هل سنشهد حكومة أفعال لا أقوال؟

ساعة الصفر اقتربت...
* هل ستتمكن هذه الحكومة الوليدة من تنفيذ وعودها الإصلاحية؟
* كيف ستكون الاصطفافات والتوازنات السياسية في المستقبل؟
* هل ستنجح هذه «المساكنة» الإلزامية؟ وهل سيكون الإجماع السياسي على الإصلاح أقوى من الخلافات بين أطراف الحكومة مجتمعة؟
* الرئيس الحريري طالبا الثقة من المجلس النيابي: «أمامنا فرصة لن ‏تتكرر للإنقاذ والإصلاح، وعدم تفويت الفرصة تقع على كل الفرقاء».
* محمد شقير: «لا وقت لتضييعه في السجالات السياسية لأن وضع البلد لا يحتمل المزيد من التدهور».
* غسان عطا الله: «لا مجال للكذب على الرأي العام، ونحن طالبنا رئيس مجلس النواب بعقد جلسة شهرياً ليتمكن النواب من تسجيل اعتراضاتهم ومحاسبة أي وزير».
* نبيل بومنصف: «الرياض تريد تقديم الدعم للرئيس الحريري ومنحه القوة والغطاء الخارجي بوجه خصومه ليستطيع أن يفي بالالتزامات التي قطعها».
* خير الله خير الله: «المقاومة التي يبديها الرئيس الحريري تجعل منه الحصن الأخير لمنع لبنان من السقوط نهائياً في الحضن الإيراني».

بيروت: بعد طول انتظار، وبعد مخاض عسير، ولدت الحكومة الثالثة للرئيس سعد الحريري، وما هي إلا أيام قليلة تفصلنا عن بدء ساعة الصفر ودخول «حكومة إلى العمل» معترك العمل التنفيذي الموعود انطلاقا نحو ورشة الإصلاحات والاستثمارات التي وعدت بها كشرط لوقف تداعيات الانهيار وذلك بعد نيلها ثقة مجلس النواب.
من المرتقب أن تنطلق الحكومة بزخم توظيفاً للتوافق الداخلي الواسع على دعمها، وترجمة ما تضمنه البيان الوزاري من بنود، ولا سيما بما يتعلق بالإصلاحات التي نص عليها مؤتمر «سيدر».
 
الرئيس الحريري: أمامنا فرصة لن ‏تتكرر للإنقاذ والإصلاح
أمام مجلس النواب أعلن الحريري أن «الحكومة تضع في أولوياتها الاستقرار السياسي والأمني والأمان ‏الاجتماعي لكل المواطنين، وترسم سياسة اقتصادية وأمنية تواكب التحديات، وجدول الأعمال الذي ‏يناقش مكافحة الفساد وتحفيز النمو وتخفيض العجز». واعتبر في البيان الوزاري للحكومة الذي تلاه أمام النواب ‏أنّ تنفيذ المقررات تتطلب التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وقال: «نحن جميعًا في مركب واحد والثقوب ‏التي تهدده معروفة، والمطلوب تشريعات صريحة ومحددة قد تكون صعبة ومؤلمة». وأضاف: «أمامنا فرصة لن ‏تتكرر للإنقاذ والإصلاح، وعدم تفويت الفرصة يقع على كل الفرقاء». وأكد «إننا نريدها حكومة أفعال لا أقوال ‏تتصدى للفساد والتهرّب الضريبي».
وقال: «حكومتنا تلتزم التنفيذ السريع للبرنامج الاقتصادي الذي يرتكز إلى رؤية الحكومة اللبنانية في مؤتمر (سيدر)، ويعتمد على رؤية المجلس الاقتصادي الاجتماعي».
وعلى الرغم من أن البيان الوزاري لم يختلف كثيرا عن بيانات الحكومات السابقة، فإن الملاحظ تضمنه برنامجًا طموحًا ‏لمشروع نهوض اقتصادي واجتماعي وخدماتي واستثماري يستند إلى الركائز الواردة في رؤية الحكومة ‏التي قدمتها إلى مؤتمر «سيدر» مع توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والذي يشمل سلّة متكاملة من ‏التشريعات المالية والاستثمارية والقطاعية.
ومن المتوقع أن تحظى الحكومة بثقة نيابية «واسعة» نظرا للتوافق والإجماع السياسي حولها وهو الأمر الذي يحتم عليها الانطلاق إلى ترجمة ‏بيانها الوزاري بشفافية لكي تضمن ثقة اللبنانيين وكذلك تنفيذ ما تعهدت به أمام المجتمع الدولي، إلا أنه مع ذلك لا تزال ثمة شكوك كبيرة حول إمكانية انطلاق الحكومة نحو الاتجاهات الإصلاحية الجدية التي من شأنها طمأنة المجتمع الدولي واللبنانيين كذلك إلى أهلية الحكومة الوليدة للتصدي كفريق عمل منسجم في الحد الأدنى حول سياسات إنقاذية اقتصادية ومالية واجتماعية، ليكون السؤال: هل سنشهد حكومة أفعال لا أقوال؟ وهل ستتمكن هذه الحكومة الوليدة من تنفيذ وعودها الإصلاحية؟
وزير المهجرين غسان عطا الله، رأى في حديث لـ«المجلة» أن «كل المعطيات تشير إلى أن هذه الحكومة مختلفة عن سابقاتها إن كان من حيث الأسماء والوجوه السياسية الجديدة والأعمار والاختصاصات وكذلك الخطط والملفات جميعها مؤشرات تدلّ على أن هذه الحكومة جدية في طروحاتها ولديها إصرار على العمل والتغيير»، وأضاف: «هذه المرة سيرى المواطن اللبناني خططا واضحة لجميع الوزارات قبل الإقبال على الموازنة وبالتالي سوف تسير الأمور بجدية وانتظام ولن نرى إدارة عشوائية للملفات من قبل الوزراء». مشدداً: «جميع الوزراء يطمحون إلى أن يثبتوا أنفسهم ومصرون على النجاح بالمهمات الموكلة إليهم».
وتعليقا على ما ورد على لسان بعض النواب في جلسات الثقة النيابية الذين وجهوا انتقادات واتهامات للحكومة، استغرب عطا الله التناقض لدى عدد من النواب الممثلين في الحكومة الذي وجهوا انتقادات للحكومة نفسها ومن ثم قاموا بمنحها الثقة»، مشيرا إلى أنهم «أرادوا فقط إحداث نوع من البلبلة أمام الكاميرا ولو كانت جلسات الثقة سرية لما كنا سمعنا مثل هذه التصريحات».
كذلك أكد عطا الله على أنه «لا مجال للكذب على الرأي العام، ونحن طالبنا رئيس مجلس النواب أن يتم عقد جلسة شهريا ليتمكن النواب من تسجيل اعتراضاتهم ومحاسبة وزير معين على أدائه، ولكن من غير المفهوم أن يقدم البعض على محاسبة الحكومة قبل أن تبدأ بعملها رسميا لا سيما أن مجمل الأزمات ورثناها عن الحكومات المتعاقبة».
هذا وشدّد عطا الله على ضرورة «التوافق السياسي والتعاون بين القوى السياسية من أجل تحقيق الإصلاحات اللازمة للنهوض بالبلد بعد أن أدركوا جميعا أن لا مجال لمزيد من العرقلة وتضييع الوقت إنما آن الأوان للتعاون والاتحاد من أجل تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي وتأمين فرص عمل للمواطنين».
وعن وزارته، قال عطا الله إنه «يعمل على التخلص مما يسمى (وزارة المهجرين) لما توحيه من دلالات سلبية تشير إلى الحرب وجرح لبنانيين هجروا من وطنهم لأسباب قهرية، ووجود مثل هذه الوزارة يعني أن لا وجود للاستقرار بعد، في حين نحن نريد إعطاء صورة أفضل عن لبنان على أمل أن نتمكن من تغيير اسم هذه الحقيبة إلى وزارة (التنمية الريفية)».
وعلى هامش جلسات الثقة، كان البارز الزيارة التي قام بها المستشار في الديوان الملكي نزار ‏العلولا إلى بيروت، بهدف التهنئة بتشكيل الحكومة والتعاون مع لبنان، معربا عن أمله في أن تكون فاتحة ‏خير في إطار تقديم جرعة دعم إضافية للحكومة وخصوصا الرئيس الحريري وما رافق ذلك من إعلان السفير السعودي في لبنان وليد البخاري - بعد لقائه والعلولا الرئيس الحريري - رفع المملكة العربية السعودية حظر سفر السعوديين إلى لبنان، نظرًا لانتفاء الأسباب الأمنية، ما شكل بارقة أمل وبث موجة تفاؤل مستقبلية لما تحمله هذه الخطوة من انفراجات على لبنان إن كان في الشق السياسي أو الاقتصادي أو بعودة لبنان إلى الخريطة العربية السياحية.
الصحافي والمحلل السياسي نبيل بو منصف نائب رئيس التحرير في صحيفة «النهار» ربط بين المبادرة السعودية تجاه لبنان وتشكيل الحكومة، معتبرا أنها تأتي نتيجة التأليف الحكومي».
وأشار بو منصف إلى وجود عوامل ثلاثة تقف وراء هذه الخطوة «فأولا من الواضح أن السعوديين يريدون مدّ اليد مجددا إلى لبنان، علما بأنهم من الداعمين الأساسيين والتقليديين للدولة اللبنانية، وبالتالي لا يمكنهم البقاء بعيدا عن الساحة اللبنانية في هذه المرحلة الصعبة والشاقة»، وأضاف: «اللبنانيون يتأملون خيرا بالمملكة ولذلك لا تستطيع الأخيرة تخييب آمالهم، ثانيا الرياض تريد تقديم الدعم للرئيس الحريري ومنحه القوة والغطاء الخارجي بوجه خصومه ليستطيع أن يفي بالالتزامات التي قطعها، أما العامل الثالث فهو أن المملكة تريد إعادة التوازنات عبر الوقوف بوجه النفوذ الإيراني الذي يحاول توظيف الساحة اللبنانية لتنفيذ مصالحه».
وعن خريطة الاصطفافات السياسية في المستقبل رأى بو منصف: «إننا اليوم أمام واقع سياسي جديد ويجب الانتظار لمعرفة كيف ستكون آلية عمل الحكومة وذلك لعدم التسرع بإطلاق الأحكام»، وتابع: «في الظاهر وشكليا هناك خلل بالتوازن لمصلحة قوى 8 آذار نظرا لتحالفهم مع العهد ومن يلوذ به هذا المحور إقليميا وخارجيا»، مشيرا إلى أنه «مع التجربة سوف نرى مدى إمكانية الرئيس الحريري مع حليفيه الاشتراكي والقوات على تشكيل تماسك إضافة إلى تحالف رئيس الحكومة مع العهد ما يعني أنه قادر على الحفاظ على التوازنات في الحكومة إلى حد ما وهو ما يشير إلى أن الحريري هو بيضة القبان في الحكومة».
كذلك أشار بومنصف إلى أن «هناك شكوكا وانعدام ثقة لدى الرأي العام المحلي ببعض القوى السياسية لكن بشكل عام الصورة ليست مشجعة والمطلوب من الحكومة أن تبذل الكثير من الجهود والإنجازات لتستعيد الثقة في الداخل لا سيما ثقة الخارج والمجتمع الدولي عبر إثبات أن لبنان بدأ بالفعل مسيرة إصلاح بشكل جدي وعملي في ظل ما يواجهه من خطر كبير جدا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ما لم يقلع بخطوات نوعية وجدية بموضوع الإصلاح».
في المقابل رأى الكاتب والمحلل السياسي خير الله خير الله، في حديث لمجلة «المجلة» أن ثمة «كلمة سرّ ساهمت بتسريع عجلة التأليف الحكومية، والضوء الأخضر الإيراني هو من فك أسر الحكومة وذلك مع تحقيق 4 أهداف: الأول عبر سحب الثلث المعطل من التيار الوطني الحر، وثانيا وثالثا عبر اختراق تمثيل الطائفة السنية وكذلك الطائفة الدرزية، ورابعا وأخيرا حصول (حزب الله) على وزارة الصحة التي يحتاج إليها لمعالجة جرحى الحرب السورية»، وتابع: «بذلك أثبت المحور الإيراني أنه الطرف المقرر في لبنان والذي لديه كلمة الفصل ما يشير إلى أن (حزب الله) بات يحظى بالتوقيع الثالث فيما يتعلق بالتشكيل إلى جانب توقيع رئيس الجمهورية والرئيس المكلف».
كذلك شدّد خير الله على أن «المقاومة التي يبديها الرئيس الحريري تجعل منه الحصن الأخير لمنع لبنان من السقوط نهائيا في الحضن الإيراني وذلك في ظل الصعوبات التي يواجهها لبنان».
وفي سؤالنا عن رفع المملكة السعودية حظر سفر مواطنيها إلى لبنان، تأمل خير الله أن «يستتبع هذه المبادرة بخطوات عملية لدعم لبنان وجيشه والانتقال إلى مرحلة دعم فعال أكثر للبنان».
 
التوازنات والاصطفافات السياسية
على الرغم من عودة الهدوء ليخيم على الأجواء الحكومية وعودة «الوئام» الحذر بين المكونات السياسية، فإن التصعيد غير المسبوق بين زعيم المختارة رئيس اللقاء الديمقراطي النائب السابق وليد جنبلاط والرئيس سعد الحريري طرح علامات استفهام واسعة حول التوازنات والاصطفافات السياسية الجديدة، خصوصا أن المناكفات بين الأفرقاء والقوى السياسية بدأت فور تشكيل الحكومة إذ برز جدال بين «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط ورئيس الحكومة سعد الحريري الذي تجسد في سجالات إعلامية واسعة بدأها جنبلاط على الأخير متهمه بالتفريط بصلاحيات رئاسة الحكومة والقفز فوق اتفاق الطائف واعتباره في أكثر من موقف وتغريدة أن الوزير جبران باسيل هو من يُشكّل الحكومة عمليًا وهو ما يجمع عليه حزب «القوات اللبنانية» باعتبار أن الحكومة الحالية هي «حكومة باسيل» ما يعني أن الفريقين متوجسان من «التطويق السياسي» علما بأن القوات وقفت على الحياد في سجال الحريري - حنبلاط، لكن هذا السجال وإن كان قد تمّ تداركه فإنه يشير إلى مدى التعقيدات التي قد تشهدها في المستقبل، خريطة العلاقات بين القوى السياسية الحلفاء منهم قبل الخصوم. لكن هل ستنجح هذه «المساكنة» الإلزامية؟ وهل سيكون الإجماع السياسي على الإصلاح أقوى من الخلافات بين أطراف الحكومة مجتمعة؟
وزير الاتصالات محمد شقير، أشار في حديث لمجلة «المجلة» إلى أنه «بعد تشكيل الحكومة برزت بعض الأصوات المعارضة من قبل بعض القوى التي اعتبرت نفسها خاسرة، لكن في الحقيقة اليوم لا مكان لحسابات الربح والخسارة الأهم أن لبنان انتصر في نهاية المطاف عبر تأليف الحكومة». وتابع: «بعض القوى السياسية لديها مآخذ وبغض النظر إن كان وزير بالناقص أو بالزائد الأهم أن يقوم جميع الوزراء بمهامهم وخدمة المواطن اللبناني».
كذلك أكّد شقير على أنه «لا وقت لتضييعه في السجالات السياسية لأن وضع البلد لا يحتمل المزيد من التدهور. والدليل على ذلك أن الاعتصامات الأخيرة أظهرت كسر هاجس الخوف بين المواطن وزعيمه والحكومة، لأن المواطنين ضاقوا ذرعا وغير قادرين على السكوت بعد اليوم ويستعدون لمحاسبة الزعماء». مشيرا إلى أنه «لا شك أن الحكومة قد تشهد بعض الخلافات والتجاذبات بين الأفرقاء لكن دون أن تقف حائلا أمام العمل الحكومي لأنه لم يعد أمامنا فرصة أخرى لإنقاذ البلد».
وردا على الاتهامات بأن هذه الحكومة هي «حكومة باسيل»، شدّد شقير على أنها «حكومة لبنان، وهي حكومة المواطن اللبناني وكرامته»، مؤكدا على ضرورة أن يبقى الملف الاقتصادي والمعيشي في أولويات العمل الحكومي»، مضيفا: «هذا الملف سيكون من صلب اهتماماتي إلى جانب ملف الاتصالات».
شقير الآتي من عالم المال والأعمال وعد بتغييرات وتحسين في مجال الاتصالات في لبنان، وأكّد في حديثه لـ«المجلة» على أن الملفات الرئيسية التي سيعمل عليها «هي بداية الإسراع بإنجاز ملف الـ(fiber optic) الذي بدأ العمل فيه والحرص على إتمامه بحرفية عالية كي يشمل جميع المناطق لتأمين الإنترنت السريع في لبنان كافة، كما العمل على تحسين خدمة (4g) على أن يتم العمل على الجيل الخامس وهو (5g)»، مشيرا إلى أنه «سيعمل على الكابل البحري الذي ينقل لبنان إلى مرحلة تصدير الإنترنت، أيضا العمل على (الداتا سنتر)».
 


اشترك في النقاش