقليميًا ودوليًا لا يمكن استنساخها.
وبعض المتخصصين عندما تعاملوا مع شخصيات تاريخية مؤثرة – سياسيا أو ثقافيًا أو اجتماعيًا – رأوا أن الموضوعية تقتضي تقسيم سيرتهم إلى مراحل، وثمة نماذج أخرى كثيرة. وفيما يخص عبد الناصر فإن مسيرته في الحقيقة يمكن تقسيمها إلى مرحلتين أساسيتين: «ناصر الأول» وتمتد حتى 1956، و«ناصر الثاني» وتمتد حتى النكسة التي هي – عند أي باحث منصف – نهاية عبد الناصر الحقيقية.
ومن الملامح المهمة للمرحلة الأولى من تجربة عبد الناصر أنها تنسف المقولة الأكثر ارتباطًا بالهالة التي أحاطت به وهي هالة مواجهته للغرب – وبخاصة أميركا – وهو ما يتم استحضاره في بعض وسائل الإعلام وتكريسه بإلحاح شديد، وطبعًا دون أدنى تدقيق!
فمثلاً، مما أورده جيفري أرونسون في كتابه القيم: «أميركا تخرج من الظل» أن السفير المصري في أميركا قال ما يلي واصفًا العلاقات المصرية الأميركية بعد يوليو (تموز) 1952: «من الأكيد أن مصر بحكم آيديولوجيتها إنما هي حليف طبيعي للدول الغربية الحرة. وبالطبع فإننا من الناحية الفعلية نقع في أفريقيا كما أن النيل شريان الحياة لمصر يستمد مياهه من قلب القارة في إثيوبيا والسودان. إلا أن ثقافتنا إنما تقوم على الحضارتين الإغريقية- الرومانية، واليهودية- المسيحية- الإسلامية اللتين منحتانا مصلحة حقيقية في قضية الحرية والديمقراطية، فباعتبارنا أمة تؤمن بصورة راسخة بالله والملكية الخاصة فإننا نعارض العقائد الشيوعية القائمة على الإلحاد والمادية الجماعية».!
ومن الكتابات المهمة الصادرة حديثًا التي أرى أنها ضرورية في الجمع بين التقييم الأخلاقي والوطني لعبد الناصر، وكذلك أخذ التحول في شخصه في الاعتبار كتاب مهم صدر حديثًا للباحث السوداني محمد علي صالح هو: «شخصية عبد الناصر في الوثائق الأميركية: ماذا كان سيكتب في مذكراته عن علاقته مع أميركا». وهو في مفتتح الكتاب يقول عن عبد الناصر: «هتفت له لأنه كان (محرر العرب) وفي أميركا انتقدته لأنه كان ديكتاتورًا». وهو بهذا وضع يده – إلى حد كبير – على ما افتتحت به هذا المقال: أن الاستبداد لا يمكن التسامح معه مقابل ما نعتبره وطنية.
وفي كتابه الممتع «أول حكاية: حكايتي مع الدبلوماسية» يحكي الكاتب المعروف (الدبلوماسي السابق) جميل مطر قصة محاولة انقلاب عسكري فاشل قام بها نظام عبد الناصر في الأرجنتين في الستينات في الوقت الذي كان خطابه هو شخصيًا وخطاب إعلامه لا يكاد ينشغل إلا بمواجهة «الإمبريالية الأميركية» فإذا به يتورط في محاولة لقلب نظام حكم رئيس منتخب!
وأحداث السيرة تبدأ عام 1964 بداية ساخنة من العاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس أهم محطة في رحلة جميل مطر الدبلوماسية وفي المحطة الأولى نجد مطر منقولاً من شيلي قبل أن يكمل مدته فيها بسبب رغبة رجال عبد الحكيم عامر في نقله من هناك.
وبعد أسابيع كان السفير الذي استقبل مطر في الأرجنتين يقيم حفلاً للتوديع للانتقال لسفارة الأخرى. وبدأ الفصل الأكثر إثارة، فبعد رحيل السفير أصبح هناك ثلاثة دبلوماسيين وموظف إداري عليهم القيام بعبء العمل دون سفير وكان نصيب مطر من المسؤولية ملفات كثيرة بينها الملف الاقتصادي الذي وضعه مرة أخرى في وضع تصادمي مع السفير الذي رحل لأنه سرعان ما عاد مرة أخرى يحمل لقب «معالي الوزير» ورسالة من عبد الناصر للرئيس الأرجنتيني أرتورو إيليا وتكليف بمهمة «إنقاذ مصر من الجوع»!
وخلفية الأزمة التي جاء الوزير لمعالجتها تتمثل في أن الرئيس الأميركي كيندي كان يحاول إقامة علاقات جيدة مع مصر وكان القمح من أهم ما يقدمه لمصر ضمن برنامج المعونة وباغتياله تولى الرئاسة نائبه ليندون جونسون وقرر تغيير السياسة الأميركية إزاء مصر فقرر في وقت مبكر من عام 1965 وقف شحنات القمح لمصر وتزامن هذا مع أزمة كبيرة في القمح واللحوم وكانت الأرجنتين من أكثر دول العالم إنتاجا لهما. وبالتالي عاد السفير – بعد أن أصبح وزيرا – ليتفاوض معه الحكومة الأرجنتينية على إمداد مصر باحتياجاتها من السلعتين.
والمفارقة التي يصدم بها جميل مطر قارئه هي التالي: الدبلوماسي الشاب بمجرد عمله في السفارة ركز على الجانب الاقتصادي وكان الحدث الاقتصادي الأبرز الذي توقف عنده في مطلع العام 1965 ما سمي وقتها «صفقة القرن» وعقدت بين الأرجنتين والصين عام 1964 وبمقتضاها تشتري الصين كل فائض القمح الأرجنتيني لسنوات قادمة. وكانت التقارير بشأن هذا الموضوع المهم تنقل للقاهرة باستمرار. وذات يوم من ربيع 1965 وصلت السفارة برقية تفيد بأن الوزير – الذي كان قبل قليل سفيرا في الأرجنتين يصل بوينس أيرس في التوقيت الفلاني على رأس وفد اقتصادي لعقد اتفاق لاستيراد قمح من الأرجنتين، واتصلت إدارة الشرق الأوسط بالخارجية الأرجنتينية تطلب تحديد موعد عاجل لمديرها مع «المختص» في السفارة عن الشؤون الاقتصادية وكان هدف الدبلوماسي الأرجنتيني معرفة معلومات عن طبيعة الموضوعات الاقتصادية التي يريد الوفد المصري مناقشتها ولم يكن عند جميل مطر رد يشفي غليله فقال بوضوح: «نرجو أن لا يكون ضمن الموضوعات المطلوب مناقشتها موضوع القمح».
وكان الوزير – السفير السابق – الذي يرأس الوفد مصرا على فتح موضوع القمح مرات في المفاوضات حتى ضاق المفاوضون الأرجنتينيون وعرضوا على الوفد التوسط لدى أي طرف ثالث في أميركا اللاتينية يكون لديه أو تقديم تسهيلات ائتمانية لمساعدة مصر. وفي اليوم الذي قرر فيه السفير تقديم نفسه للمجتمع الدبلوماسي بحفل عشاء على شرف الوفد الاقتصادي المصري حدثت الكارثة!
وفوجئ جميل مطر بأنه مطلوب في الخارجية الأرجنتينية على الفور ليتلقى بنفسه رسالة «بالغة الأهمية»، وكانت الرسالة أن رئيس الوفد المصري طلب سرًا الاجتماع ببعض ضباط الجيش المحالين للاستيداع وأبلغ عددا منهم رغبة حكومة الرئيس عبد الناصر أن يتدخلوا بأي شكل يرونه مناسبًا لدى «الحكومة المنتخبة» لتسهيل إجراءات صفقة القمح، كما أن جهات أمنية سجلت هذه اللقاءات ولقاء آخر جرى مع ضابط أو أكثر داخل معسكر متاخم للعاصمة وأن الضيف المصري ربما لمح إلى استخدام العنف من جانب العسكر إذا استدعى الأمر وبخاصة أن الأزمة الاقتصادية كانت في أوجها وأن الرأي العام سيكون مؤيدا للتدخل العسكري في الحكم!
وصدر قرار بطرد الوفد «رسميًا».... واشترك الجميع في إسدال الستار!


 
في المستنقع اليمني
وفي ملف علاقات ناصر الخارجية أيضًا تحتل شهادة لم يكتب لها كثير من الذيوع أهمية كبيرة في إلقاء الضوء على الجانب المظلم لأسطورة الدور المصري في مساندة ثورة اليمن، فالعميد مهندس ألفي أنور عطا الله في كتابه: «حكايات لذيذة كانت محظورة النشر: عبد الناصر 62 – حرب اليمن وانهيار الاقتصاد» يكشف – كشاهد - حقيقة إلقاء الغطاء الذهبي للجنيه المصري على بعض القبائل من الطائرات لشراء حيادها في الحرب، ويحكي أيضًا كيف كرمه أحد قادة الثورة اليمنية بدعوته لحضور «محكمة ثورة».
ويحكي العميد ألفي كيف تم تداول القضية في دقائق معدودة ليصدر الحكم بطريقة هي الأولى من نوعها، إذ تم الحكم على المتهمين وفقًا لرقم وقوف كل منهم في الصف، فكانت عقوبة أصحاب الرقم الفردي: 1 – 3 – 5... هي الإعدام رميًا بالرصاص مثلاً، بين عقوبة أصحاب الرقم الزوجي: 2 – 4 – 6... هي السحل، ثم كانت قمة التكريم بدعوته لحضور السحل!!
 
الحقيقة تحت الطاولة
ومن العوامل المؤثرة بشكل ملموس في ارتفاع نغمة البحث عن «ناصر جديد» كخيار مستقبلي غياب الحقائق، وقد روى إعلامي مصري معروف كيف عاتبه قيادي فلسطيني كبير بعد حوار تلفزيوني معه لأنه سأله على الهواء عن الاتفاق الذي وقعه عبد الناصر لتوطين الفلسطينيين في العريش، وأردف قائلاً: «أصدقاؤنا الناصريون يغضبون جدًا من ذكر هذه المعلومة»!.
والقصة ببساطة أن الشيوعيين والإخوان في قطاع غزة تحالفوا ضد ناصر في 1954 وتاليًا تمكنوا من سرقة اتفاق سري وقعه ضباط يوليو لتوطين الفلسطينيين في العريش وقاموا بطباعته وتوزيعه في قطاع غزة لتحدث فضيحة سياسية كبيرة يراد لها ولأمثالها أن تظل «تحت الطاولة»، وعندما تغيب الحقائق والوثائق يتعلق الناس بالأوهام، وبخاصة في الأزمات.
وفي برقية أوردها محمد علي صالح في كتابه جاء أن ضباط يوليو: «ثانيًا: يقفون وقفة كاملة مع الولايات المتحدة، ويعارضون الشيوعية معارضة كاملة... ثالثًا: مشكلتهم الأولى هي إقناع الشعب المصري بالصداقة مع أميركا، وبأخطار الشيوعية... رابعًا: مقابل ذلك مستعدون لتقديم التزامات سرية»، و«تقديم التزامات علنية في الوقت الحاضر سيدمر فرص تحقيق الأهداف»!
والأمثلة كثيرة جدًا على المسافة بين الحقيقة والصورة، وبخاصة في ظل غياب واضح للقوانين المنظمة لتداول الوثائق الرسمية والسيطرة الكاسحة للمثقفين ذوي الميول اليسارية في الإعلام والسياسة، ما يجعل المواقف المسبقة والانحيازات السياسية أكثر تأثيرًا من الحقائق والوقائع.


 
الردة عن المراجعة
من الدلالات السلبية جدًا لهذا الإلحاح على إعادة إنتاج «ناصر جديد» أنه كشف عن ردة تاريخية في الخطاب الناصري وبخاصة تجاه قضايا الحريات، فخلال ما يقرب من عشرين عامًا مضت كانت هناك مواقف معلنة كثيرة تعترف بغياب الديمقراطية في تجربة عبد الناصر وتعتذر عن انتهاكات حقوق الإنسان في محاولة لبناء «ناصرية جديدة»، فإذا بالقسم الأكبر من الخطاب الناصري يعود إلى الحديث عن التجربة بلغة جديدة لا تكاد تذكر المثالب، بل يرى البعض أن ما حدث خلال عام من حكم الإخوان يمنح عبد الناصر صك براءة من كل ما كان الناصريون قد امتلكوا شجاعة الاعتراف به!!
وبدلاً من إنصاف ضحايا الديكتاتور أصبح كثير من مروجي فكرة إعادة إنتاج التجربة الناصرية يمتدحون الديكتاتورية نفسها ويدبجون قصائد الهجاء في الديمقراطية التي تتحمل القسم الأكبر من المسؤولية عن خيبات المستبدين!
            
* مؤلف وباحث مصري، كاتب مقال رأي في كثير من الصحف العربية. صدر له أكثر من 30  مؤلفًا في القاهرة وبيروت ودبي ومسقط، بينها روايتان وعدة دوواين ومسرحية. حاز على عدة جوائز في الشعر والمسرح والرواية داخل مصر وخارجها.
 

 


اشترك في النقاش