الاستثمار الخاص يعزز النمو الاحتوائي في منطقة الشرق الأوسط وآسيا

دخول الشركات الجديدة إلى سوق الأعمال والبيروقراطية الحكومية والقوانين... أكبر التحديات
* تحسين فرص الحصول على التمويل له دور كبير في زيادة الاستثمارات الخاصة.
* ضرورة تعزيز الشفافية والمساءلة للحد من الفساد وتعزيز الإطار القانوني للشركات.
* الاستثمار الخاص في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ثاني أدنى مستويات الاستثمار في العالم.
* كثير من الدول بدأت في تحسين مناخ الاستثمار... والإمارات الـ17 عالمياً في التنافسية.
* انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بمقدار النصف منذ الأزمة المالية العالمية.

القاهرة: يؤدي التحول من النموذج الذي تقود فيه الدولة قاطرة النمو الاقتصادي، والذي حال دون تنمية القطاع الخاص، إلى نمو أكثر ديناميكية بقيادة القطاع الخاص. وتحتاج منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى نمو أكبر وأكثر احتواء للجميع لخلق فرص عمل جديدة للأعداد المتزايدة من السكان وتعزيز صلابة الاقتصاد. ومن شأن زيادة الاستثمارات العامة والخاصة، تعزيز إرساء الأساس اللازم للطلب الكلي على المدى القصير ورفع مستويات النمو الممكن مستقبلا، من خلال زيادة الإنتاجية.
وبلغ متوسط الاستثمار الخاص السنوي في بلدان منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى 6.15 في المائة، من إجمالي الناتج المحلي، خلال الفترة من 2000 إلى 2017. وهو ثاني أدنى مستويات الاستثمار الخاص في العالم بعد أفريقيا جنوب الصحراء. وتراجعت نسب الاستثمار تراجعا ملحوظا مقارنة بالمناطق النظيرة منذ الأزمة المالية العالمية.
وتحتاج المنطقة لقطاع خاص أكثر ديناميكية مدعوم باستثمارات خاصة قوية للتشجيع على خلق مزيد من فرص العمل وتعزيز النمو الاحتوائي. وسيمكن إطلاق إمكانات الاستثمار الخاص، ومن ثم إرساء الأساس لنمو أكبر وأكثر احتواء للجميع، من خلال زيادة فرص الحصول على التمويل، والاستثمار في التعليم والبنية التحتية، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتعزيز الفعالية والحوكمة في القطاع الحكومي.
وتلعب الاستثمارات العامة دورا مهما في هذا الصدد من خلال توفير البنية التحتية، مثل الطاقة ووسائل النقل والاتصالات الضرورية لإطلاق الاستثمار الخاص، ومن خلال المساعدة أيضا في بناء رأس المال البشري، مثل الاستثمار في التعليم والصحة.
ويشير تقرير لصندوق النقد الدولى إلى ضرورة زيادة استثمارات القطاع الخاص نظرا لمحدودية موارد المالية العامة. مشيرا إلى أهمية الاستثمارات الخاصة لزيادة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد وتعزيز الإنتاجية من خلال تطبيق أساليب وعمليات جديدة.
 
تشجيع القطاع الخاص
رغم أن كثيراً من البلدان تتخذ خطوات لتشجيع تنمية القطاع الخاص، بما في ذلك تحسين بيئة الأعمال وتعزيز الحوكمة وتنفيذ إصلاحات داعمة للإنتاجية، لا يزال الاستثمار الخاص يسجل مستويات منخفضة مقارنة بالبلدان النظيرة، وتتناقص مساهمته في النمو مع الوقت.
ويشير تقرير التنافسية العالمية إلى أن دول المنطقة العربية قامت بجهود للإصلاح وزيادة الاستثمارات لزيادة تنافسية اقتصادياتها على مدار الفترة الماضية، لكن بشكل عام لم تتغير تنافسية اقتصاديات المنطقة العربية بشكل مؤثر على مدار العقد الأخير، وظلت أقل من دول شرق آسيا وأوروبا.
واحتلت الإمارات العربية المتحدة المرتبة 17 في مؤشر التنافسية العالمية من إجمالي 137 دولة شملها التقرير، بينما جاءت المملكة العربية السعودية في المرتبة الـ30 عالميًا والثالثة عربيًا، واحتلت لبنان المركز الأخير والثاني عشر عربيًا بعد أن جاءت في المرتبة 105 على مستوى العالم.


 
الإمارات
تحسنت الإمارات بشكل كبير لتتصدر الدول العربية في التنافسية، وأرجع التقرير تحسن تنافسية الإمارات إلى مرونة اقتصادها، وهو أمر يعود جزئيًا لتنوعه الذي يجعله أقل تأثرًا بتراجع أسعار النفط والغاز وتباطؤ حركة التجارة العالمية، كما أن تطبيق الدولة لضريبة القيمة المضافة ستكون له تبعات إيجابية على اقتصادها بالفترة المقبلة. وأشار التقرير في الوقت نفسه إلى أنه لتحسين التنافسية تحتاج الدولة لإسراع خطاها فيما يتعلق بنشر أحدث التقنيات الرقمية، وتطوير التعليم.
 
السعودية
رغم تراجع السعودية مركزًا واحدًا، إلا أن تقرير البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي ومؤسسة التمويل الدولية ذكر أن أداء الاقتصاد السعودي جاء ثابتًا، وجاءت المملكة في المركز الثالث في المنطقة والـ30 على مستوى العالم.
وبحسب التقرير يحظى اقتصاد المملكة بعدة نقاط قوة تشمل استقرار المؤسسات، وجودة البنية التحتية وضخامة السوق التي تعد الأكبر على مستوى الدول العربية، لكن على الجانب الآخر لا تزال كفاءة السوق المالية أقل بسبب تباطؤ نمو الائتمان وزيادة معدلات الفائدة في 2016. فيما سيساهم تطبيق المملكة لضريبة القيمة المضافة في تأمين تمويل وتنويع مصادر الإيرادات بعيدًا عن النفط.
 
البحرين
جاء ترتيب البحرين في المركز الـ44 عالميًا، والرابع على صعيد دول المنطقة العربية. وذكر التقرير أن ترتيب البحرين تحسن في عدة مؤشرات خلال العام الماضي، تشمل الجاهزية التقنية، والبنية التحتية المتطورة، والهيكل المؤسسي الجيد، والابتكار. ولفت التقرير إلى وجود عدد من التحديات المستمرة على صعيد وجود عجز مالي كبير بالموازنة، وحجم السوق الذي يعد الأصغر في المنطقة، وبيئة الاقتصاد الكلي بشكل عام، وتطوير السوق المالية.
 
الكويت
تراجعت الكويت 20 مركزًا دفعة واحدة لتأتي في المرتبة 52 عالميًا، والخامسة بالمنطقة، وذلك بسبب تدهور بيئة الاقتصاد الكلي على خلفية نزول أسعار النفط والغاز وسجلت الدولة عجزًا في ميزانيتها لعام 2016 بنسبة 3.6 في المائة مقابل فائض في العام السابق عليه.
وبحسب التقرير، لزيادة تنافسية الاقتصاد الكويتي، ينبغي على الدولة زيادة سعة الابتكار عبر الاستثمار في التعليم العالي والتدريب، وتبني توجه نحو سوق عمل أكثر شمولية وكفاءة يسمح بالاستغلال الأمثل لرأس المال البشري.
ولم يتطور الاقتصاد الكويتي بشكل واضح خلال العقد الأخير، بل إنه تراجع في بعض الأحيان، حيث تراجعت كفاءة سوق العمل، كما أشارت مراجعة للمؤشرات نشرها الاتحاد الدولي للاتصالات إلى هبوط كبير في الجاهزية التكنولوجية، وفقًا لما ذكره التقرير.
 
عمان
صعدت عمان أربعة مراكز لتحتل المرتبة 62 عالميًا، وهي السادسة على صعيد الدول العربية، وذلك بفضل كفاءة السوق، وقوة المؤسسات والبنية التحتية. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الدولة بحاجة لتطوير أنظمة التعليم والتدريب، والابتكار، وكذا إصلاح سوق العمل. وتمرر عمان إصلاحات مالية لضبط اقتصادها عقب انخفاض أسعار النفط، وتشمل خفض دعم الوقود، وزيادة ضرائب الشركات، وتطبيق القيمة المضافة.
 
الأردن
دفع استقرار وكفاءة النظام المؤسسي، وقوة البنية التحتية والابتكار الأردن لاحتلال المركز 65 عالميًا، والسابع على صعيد المنطقة، وعملت الحكومة الأردنية على مدار العام الماضي على تقوية وضعها المالي وبيئة الاقتصاد الكلي التي تواجه ضغوطا إضافية تتمثل في توافد أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين. وقامت الأردن بزيادة الضرائب، والتدقيق في الإنفاق العام من قبل القطاعين العام والخاص. وتحسنت الأردن خلال السنوات الماضية على صعيد جوانب عدة أبرزها الجاهزية التكنولوجية، بينما تعد كفاءة سوق العمل وتطور سوق المال من ضمن الأعباء التي تواجه تنافسية الأردن.


 
المغرب
جاءت المغرب في المركز 71 عالميًا والثامن عربيًا في مؤشر التنافسية العالمية، وهي تعد أفضل دول شمال أفريقيا تنافسية. وتستند المغرب على الوضع الجيد للتعليم الأساسي، وتحسين البنية التحتية، وبيئة الاقتصاد الكلي الجيدة المدعومة باستقرار المؤسسات، وعلى مدار العقد الأخير تطورت البنية التحتية للمغرب بشكل ملحوظ لتدفعها من المركز 71 على صعيد ذلك البند في عام 2010 إلى الـ54 اليوم. وتظل التحديات الأكبر للمغرب هي تحسين بيئة الابتكار، ونظام التعليم العالي والتدريب، وكذا كفاءة سوق العمل.
 
الجزائر
قفزت الجزائر 25 مركزًا في مؤشر التنافسية العالمية منذ عام 2012 - 2013. وحصلت على المرتبة 86 عالميًا والتاسعة عربيًا، ومنذ عام 2015 واجه تحسن تنافسية الجزائر تدهور الوضع الاقتصادي بسبب انهيار أسعار النفط والغاز، لكن اليوم هناك تطوير بوتيرة سريعة في التعليم الأساسي، والتعليم العالي والتدريب، والبنية التحتية والجاهزية التكنولوجية، غير أنه لا تزال البنية التحتية والتكنولوجية متأخرة بفجوة كبيرة عن الدول المتقدمة.
واعتبر التقرير أن تنويع الاقتصاد بعيدًا عن المصادر الطبيعية، مثل تطبيق ضريبة القيمة المضافة، سيكون عاملاً رئيسيًا لتأكيد الفرص المستدامة بالمدى الطويل، بالتزامن مع التركيز على الابتكار والاندماج في الاقتصاد العالمي.
 
تونس
احتلت تونس المرتبة العاشرة عربيًا، والـ95 على مستوى العالم بمؤشر التنافسية، وتباطأ الاقتصاد التونسي بالسنوات الماضية، ويعد تطوير كفاءة سوق العمل غير الكفء نقطة ضعف للدولة وينبغي أن تكون له الأولوية في الإصلاح، وكذا بيئة الاقتصاد الكلي التي تواجه تحديات، وذلك بحسب ما جاء به التقرير. واعتبر التقرير أن البيروقراطية الحكومية، والفساد، وعدم استقرار السياسات أهم 3 مشاكل تواجه أداء الأعمال في تونس. فيما تحسنت التكنولوجيا بشكل ملحوظ منذ عام 2013.
 
مصر
حصلت مصر على المرتبة 100 هذا العام، وهي تستهدف مستويات تنافسية مشابهة لما حققته في عامي 2009 و2010 بالتزامن مع تطبيق إصلاحات حادة على صعيد تطوير السوق المالية، والبنية التحتية. وشهدت بيئة الاقتصاد الكلي لمصر الجانب الأكبر من التدهور على مدار السنوات الأخيرة، ويليها الابتكار، وضعف كفاءة سوق العمل.
 
لبنان
جاءت لبنان في مؤخرة الدول العربية في مؤشر التنافسية، واحتلت المرتبة 105 على مستوى العالم، وذلك على الرغم من تطور التكنولوجيا والأعمال والابتكار، إلا أنها لا تزال تحمل عبء الاقتصاد الفقير وعدم كفاءة المؤسسات وسوق العمل. وضغط تدفق اللاجئين السوريين على موارد لبنان، على صعيد أنظمة الصحة والتعليم خاصة.
 
ضعف الاستثمارات
يرصد تقرير صندوق النقد مستويات الاستثمار الخاص، ففي بلدان الشرق الأوسط وآسيا الوسطى سجل الاستثمار الخاص 15.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وهو ثاني أدنى مستويات الاستثمار الخاص في العالم بعد أفريقيا جنوب الصحراء التي سجلت 14.5 في المائةمن إجمالي الناتج المحلي.
 
وخلال الفترة نفسها، سجل الاستثمار الخاص في منطقة أميركا اللاتينية والكاريبي وفي بلدان أوروبا الصاعدة نسباً أعلى بمقدار 2.1، و3.2 نقطة مئوية تقريبا، على الترتيب. وتجاوزت نسبة الاستثمار الخاص في آسيا الصاعدة مثيلاتها في بلدان الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بنحو 3 نقاط مئوية. وتعد نسب الاستثمار منخفضة بدرجة ملحوظة في البلدان منخفضة الدخل وفي البلدان مرتفعة الدخل الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي مقارنة بالبلدان النظيرة.
كذلك تراجع الاستثمار الخاص في المنطقة منذ الأزمة المالية العالمية على غرار ما حدث في بلدان أوروبا الصاعدة. ويرجع ذلك إلى مزيج من العوامل، من بينها ضعف النشاط الاقتصادي، وتوقعات الشركات بشأن تراجع الربحية، وتشديد الأوضاع المالية، وما صاحب ذلك من تراجع حاد في أسعار النفط خلال الفترة 2014- 2015.
 
الدول المستوردة للنفط
وارتفعت النسبة الكلية للاستثمار الخاص إلى إجمالي الناتج المحلي في البلدان المستوردة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان. ففي الجزائر ارتفع متوسط نسبة الاستثمار من 14 في المائة إلى 22 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. ويعكس ذلك على الأرجح الاستثمارات الكبيرة التي نفذتها الشركات المملوكة للدولة والتي يصعب فصلها عن الاستثمارات الخاصة على مستوى البيانات. وباستبعاد الجزائر، ظلت نسب الاستثمار ثابتة عموما، حيث تتوازن الزيادات الطفيفة المسجلة في العراق والكويت وعمان مع الانخفاضات الطفيفة في إيران والسعودية والإمارات العربية المتحدة. وقد شهدت معظم البلدان المستوردة للنفط، لا سيما مصر، تراجعا في نسبة الاستثمار الخاص إلى إجمالي الناتج المحلي منذ عام 2008. ومن الممكن ملاحظة هذا الاتجاه أيضا في أفغانستان وباكستان منذ عام 2004. ويشير ذلك إلى أن عدم الاستقرار السياسي حال دون جذب الاستثمارات الخاصة.
 
آسيا الوسطى
وفي منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، تراجعت نسب الاستثمار منذ الأزمة المالية العالمية، لا سيما في البلدان المستوردة للنفط. ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى الانخفاض المطرد في أرمينيا الذي تجاوز الارتفاع الذي حدث مؤخرا في جورجيا. وعلى مستوى البلدان المصدرة للنفط، ارتفعت نسبة الاستثمار الخاص إلى إجمالي الناتج المحلي، ولكن هذا الارتفاع توازن جزئيا نتيجة تراجع بطيء في كازاخستان. ومع تدفق الاستثمارات في المنطقة نتيجة دورات أسعار السلع الأولية، ينعكس استمرار اعتماد النموذج الاقتصادي للمنطقة على السلع الأولية أيضا في العلاقة بين الاستثمار العام والخاص وأسعار السلع الأولية، لا سيما أسعار النفط.
وعادة ما يصاحب ارتفاع أسعار النفط توسع في الاستثمارات العامة في البلدان المصدرة للنفط، مما يعكس مسايرة الإنفاق الرأسمالي للاتجاهات الدورية بقوة. وفي الوقت نفسه، تؤثر أسعار النفط تأثيرا غير مباشر على توافر الموارد اللازمة للاستثمار في البلدان المستوردة للنفط نظرا للتداعيات التي تنتقل إليها من البلدان المصدرة للنفط من خلال تحويلات المغتربين والمنح والاستثمارات المباشرة. ويظهر تأثير هذه القنوات بدرجة أكبر في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى التي تكثر فيها المشروعات النفطية العابرة للحدود، ومع تركز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات السلع الأولية يعد الاستثمار الأجنبي المباشر من الدوافع الرئيسية وراء تراجع الاستثمار الخاص.
 
الاستثمار الأجنبي
على غرار الاتجاه العام للاستثمارات الخاصة، انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بمقدار النصف تقريبا منذ الأزمة المالية العالمية، ونظرا لأن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تتركز بدرجة كبيرة في قطاع السلع الأولية، فإن ذلك يعكس على الأرجح تراجع أسعار النفط، وقد شهدت البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا سيما أفغانستان وباكستان والبحرين وعمان وقطر والسعودية، ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى الانخفاض الأكبر على الإطلاق في معدل تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
ورغم أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر تراجعت بوجه عام، فإنها أصبحت أيضا أكثر تركزا في قطاعي النفط والتعدين، دون أن يكون لذلك دور كبير في توفير فرص عمل جديدة نظرا لأن هذين القطاعين يتسمان بكثافة رأسمالية بطبيعتهما. وقد ارتفعت نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة إلى هذين القطاعين في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى من متوسط يبلغ 29 في المائة من التدفقات خلال الفترة 2004 - 2008 إلى 40 في المائة من التدفقات الوافدة خلال الفترة 2012 - 2016. وتركز الجزء الأكبر من هذه الزيادة في بلدان منطقة القوقاز وآسيا الوسطى. وفي البلدان المستوردة للنفط في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، ارتفعت نسبة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى قطاعي النفط والتعدين من 5 في المائة إلى 22 في المائة في المتوسط من مجموع التدفقات خلال الفترة نفسها.
وفي البلدان المصدرة للنفط في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، شكل قطاعا النفط والتعدين أكثر من 75 في المائة من مجموع التدفقات خلال الفترة 2012 - 2016 وخلال الفترة نفسها، تراجع متوسط نسبة التدفقات الوافدة إلى القطاع في البلدان المصدرة للنفط من مستويات مرتفعة بالفعل، بينما ظل ثابتا في البلدان المستوردة للنفط.


 
تنمية القطاع الخاص
رغم أن الاستثمار العام يمكن أن يكون مكملا مهما للاستثمار الخاص، توجد دلائل تشير إلى أنه قد يسهم في مزاحمة الاستثمار الخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى. وتدل هذه المزاحمة على أن القطاع العام الكبير لا يكمل القطاع الخاص، بل يتنافس معه على الموارد المحدودة، بما في ذلك فرص الحصول على الائتمان وجذب المهارات.
كذلك فإن نسبة الائتمان الكبيرة المخصصة للشركات المملوكة للدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى تدل أيضا على أن الدولة لها دور كبير للغاية في القطاع الإنتاجي في الاقتصاد. ويظهر ذلك خصوصا في البلدان المصدرة للنفط، حيث يزيد نصيب الشركات المملوكة للدولة في مجموع الائتمان بعدة أضعاف عن متوسطه في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية.
فضلا عن ذلك، ترتفع مستويات توظيف العمالة في القطاع العام في بلدان المنطقة عنها في البلدان النظيرة، مما يعرض القطاع الخاص إلى المنافسة على المهارات. وترتفع نسبة موظفي القطاع العام إلى مجموع عدد الموظفين في البلدان المصدرة للنفط في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى بمقدار 7.2 مرة عن متوسط هذه النسبة في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. وفي كثير من البلدان المصدرة للنفط، توجد أيضا فجوات كبيرة في مستوى التعويضات بين القطاع العام والقطاع الخاص، مما يؤدي بالفعل إلى زيادة تكلفة العمالة في القطاع الخاص.
وفي بلدان مجلس التعاون الخليجي تحديدا، ترتفع أجور القطاع العام بمقدار ضعفين إلى ثلاثة أضعاف تقريبا عن متوسط أجور القطاع الخاص، وفي منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، أدت ثروات الموارد الطبيعية، والروابط القوية بين الاقتصادات، إلى جانب الدور المهيمن للدولة على القطاعات الإنتاجية، إلى تثبيط الاستثمارات الخاصة في القطاعات غير النفطية. وأثر ذلك سلبا على الزيادة التي شهدتها المنطقة في المستويات الإنتاجية وخلق فرص العمل، مما حد من فرص الاستثمار وجعل الحكومة بمثابة الملاذ الأخير للعثور على فرص العمل في بعض الحالات.
 
مناخ الأعمال
تفرض مواطن الضعف الحالية التي تشوب بيئة الأعمال معوقات أمام القطاع الخاص أيضا. وتحديدا، تعد القدرة على الحصول على التمويل وجذب المهارات من أهم معوقات ممارسة الأعمال، إلى جانب المشكلات المتعلقة بالبيروقراطية الحكومية والقوانين، والتي ربما ترتبط أيضاً بالوجود القوي للدولة في الاقتصاد.
ولا يزال دخول الشركات الجديدة إلى سوق الأعمال من أكبر التحديات عبر المنطقة، حيث يقل عدد الشركات الجديدة في بلدان المنطقة عنه في الاقتصادات الصاعدة الأخرى. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، يقل متوسط مستويات دخول الشركات الجديدة إلى سوق الأعمال بدرجة كبيرة عنه في المناطق الأخرى، بينما تضاهي المستويات في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى مثيلاتها في أفريقيا جنوب الصحراء إن كانت تقل عن اقتصادات أميركا اللاتينية والكاريبي، والأسواق الصاعدة.
وتبرز جورجيا بين بلدان المنطقة بفضل الإصلاحات الهيكلية التي نفذتها في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث سجلت ضعف عدد الشركات الجديدة المسجلة في الإمارات العربية المتحدة التي تأتي في المرتبة الثانية بعدها. وتقل أعداد الشركات الجديدة في العراق وباكستان للغاية، حيث تبلغ النسبة شركة واحدة لكل 5000 مواطن ولكل 1000 مواطن على الترتيب.
ويؤدي تحسن آفاق النمو الاقتصادي إلى ارتفاع مستويات الاستثمار الخاص، نظرا لأن الشركات تزيد من حجم استثماراتها عندما تتوقع الرخاء. وبالمثل، ترتفع مستويات الاستثمار الخاص عندما يزداد نمو الشركاء التجاريين للبلدان بما يؤدي إلى زيادة الطلب على منتجات الشركات.
وتجتذب البلدان المنتجة للنفط مستويات أعلى من الاستثمار الخاص عندما تنعم أسواق النفط بالاستقرار. ويؤكد ذلك أن هذه البلدان عرضة للتأثر بدورات أسعار السلع الأولية. وقد تسهم زيادة التنويع الاقتصادي على الأرجح في الحد من هذا التأثير وزيادة استقرار مستويات الاستثمار.
ويبدو أن النتائج تؤكد على أن الاستثمار العام يمكنه مزاحمة الاستثمار الخاص. ولكن نظرا للدور الذي بمقدور الاستثمار العام أن يلعبه في دعم بيئة الأعمال – من خلال توفير العمالة الماهرة والبنية التحتية الضرورية، وغير ذلك، يتعين توافر قدر من الاستثمارات العامة لتمكين الاستثمار الخاص في المقام الأول.


 
توصيات على صعيد السياسات
تعد زيادة الاستثمارات الخاصة من أهم الأولويات في بلدان الشرق الأوسط وآسيا الوسطى من أجل تحقيق معدلات نمو أكبر والحفاظ على استمراريتها ومن ثم توفير فرص عمل جديدة. ويستلزم إنشاء قطاع خاص يتسم بالديناميكية، وجذب مزيد من الاستثمارات الخاصة، بدورهما، تنفيذ سياسات اقتصادية كلية ٕوإصلاحات هيكلية ومؤسسية داعمة.
وتحديدا، سيكون للإجراءات الهادفة إلى تحسين فرص الحصول على التمويل دور كبير في زيادة الاستثمارات الخاصة. ويمكن أن تتضمن هذه الإجراءات بذل جهود لإنشاء مكاتب الاستعلام الائتماني وتوسيع نطاق تغطيتها، وتعزيز حقوق الدائنين في إنفاذ الضمانات والكفاءة التشغيلية لنظم المحاكم (ونظم فض النزاع الودية) ذات الصلة، وإجراءات الإفلاس، وتعزيز النظم المصرفية وتحسين قوانين من أجل تحسين فرص الحصول على الائتمان المصرفي. ويمكن كذلك التشجيع على زيادة المنافسة بين البنوك من خلال تيسير متطلبات دخول البنوك الجديدة إلى السوق المصرفية وإلغاء المعاملة التفضيلية للبنوك العامة. ويمكن في الوقت نفسه بذل جهود لتعميق أسواق رأس المال المحلية لزيادة القنوات التي يمكن للقطاع الخاص الحصول على رأس المال من خلالها، بما في ذلك رؤوس الأموال المساهمة وغيرها من رؤوس الأموال الخاصة، مثل رؤوس الأموال المخاطرة.
وسيساعد في هذا الصدد أيضا تعزيز أطر الإعسار والإفلاس، ومواصلة تطوير التكنولوجيات المالية. وسيكون من الضروري تعزيز الأطر التنظيمية والرقابية لدعم التطوير المالي السليم. وتوجيه الإنفاق العام نحو التعليم، بما في ذلك توجيه التعليم والتدريب المهني نحو المهارات اللازمة للعمل في القطاع الخاص والبنية التحتية المادية من أجل بناء رأس المال البشري وتعزيز التنافسية والإنتاجية. وسيكون هذا النوع من الاستثمارات العامة بمثابة أداة مكملة قوية للاستثمار الخاص.
وسيتطلب في معظم بلدان المنطقة التي تواجه قيودا على مالياتها العامة تحويل الإنفاق من الاستخدامات غير المنتجة، مثل الدعم غير الموجه وفواتير الأجور المرتفعة إلى الاستثمار. وبترسيخ هذه المبادئ في أطر قوية لإدارة الاستثمارات العامة، سيمكن ضمان جودة الإنفاق وكفاءة واستمرارية استخدام الموارد.
ويمكن دعم الاستثمار الخاص أيضا من خلال تكميل هذه الإجراءات بجهود لزيادة فعالية الحكومة، بما في ذلك تقليل البيروقراطية، وتعزيز الشفافية والمساءلة للحد من تصورات الفساد، وتعزيز الإطار القانوني للشركات. وسيمكن كذلك ٕإتاحة مجال أكبر لازدهار القطاع الخاص والحد من هيمنة القطاع العام، والعمل على خلق بيئة أعمال تنافسية من خلال تقليص دور القطاع العام، وستتيح هذه الجهود التحول من النموذج الحالي الذي تقود فيه الدولة قاطرة النمو إلى نمو أكثر ديناميكية بقيادة القطاع الخاص. وسيدعم ذلك زيادة التنويع الاقتصادي في البلدان المصدرة للنفط، كما سيضمن تحقيق نمو احتوائي واسع النطاق عبر المنطقة، مما سيعزز من صلابة الاقتصاد في البلدان.
 


اشترك في النقاش