الإيرانيون... أربعون عاماً يتيهون في الأرض

فقر وفساد... جهل ومرض... قمع وإعدامات
* بعد أربعة عقود من الثورة... إيران لا تزال سجينة خلف قضبان الآيديولوجية والشعارات التأسيسية
 
* «الموت للديكتاتور» شعار يتكرر... وأطفال الثورة الإيرانية يسخرون منها
 
* إيران دخلت القرن الـ20 بمشروعات زراعية وصناعية... واستقبلت القرن الـ21 بمشروع نووي لزعزعة استقرار المنطقة
 
* طهران تستخدم «داعش» قنبلة تفريغية للمناطق ذات الكثافة السنية
 
* رغم تشبع إيران بالدين فإنها تتحول بقوة إلى بلد مقاوم للملالي
 
* كان أقل من نصف السكان يفهمون اللغة الفارسية والآن تفرض على كل الأعراق والثقافات داخل إيران

القاهرة: لم يكن ذاك الشاب العشريني وقتها يدرك حين خرج يهتف بالحرية ورفض القمع أن يأتي يوم لا يستطيع فيه أن ينبس ببنت شفة، ولم يكن ذلك الرجل الأربعيني الذي قضى في المظاهرات ضد الفساد وطلباً للحياة الكريمة يعلم أن أبناءه سيسكنون من بعده مدن الصفيح وفي المقابر، ولم تكن تلك المرأة التي خرجت لتطلب وظيفة تدر عليها دخلاً تتخيل أن تصبح هي نفسها الوظيفة، حتى ذلك الرجل الستيني الذي خرج لتكون مملكته جمهورية إسلامية لم يكن ليخطر بباله أن يتحول بلده إلى مزرعة للملالي استبدلوا فيها العمامة والعباءة بالتاج الملكي... لم يكن كل هؤلاء يعلمون حين خرجوا عام 1979 لإطاحة شاه إيران محمد رضا بهلوي، أنهم بأيديهم صنعوا ديكتاتورية ذهبت إلى حدٍ تصبح معه أيام الشاه «أزهى عصور الديمقراطية والرفاه»... بعد أربعين عاماً من حكم الملالي كيف أصبحت إيران والمنطقة والعالم؟
كان الشاه محمد رضا بهلوي مسكوناً بحلم استعادة الإمبراطورية الفارسية القديمة، وبناء دولة إيرانية على الطراز الحديث، فعمل على إحياء القومية الفارسية عبر بتّ الصلة مع كل ما هو إسلامي، ظناً منه أن الإسلام يقف عائقاً أمام تحقيق هذا الحلم، ومتبنياً نظرية الجذور الآرية للعرق الفارسي التي تربطه ببعض الدول الأوروبية، وهي النظرية التي دعمها المثقفون والتنويريون الفرس، اعتقاداً أن هذا الربط العرقي يستتبع ربطاً وتشابهاً على المستويات الثقافية والاقتصادية والعسكرية... توترت علاقة الشاه بالشعب الإيراني على المستوى الداخلي؛ فقمع الأقليات وهضم حقوقها وأراضيها لصالح العرق الفارسي، بل امتد القمع إلى داخل العرق الفارسي نفسه لصالح رؤيته هو لمستقبل وطموح الدولة الإيرانية... ووجّه موارد الدولة بشكل شبه كامل لتحقيق «الدولة الحلم» على أرض الواقع، وللإنفاق ببذخ على صورة إعلامية متخيلة لهذه الدولة، وهو ما زحف على حق الشعب الإيراني في عيش حياة تساوي ما تتمتع به دولته من موارد ومقدرات...
في 11 فبراير (شباط) 1979، اجتاح الشعب الغاضب، بدعم من وحدات بالجيش تم الدفع بها لمساعدة الخميني، ومجموعات من رجال العصابات، العاصمة طهران بالكامل... ثكنات الجيش، ونقاط الشرطة، ومقر السافاك، والسجون، ومقر رئيس الوزراء، والبرلمان... كلها انهارت أمام غضب جمهور متدفق... انهار نظام الشاه وانتصرت الثورة.


 
* شعار يتكرر
 
في عام 1979 دوّى في كل إيران هتاف «الموت للديكتاتور» لإطاحة الشاه، وتظهر مشاهد مصورة المتظاهرين وهم يحرقون صور محمد رضا بهلوي، وبعد أربعين سنة؛ ها هو الهتاف نفسه يعود من جديد... «الموت للديكتاتور» مقصوداً به هذه المرة المرشد الإيراني علي خامنئي، ويطال الحرق صورتي المرشد الأول الخميني والمرشد الثاني خامنئي، وكأنه قُدّر للشعب الإيراني أن يرزح تحت نير المشهدين وفيما بينهما.
فور إطاحة الشاه، عمل الخميني على تثبيت نفسه على كرسي السلطة، وأثبت لنفسه في الدستور الإيراني صلاحيات ما كان ليحلم بها الشاه نفسه، ورغم أن حكم الشاه كان ملكية دستورية، فإن حكم وصلاحيات الخميني لم يكن ليفكر فيهما موسوليني ولا حتى الزعيم النازي هتلر، فأصبح بوسع الخميني، وبالتالي خامنئي، حسبما يذكر آرنولد إبراهيميان، تحديد مصالح الإسلام، ووضع الإرشادات العامة للجمهورية الإسلامية، والإشراف على تنفيذ السياسات، والفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبوسعه منح العفو العام، بل التصديق على انتخاب الرئيس وعزله، وتعيين قائد الجيش وقائد الأركان وقادة الأفرع الرئيسية ورئيس القضاء، وفحص المرشحين لهذه المناصب، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبإمكانه إعلان الحرب والسلم، وتعبئة القوات المسلحة، وعقد مجلس الأمن القومي، وتعيين مدير الإذاعة والتلفزيون والمشرف على مكتب أئمة الجمعة ورؤساء المؤسسات الدينية ورؤساء تحرير الصحف الرسمية، وله صلاحية إلغاء القرارات التشريعية، حسب ما ورد في نصوص الدستور الإيراني نفسه... بل أعطى الخميني لنفسه صلاحيات لم تكن لدى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، فباعتبار أن الحكومة الإسلامية كيان مقدس، وهو رئيسها الفعلي، فإنها الركن الأول من أركان الإسلام، ولها الأولوية على الأركان الأخرى مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج، بل شهادة التوحيد، ويقول الخميني في كتابه «الحكومة الإسلامية» إن الحكومة التي يرأسها هو فعلياً «يمكن لها أن تعلق أياً أو كل الأركان الثانوية»؛ وهو هنا يضع نفسه وضعاً صريحاً لا لبس فيه في مقام الألوهية الذي لم يعلق مطلقاً، وليس هناك احتمال أن يعلق، ركناً مثل شهادة التوحيد أو الصلاة، واللافت أنه بعد كل هذه السلطات التي منحها الخميني لنفسه في الدستور، يرى «القائد الأعلى في عين القانون متساوياً مع كل أعضاء المجتمع».
وقد نصب الخميني نفسه في الدستور قائداً وزعيماً لثورة لم يكن هو محركها الرئيسي ولا جماعته المشارك الأوحد فيها؛ بل شاركت فيها كل أطياف الشعب الإيراني؛ الفكرية والثقافية، وكل شرائح المجتمع وفئاته الاقتصادية، وكل أعراقه التي تزيد على 20 عرقاً، وتتحدث أكثر من 20 لغة، كما شارك في هذه الثورة أتباع كل الديانات تقريباً، إلا إن الخميني أكل كل من شارك في الثورة، وذاق من قاموا بها على يد «الحرس الثوري» و«الباسيج» ما لم يذوقوه على يد «السافاك»، وعمل على فرض رؤيته ونظريته المتمثلة في نظرية ولاية الفقيه، التي كانت بنداً هامشياً مرفوضاً في ثنايا الدرس العلمي الحوزوي، والتي أتاحت له البقاء على كرسي السلطة مدى الحياة، وبطبيعة الحال القضاء قضاء مبرماً على بقية النظريات السياسية والآيديولوجيات الدينية...
وأصبحت الدولة الآن تتحكم في وسائل العنف المنظم. فعبر رحلة امتدت على مدى نحو نصف قرن من الزمان؛ وبعد تحكم الشاهات في مقاليد الأمور وكل صغيرة وكبيرة في البلاد تحت لافتة قومية، عادت إيران إلى حيث بدأت؛ دولة فردية شمولية قمعية أحادية السلطة؛ لكن هذه المرة تحت لافتة دينية طائفية بيد الملالي، وبعد أن حكم ناصر الدين شاه في نهاية القرن التاسع عشر إيران بوصفه ملك الملوك، والملك الحارس، والخاقان، وظل الله على الأرض، ووعاء العدل، والحكم الأعلى، وقائد العقيدة، وحامي الرعية، ومحور الكون، ولم تكن الدولة سوى امتداد لشخصه الملكي الذي يتمتع بالسيادة، عادت الفكرة نفسها في نهاية القرن العشرين مع حكم آية الله الخميني بثوب جديد وتحت عباءة دينية هذه المرة، وبأسماء ومسميات مبتكرة، مثل قائد الثورة، وقائد المستضعفين، ومؤسس الجمهورية الإسلامية، ولم تدّعِ جمهوريته الحديث بالنيابة عن إيران والشيعة فقط؛ بل عن الجماهير الثورية ومستضعفي العالم، وهي مصطلحات يستحيل حتى تصورها في القرون السابقة وحتى في عصور الظلام.


 
* حرب العراق... الفرار من وعود الثورة عبر تصديرها
 
حتى يضمن الخميني تجييش الشعب الإيراني خلفه وعدم مساءلته عن أهداف الثورة والإنجازات التي حققها بعد توليه زمام السلطة بعد الشاه، توجه إلى حيلة قديمة متجددة، تتكون من عناصر عدة؛ من اتهام كل المعارضين له بأنهم أعداء للإسلام، إلى قضية الرهائن الأميركيين التي يرى محللون أنها المعركة المفتعلة التي عملت على إقصاء المعارضين وتمرير الاستفتاء على الدستور الذي أرسى صلاحيات الخميني وكل المرشدين من بعده، إلى العمل على إبقاء زخم الثورة هادراً عبر محاولة تصديرها، إلى إيهام الشعب على الدوام بوجود عدو خارجي يتربص به الدوائر، فكان إعلان الخميني الحرب على العراق... إلى البرنامج النووي حالياً، والدفاع عن المراقد الشيعية في أنحاء الوطن العربي. في المجمل يسعى نظام الملالي إلى عسكرة حياة الشعب الإيراني حتى لا يدع مجالاً للتفكير في تحسين الحياة المعيشية، وحتى يجد مبرراً لقمع المعارضة الداخلية لنظام ولاية الفقيه، وفراراً من المطالبات الداخلية والمساءلات عن الوعود الضخمة قبل الثورة بالسمن والعسل والحرية والمساواة.
يقرر مؤرخون وكتّاب وباحثون أن الخميني كان الساعي نحو الحرب عبر محاولة تغيير بعض التفاصيل الخاصة ببعض الاتفاقات الحدودية؛ خصوصا على شط العرب، وهي الحرب التي فكر فيها نظام الخميني فور ظهور المطالبات بتحقيق وعود الثورة، من حرية وقضاء على الفساد؛ إلى حياة كريمة ومساواة اجتماعية. وكان من دوافع الخميني أيضاً ظنه أن شيعة العراق سيقفون إلى جانب الإيرانيين الشيعة في هذه الحرب، معتمداً على أنه عاش بينهم سنوات طويلة خلال فترة نفيه في العراق، وأنهم سيثورون على نظام الحكم في بغداد، ليتسنموا هم زمام السلطة فيصبحوا تابعين لولاية الفقيه.
سنوات ثمان أكلت الأخضر واليابس في كلتا الدولتين، لكن الخميني رأى أن هذا ثمن مقبول لديه للبقاء على كرسي السلطة، رغم كل التدخلات الأممية والدولية والإقليمية لوقف هذا النزف الهائل في الأرواح والمقدرات، ورغم الوساطات من علماء مسلمين كثر لوقف هذه الحرب... يروي هوشنك نهاوندي، وهو أستاذ في جامعات غربية عدة وكان وزيراً للتعليم العالي في إيران أيام حكم الشاه، في كتابه الموثق «الخميني في فرنسا»، واقعة توسط أكثر من 400 من علماء المسلمين لوقف هذه الحرب، وقبول الرئيس العراقي آنذاك بهذه الوساطة، بل إن المؤلف يورد أن الرئيس العراقي خرق البروتوكولات الرئاسية وقرر الموافقة على ما يتوصل إليه هؤلاء العلماء في اجتماعهم في بغداد، لكن الخميني رفض استقبالهم، وفي حديث إذاعي كال لهم الشتائم والاتهامات. وفي النهاية وبعد ثماني سنوات اضطر الخميني إلى «تجرع كأس السم» بالموافقة على وقف إطلاق النار، حين أحس أن الحرب بدأت تهز كرسي السلطة من تحته، وبعد أن دمرت كلتا الدولتين على المستويات كافة.
 
* الميليشيات أداة إيران الأولى لزعزعة استقرار المنطقة
 
لم يضيع النظام الإيراني وقتاً بعد نجاحه في ركوب ثورة الشعب الإيراني؛ فعمل على تحقيق حلم استعادة الإمبراطورية الفارسية الذي كان يسعى الشاه إلى تحويله إلى واقع، فالنظامان الشاهنشاهي والثيوقراطي في إيران - حسبما يرى الباحثان علم صالح وجيمس وارل - وإن اختلفا ظاهرياً في الهوية والوسائل، تجمعهما الأهداف نفسها، التي ترتد بجذورها إلى طبيعة الشخصية الفارسية المتسمة بالاستعلائية... ففي المجال العسكري عمل إنشاء ميليشيات عسكرية غير رسمية موازية للقوات المسلحة، وقام بتسليحها تسليحاً تاماً، وأطلق عليها أسماء عدة؛ ومنها «الحرس الثوري» مع وحداته البرية والبحرية، وتكوين ميليشيات داعمة تعرف باسم «الباسيج»، وأنشأ وحدات دينية تعمل على مراقبة أعضاء هذه الميليشيات وتوجهاتهم الفكرية ومتابعتهم باستمرار. كما أنشأ وزارة الاستخبارات الرسمية وأخرى موازية لها تابعة لـ«الحرس الثوري»، قامتا مقام «السافاك» في عهد الشاه، غير أنهما أكبر وأكثر قوة لمراقبة الداخل الإيران والعمل الخارجي كذلك، وأشنع من «السافاك» في ممارسة القمع، كما أنشا «فيلق القدس»، وهو المعادل لقوات الحرس الإمبراطوري أيام الشاه، مطلقاً اسم «فيلق القدس» عليه في محاولة لاستغلال التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية.
هذه الميليشيات الداخلية كانت الأساس للميليشيات الخارجية التي يستخدمها النظام الإيراني أداة للسيطرة على دول الجوار وزعزعة استقرار المنطقة.
يعلم الملالي أن الاضطرابات والقلاقل وعدم الاستقرار والاختلالات الأمنية... أفضل الظروف لتمرير أجندته التي لا ترمي إلى فرض النفوذ فحسب؛ بل استتباع دول المنطقة الكامل لولايته، انطلاقاً من فكرة ترتد بالتاريخ إلى عهود ما قبل الإسلام من أن الدولة الفارسية حكمت في القديم هذه المنطقة من أفغانستان إلى المغرب العربي والقسطنطينية، ومن أذربيجان إلى اليمن. وساعدها في هذا التحرك الحالي عوامل عدة؛ منها الاتفاق النووي الذي أتاح لها الإفراج عن أكثر من 150 مليار دولار أميركي كانت مجمدة لدى الدول الغربية، فعملت على توجيه هذه الأموال ليس إلى الداخل الإيراني الذي يعاني تحت وطأة أرقام اقتصادية منهارة؛ بل إلى دعم ميليشياتها في المنطقة... كما ساعدتها على ذلك الظروف الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة منذ عام 2011.
 
* «حزب الله»... التحرك على محاور عدة
 
منذ بدايات قبض الخميني وفريقه الآيديولوجي على الثورة الإيرانية، عمل في كل دولة بها وجود شيعي ولو كان قليلاً على تأسيس ميليشيا تابعة له؛ هذه الميليشيا تأخذ في البداية طابعاً علمياً دينياً صرفاً، تم تتحول إلى تقديم الخدمات للمجتمع المحيط، لتتسلل في الخفاء نحو امتلاك بعض السلاح الخفيف في ظل اضطراباتٍ أمنيةٍ ما في البلد المستهدف، ثم تلج باب السياسة بفعل قوة السلاح، ثم في النهاية تتحكم في الحياة السياسية تمريراً وتعطيلاً حسبما يريد منها النظام الإيراني... ثم الانتقال فيما بعد إلى مرحلة نهائية وأخيرة تكون فيها الدولة المستهدفة صورة طبق الأصل من الدولة الإيرانية ونظامها الديني والسياسي والاجتماعي، مستتبعة بالكامل لأوامر الولي الفقيه.
على أن هذه المراحل لا تسير على النسق نفسه في كل الدول، فلكل دولة ظروفها الخاصة، وبالتالي يتحرك الأتباع للدولة الإيرانية حسب ظروف الدولة التي يعيشون، ففي لبنان ظهر «حزب الله» وفق «نظرية الصدمة» و«استراتيجية الرعب»، فقد دعمت إيران تأسيس «حزب الله» بداية الثمانينات من القرن الماضي، الذي اتهم بالتورط فور تأسيسه في خطف 96 أجنبياً في لبنان عام 1982، من بينهم 25 أميركياً، فيما عرفت بـ«أزمة الرهائن». كما اتهم بتفجير السفارة الأمريكية ببيروت في أبريل (نيسان) عام 1983، ما تسبب بمقتل 63 شخصاً. وفي العام ذاته، اتهم بشن هجمات منسقة على السفارتين الأميركية والفرنسية لدى الكويت إلى جانب مصفاة للنفط وحي سكني، ما أسفر عن مقتل 5 أشخاص.
كما اتهم بارتباطه بشكل مباشر بتفجير الخبر عام 1996 في المملكة العربية السعودية عبر تأسيس ودعم ما يعرف بـ«حزب الله - الحجاز» الذي فجر أبراجاً سكنية، ما أسفر عن مقتل 120 شخصاً؛ من بينهم 19 أميركياً. وفي عام 1988، اتهم «حزب الله» باختطاف طائرة مدنية متجهة إلى الكويت، للمطالبة بإطلاق سراح متهمين في تفجيرات البنية التحتية بالكويت.
وإلى جانب ذلك، شارك «حزب الله» في تدريب ميليشيات في دول أخرى، كما اضطلع بدور كبير في الحرب السورية عبر نشر مسلحيه لصالح قوات النظام السوري، وقدم دعماً مباشراً لميليشيات الحوثي الإيرانية في اليمن. كما أسس فرعاً له في العراق، ويعمل على تدريب الميليشيات الموالية لإيران هناك... غير أن اللافت جداً ذهاب الحزب بعيداً إلى داخل أفريقيا لتأسيس «حزب الله النيجيري». ويفسر محللون أن ذلك حدث للقضم من الوجود السني الكثيف في القارة الأفريقية، خصوصاً في نيجيريا ذات الكثافة السكانية العليا بين الدول الإسلامية، ولمحاولة إيجاد موطئ قدم في القارة السمراء، خصوصاً أن العلاقات العربية مع مسلمي القارة السمراء علاقات تاريخية وفي تقدم مستمر، ووصل النفوذ القوي لـ«حزب الله النيجيري» حتى محاولة اغتيال رئيس الأركان النيجيري.
كما أن «حزب الله»، الذي يتبع بالكلية المرشد الإيراني؛ حسب اعتراف أمينه العام نفسه حسن نصر الله، أصبح موازياً للقوة العسكرية الرسمية في الدولة اللبنانية، حتى أصبح الحديث عن سلاح «حزب الله» من المحرمات في الدولة اللبنانية، وهو ما أوصله إلى التحكم في مفاصل الحياة السياسية، والقدرة على تعطيل تشكيل الحكومات اللبنانية لشهور طويلة، وربما تعطيل تسمية رئيس للجمهورية لسنوات، في محاولات لاستعراض القوة والبعث برسائل مفادها أنه دون إرادة إيران فستتجمد الحياة في لبنان، وهذا من جملة الرسائل الاستعراضية التي كان آخرها زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى لبنان بحجة التهنئة بتشكيل الحكومة وعرض تزويد الجيش اللبناني بالسلاح.
هذه الرسائل أيضاً يحاول النظام الإيراني إيصالها في العراق، واللافت التشابه بين الحالتين، حيث تمت تسمية رئيس للحكومة على غير رغبة طهران، فعملت على عرقلة تشكيل الحكومة العراقية، تماماً كما حدث في الحالة اللبنانية.


 
* لماذا اليمن؟
 
تعد منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، محور اهتمام إيران في خطتها الرامية إلى زعزعة استقرار المنطقة بهدف فرض نفوذها عليها، ويعد اليمن المدخل الأهم إلى هذه المنطقة، لأسباب عدة؛ منها صعوبة اختراق منطقة الخليج من الشرق المجاور لإيران، وذلك للأهمية الجيوسياسية والاقتصادية العالمية للمنطقة، وأيضاً لتمتع هذه المنطقة بقدر كبير من الاستقرار مما يصعب معه التغلغل والتخفي داخلها، على عكس الوضع في اليمن الذي يشهد منذ فترة ليست بالقصيرة اضطرابات سياسية واختلالات أمنية؛ خصوصاً بعد عام 2011، لذلك فإن إيران، ولاعتبارات آيديولوجية وسياسية، ركزت على اختراق اليمن؛ من هذه الاعتبارات الضغط على الدول الخليجية؛ خصوصاً المملكة العربية السعودية التي تعدّها طهران المنافس الأول والأقوى لها في المنطقة، وذلك في إطار محاولاتها المتكررة منذ أيام الشاه لفرض النفوذ والسيطرة في هذه المنطقة. كما أن من هذه الاعتبارات السياسية الضغط على الغرب؛ خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، عبر وضع إيران أقدامها على الساحل الشرقي لمضيق باب المندب عن طريق وكلائها الحوثيين، وعلى الساحل الغربي من خلال اتفاقات سياسية واقتصادية وعسكرية مع بعض دول شرق أفريقيا.
تعمل إيران على تحويل الجماعات المتقاربة معها عقدياً إلى جماعات تابعة لنظرية ولاية الفقيه، وبالتالي تابعة بالكلية لأهداف الدولة الإيرانية، فينتج عن ذلك استتباع بالكامل للدولة المستهدفة، فاستغلت إيران الأوضاع السياسية والأمنية المضطربة عام 2011 لتوسيع الدور الإيراني في اليمن الذي كان بدأ قبل ذلك، فوفرت للحوثيين الدعم العسكري بالسلاح والخبرات العسكرية والتدريب، هذا الدعم بلغ أعلى مستوى له مع استعداد الميليشيات الحوثية للانقلاب على الرئيس والحكومة الشرعية في سبتمبر (أيلول) عام 2014، وانطلقت السفن من الموانئ الإيرانية إلى الموانئ التي يسيطر على الحوثيون محملة بالأسلحة والذخائر، ففي يناير (كانون الثاني) 2013 ضبطت البحرية الأميركية وقوات خفر السواحل اليمنية السفينة الإيرانية «جيهان1» التي كانت تحمل على متنها شحنة هائلة من الأسلحة والذخائر والأجهزة العسكرية عالية الدقة والمتفجرات؛ ضمت صواريخ «كاتيوشا إم122» وصواريخ «ستريلا1» و«ستريلا2» أرض – جو، التي تعمل بتقنية التتبع الحراري، والتي تستطيع استهداف الطائرات الحربية المتطورة، وقاذفات «آر بي جي7»، وأنظمة رؤية ليلية «بي إن وان 4 كيه»، وأجهزة تقنية عسكرية، وأنظمة مدفعية «جي9»، وطنين من مواد شديدة الانفجار، وكبسولات ودوائر كهربائية، وأجهزة تحكم عن بعد.
كما ضبطت البحرية الأسترالية في فبراير (شباط) 2016 قارباً كان يحمل أسلحة إيرانية مهربة إلى الحوثيين، شملت مائتي بندقية «كلاشنيكوف»، ومائة قذيفة.. وأسلحة أخرى.
كما زودت طهران الميليشيات الحوثية بعدد كبير من الصواريخ الباليستية بعيدة المدى إيرانية الصنع، التي استخدمت لقصف الأماكن المقدسة في مكة المكرمة، وقد استهدفت الميليشيات الحوثية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017 مطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية الرياض بهجوم صاروخي باليستي، كما تم تهريب شحنة من الدبابات إلى الحوثيين عبر أحد الموانئ، كذلك زودتهم طهران بطائرات من دون طيار في محاولة لاستهداف مواقع الدفاع الجوي السعودية على الحدود الجنوبية، وكذلك لاستهداف مواقع الحكومة الشرعية في اليمن... كل ذلك بدعم من «الحرس الثوري» و«فيلق القدس» وميليشيات شيعية أفغانية و«حزب الله» الذين يقومون بمهمات التدريب وتطوير الأسلحة الموجودة بحوزة الحوثيين وتقديم الاستشارات العسكرية.
كل هذا الدعم شجع الميليشيات الحوثية على مواصلة الانقلاب على الحكومة الشرعية ورفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات؛ وإن جلست فلكسب الوقت ريثما تتغير المعادلات على أرض الواقع لصالحهم.
 
* أحقاد على العراق لا تنتهي
 
يعد العراق الدولة الأهم على خريطة النفوذ الإيرانية؛ لما للعراق من ثقل ووزن في المنظومة العربية، وبالتالي فقضم العراق من المنظومة العربية يعد خصماً هائلاً من الرصيد العربي؛ وفي الوقت نفسه إضافة لا تضاهى للرصيد الإيراني، لذلك عمل النظام الإيراني بشراسة بعد انهيار النظام السابق في العراق عام 2003 على محاولة استتباع هذه الدولة العربية العريقة سياسياً واقتصادياً وحتى دينياً واجتماعياً وثقافياً لمنظومة تصدير الثورة الخمينية، ومحاولة تحقيق الحلم القديم للخميني بالسيطرة على هذه الدولة الذي خاض في سبيله حرباً امتدت ثماني سنوات. وتعد الميليشيات العراقية المحلية الأداة الإيرانية الأهم في سبيل سيطرتها وفرض نفوذها على الدول المستهدفة، فعملت على تكوين الميليشيات في العراق حتى قبل السقوط الفعلي للنظام العراقي السابق، فتشكلت ميليشيا «حزب الله العراقي» بعد سقوط النظام العراقي عام 2003، وظهرت بالتزامن ميليشيات إيرانية عديدة؛ منها «كتائب لواء أبي الفضل العباس» و«كتائب كربلاء» و«كتائب السجاد» و«كتائب زيد بن علي»... وغيرها الكثير، وقد توحدت جميعها تحت لواء «حزب الله العراقي» في عام 2006. وكانت هذه الميليشيا المسلحة طرفاً في حرب طائفية ضد المكونات العراقية الأخرى، من أجل تثبيت النفوذ الإيراني.
كما تشكلت ميليشيات أخرى مثل «عصائب أهل الحق» عام 2006، بدعم إيراني مباشر، وقد انشقت عن ميليشيا «جيش المهدي»، وباتت «العصائب» أحد المكونات الرئيسية في «الحشد الشعبي» الذي تشكل عام 2014، إلى جانب «كتائب حزب الله» و«منظمة بدر» و«قوات الشهيد الصدر»، ثم توسع «الحشد» من المتطوعين الشيعة، وقد اتهم بالتورط في مجازر ضد المدنيين في المدن ذات الغالبية السنية، ثم تم صبغه بالصبغة الرسمية وأصبح اسمه «هيئة الحشد الشعبي» بعدما ارتفعت حدة المطالب بحله، لكنه ظل العصا الغليظة لبسط النفوذ الشيعي في العراق؛ وحتى في سوريا.
 
* الطريق البرية من طهران إلى سواحل المتوسط السورية
 
تعد سوريا، إلى جانب العراق، الرئة الكبرى في المشروع الإيراني للهيمنة وبسط النفوذ في المنطقة، لذلك حين بدأت الثورة السورية تحولت إيران من الموقف البراغماتي الداعم للتحولات السياسية في تونس وليبيا ومصر واليمن، إلى المدافع الأول والسبب الرئيسي لبقاء النظام السوري على سدة الرئاسة، فقد عملت على تدعيم بشار الأسد في البداية سراً، ثم ما لبثت أن تحولت إلى منهج الإعلان، وعملت على إرسال ميليشيات مسلحة من وكلائها كافة، ما عدا الحوثيين لانشغالهم بمحاولة الاستيلاء على اليمن، فاستجلبت ميليشيات من دول عدة من المؤيدين لها والتابعين لنظرية ولاية الفقيه؛ فأتت ميليشيات «حزب الله» اللبناني، وميليشيات «فاطميون» و«زينبيون» من أفغانستان وباكستان، والميليشيات العراقية، بل أتت ميليشيات طائفية من أفريقيا لدعم نظام الأسد في سوريا بحجة الدفاع عن المراقد الشيعية، حتى زاد عدد ما تمتلكه إيران على 50 ميليشيا مسلحة تعمل تحت إمرتها في سوريا.
وتسعى إيران إلى ديمومة الصراع في سوريا ريثما تستطيع بسط سيطرتها على كل الأراضي السورية وتأمين الطريق البرية التي تبدأ من طهران وتنتهي فوق رمال البحر الأبيض المتوسط، لذلك عملت على تعطيل كل المبادرات والجهود الهادفة إلى الوصول لحل سياسي للأزمة السورية، وفضلت الحل العسكري الذي تراه الأمثل للمحافظة على النظام السوري الموالي لها. كما استخدمت تنظيم داعش بوصفه قنبلة تفريغية للمناطق السنية الكثيفة في غرب العراق وشرق سوريا، لتنفيذ التغيير الديمغرافي التي تطمح إليه في المنطقة عبر إحلال المكون الشيعي الموالي لها محل المكون السني، بتوطين ميليشياتها الأفغانية والباكستانية والعراقية في هذه المناطق باستخدام القانون السوري رقم «10» الذي يتيح لها الاستيلاء على أراضي وممتلكات السنّة المهجرين من مناطقهم.
 
* البحرين... تاريخ من مؤامرات طهران
 
دعمت إيران عبر «الحرس الثوري» و«فيلق القدس» تأسيس تشكيلات وخلايا عدة في البحرين؛ منها «سرايا المختار» أواخر عام 2011، التي اعتمدت أسلوب حرب العصابات والهجمات الخاطفة والتفجيرات ضد الأهداف المدنية وقوات الأمن. كما دعمت تأسيس «سرايا الأشتر - البحرين» في 2012. وقد ظهر بعد ذلك كثير من التنظيمات التي تتخذ أسماء مختلفة، منها «سرايا المقاومة الشعبية»، و«طلائع التغيير»، وقد تبنت هذه التنظيمات كل العمليات الإرهابية التي تم تنفيذها في البحرين. بيد أن تاريخ محاولات زرع الفوضى والاحتلالات الإيرانية في الخليج العربي يعود إلى حقبة الشاه، باحتلال الجزر الإماراتية الثلاث مطلع السبعينات من القرن الماضي. ومع بديات الثورة الإيرانية التي اختطفها الخميني وأتباع نظريته، أحبطت البحرين محاولة انقلاب مسلح عام 1981 خططت له ما تسمى «الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين» بدعم من إيران، كما كشفت البحرين عام 1996 عن تنظيم سري باسم «حزب الله» تلقى المتورطون فيه تدريباً عسكرياً في إيران وتآمر لقلب نظام الحكم. ثم توالت نجاحات قوات الأمن البحرينية في كشف وإحباط عمليات إرهابية خططت لها إيران ودربت منفذيها ومولتهم بالمال والعتاد العسكري والمواد المتفجرة.
 
* إيران ونشر الفوضى في أفريقيا
 
من المقرر أن الحروب والاضطرابات وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، تعد أرضاً خصبة للتدخلات الخارجية، وهو ما عملت إيران على استغلاله في أفريقيا، فقد وجدت فيها ساحة للتغلغل ومحاولة قضم الوجود العربي والسنّي فيها. وكشف تقارير ميدانية عن أنه من بين 14 حالة كشف فيها عن وجود أسلحة إيرانية في القارة السمراء، كانت هناك فقط 4 حالات مع الحكومات، والعشر المتبقية مع جماعات غير نظامية، فقد دعمت الانفصاليين في منطقة «كاسامانس» في السنغال ومتمردي ساحل العاج، وغامبيا، وفي نيجيريا حركة إبراهيم الزكزاكي، الأمر الذي تسبب لاحقاً في قطع حكومات هذه الدول علاقاتها مع إيران. كما تم الكشف عن أن بنادق مصنوعة في إيران انتهى بها المطاف في أيادي المتمردين في أفريقيا الوسطى لتسهم في إذكاء الصراع في هذا البلد المنكوب. كما كشف تقرير آخر عن نشاطات لشبكة تهريب أسلحة تدعى «الوحدة 190» تابعة لـ«فيلق القدس» الإيراني وظفت عشرات الأشخاص لتهريب الأسلحة إلى المناطق المضطربة في أفريقيا.
كذلك شكل الشرق الأفريقي محطة استراتيجية مهمة لطهران لتدعيم وجودها في البحر الأحمر، فسعت على فترات إلى تطوير علاقاتها مع دول شرق أفريقيا، مثل كينيا وتنزانيا وجزر القمر، لتصنع لنفسها منصة ارتكاز مهمة تمكنها من القيام بمهام استخباراتية ولوجيستية في المنطقة لدعم الموالين لها في اليمن، والضغط على المجتمع الدولي. 
 
* حتى أوروبا لم تسلم من إرهاب «الحرس الثوري»
 
لم تسلم أوروبا من قيام «الحرس الثوري» والاستخبارات الإيرانية بعمليات إرهابية على أراضيها، فبعد الثورة عام 1979 أصبحت أوروبا أحد المهاجر للإيرانيين الفارين من بطش وقمع النظام في بلادهم، كما أصبحت من المرتكزات الأساسية في عمل المقاومة الإيرانية السلمية لتغيير نظام الحكم، فعمل «الحرس الثوري» على تتبعهم والتجسس عليهم ومحاولات اغتيالات لقادتها، كانت أخراها محاولة تفجير مؤتمر للمعارضة الإيرانية في باريس منتصف عام 2018، وكشفت التحقيقات عن تورط عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يحملون جوازات سفر دبلوماسية في دولة أوربية عدة، وتم القبض عليهم، إلى جانب تورط أعضاء في جمعيات شيعية ذات مظهر خيري في هذه العملية، ما دفع فرنسا إلى إغلاق هذه الجمعيات وفرض عقوبات على إدارات عدة في وزارة الاستخبارات الإيرانية.
كما تعمل إيران على التغلغل القوي بين المجتمعات الإسلامية في أوروبا وتحويلها إلى آيديولوجيتها، كما تفعل في البوسنة التي تورد تقارير أن 300 من عناصر «حزب اللبناني» دخلوا إليها إبان حرب التسعينات من القرن الماضي بحجة دعم المسلمين عسكرياً، والهدف الأساسي التغلغل داخل المجتمع البوسني؛ خصوصا الشريحة العسكرية والسياسية، وتذكر التقارير أن هذه العناصر بقيت في البوسنة ولم تعد حتى الآن. كما تعمل إيران على كسب ولاء المؤسسات الرسمية في البوسنة عبر إغراءات اقتصادية وسياسية وعسكرية، وعملت طهران على توقيع اتفاقية مع البوسنة لإلغاء تأشيرات الدخول بشكل متبادل.


 
الثورة الإيرانية... قصة وعود «في انتظار جودو»
 
بعد موت الخميني وقبض خامنئي على زمام السلطة، اتخذت إيران خطاً منهجياً في الداخل يقوم على تقديم الوعود تلو الوعود للمنخدعين بالنظام والموالين له بتحسين الحياة الاجتماعية، ومزيد من سحق وتهميش الأقليات، وأصبح الثقل الذي وقع على المشاركين في الثورة أعظم بكثير مما وقع على أنصار الشاه الملكيين. وفي الخارج عملت طهران على المراوحة والتبديل بين رؤساء تدّعي أحياناً أنهم إصلاحيون وأحياناً أخرى أنهم محافظون؛ في تذكير بسياسة الحمائم والصقور في إسرائيل، غير أن رَسَنَ جميعم في يد خامنئي، ولا يحيدون قيد أنملة عن نهج الخميني الساعي إلى إعادة إحياء الإمبراطورية الفارسية المتلفحة بعباءة الدين.
تقول صحيفة الـ«إيكونوميست»: «على الرغم من أن إيران دولة إسلامية مشبّعة بالدين والرمزية الدينية، فإنها تتحول بازدياد إلى بلد مقاوم لرجال الدين. يميل الإيرانيون إلى السخرية من الملالي ويتداولون بعض النكات الخفيفة عنهم، وهم بالتأكيد يريدونهم خارج خصوصياتهم، وبصفة خاصة فإن الإيرانيين لا يحبون رجال الدين السياسيين».
«كل شيء يصنع في الخفاء في إيران؛ الجنس، والمخدرات، حتى اقتصاد هذا البلد الغني يجري في سراديب؛ ففي حين أن حسابات الملالي والجنرالات ممتلئة، فإن عامة الإيرانيين يعانون من وضع اقتصادي سيئ، أدى في النهاية إلى ظهور العديد من الاحتجاجات والمظاهرات التي تُقمع بالقوة من قِبل النظام»؛ كما يرى المحلل والمؤلف آندرو سكوت كوبر، الذي يضيف: «لا خيار أمام الرجال الذين يديرون إيران سوى إعادة تقييم طموحاتهم الإقليمية. سيتعيّن عليهم العثور على وسائل لتعزيز الإنفاق الاجتماعي، وإحدى الطرق ليفعلوا ذلك إعادة توجيه الموارد بعيداً عن وكلائهم الإقليميين الذين استهدفهم شطر كبير من الحنق المحلي، ودفْعها نحو الاقتصاد المحلي. سيكون عليهم التركيز على خلق فرص العمل، والمزايا الاجتماعية، والإسكان...».
وتعد الباحثة هالة اسفندياري أن «الثورة الإيرانية قصة وعود مكسورة، وفرص ضائعة، وحكومات غير ذات كفاءة... لم تتم تلبية تطلّعات ملايين الإيرانيين الذين أدلوا بأصواتهم في عام 1979، تأييداً للجمهورية الإسلامية وسعياً إلى تحقيق الازدهار والحرية. فقد حصل الإيرانيون في نهاية المطاف على السلطوية بدلاً من الديمقراطية، وعلى الفساد والمحسوبية بدلاً من حكومة خاضعة للمساءلة والمحاسبة. وتمت كذلك التضحية بحقوق الإنسان وحقوق المرأة والأقليات تحت شعار الدين. وبدلاً من السلام، حصل الإيرانيون على الحرب الإيرانية - العراقية المدمّرة التي استمرت ثماني سنوات. أما على مستوى السياسة الخارجية، فقد تم تبذير الأموال التي كان يمكن إنفاقها لتحسين حياة الإيرانيين، على مغامرات غير محسوبة في العراق ولبنان وسوريا واليمن. فإيران لاعبٌ أساسي في الشرق الأوسط، بيد أنها لا تملك أي صديق فعلي إقليمياً أو دولياً. وبعد أربعين عاماً على الثورة، لا تزال إيران سجينة خلف قضبان آيديولوجيتها وشعاراتها التأسيسية، التي ينبذها الجيل الشاب؛ أطفال الثورة الإيرانية».
 


اشترك في النقاش