بعد 6 سنوات على اغتيال اليساري التونسي شكري بلعيد

ملفّ مفتوح وبحث مستمر عن حقيقة من يقف وراء الجريمة
* هل كان قتل الإرهابي كمال القضقاضي منفذ عملية الاغتيال إتلافاً لـ«الصندوق الأسود» للعملية؟

 
تونس:ست سنوات مرّت على اغتيال المناضل اليساري التونسي شكري بلعيد، ورغم ذلك لا يزال البحث عن جوانب كثيرة من حقيقة هذا الاغتيال متواصلا ويتواصل مع ذلك الجدل والتشكيك، ذلك أن ما ظهر من حقائق أكدتها وزارة الداخلية والجهاز القضائي لا يحظى بتصديق واقتناع الجميع، ولا يزال المقربون من الشهيد بلعيد سواء في عائلته الطبيعية أو السياسية مصرّين على معرفة تفاصيل أخرى عن حقيقة الاغتيال وخاصة من اتخذ القرار ومن دبّر ومن موّل وأَذِن بالتنفيذ.
ويعتبر أغلب التونسيين أن شكري بلعيد ليس شهيد حزبه أو عائلته فحسب، بل هو شهيد الوطن بكل أطيافه الفكرية والسياسية وشهيد النضال السياسي صلب التيار اليساري، حيث كان شكري بلعيد الناطق الرسمي باسم الوطنيين الديمقراطيين بالجامعة لما كان طالبا ثم الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد الذي أسسه صحبة عدد من رفاقه بعد الثورة أي سنة 2011. كما كان أيضا أحد مؤسسي تيار الجبهة الشعبية التي تضم عددا من الأحزاب اليسارية والتقدمية.
وقد وُلد الشهيد يوم 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 1964 بتونس العاصمة حيث درس المرحلتين الابتدائية والثانوية ثم درس الحقوق بالجامعة التونسية ثم واصل دراسته الجامعية بالعاصمة العراقية بغداد ثم تحول إلى باريس ليُكمل المرحلة الثالثة من دراسة الحقوق والعلوم القانونية، وصار محاميا بداية من سنة 2004.
وكان الشهيد معارضا شرسا في مرحلة حكم الحبيب بورقيبة وظل كذلك في عهد زين العابدين بن علي وحتى بعد ثورة 2011 حيث شارك في كثير من الاعتصامات والتحركات الاحتجاجية وإضرابات الجوع التي خاضها مواطنون دفاعا عن حقوقهم وكان منسقا ومدافعا في كثير من اللجان والاعتصامات الحقوقية، وقد عُرِف شكري بلعيد بدفاعه المستميت عن أفكاره ومواقفه، وكان خطيبا بارعا ومثقفا متشبعا بمبادئ الماركسية، ودافع بصفته محاميا عن المتهمين من أبناء منطقة الحوض المنجمي التابعة لمحافظة قفصة سنة 2008، وأيضا عن مساجين تابعين للتيار السلفي الجهادي.

انتخب بلعيد أمينا عاما لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد في سبتمبر (أيلول) 2012 وساهم في تأسيس الجبهة الشعبية التي تضم أحزابا من اليسار الماركسي والقومي وكان عضو مجلس الأمناء فيها.
وقد سقط شكري بلعيد برصاص غادر صباح يوم 6 فبراير (شباط) 2013 في عملية هزت الرأي العام في تونس وخارجها وكان ذلك أمام منزله بضاحية المنزه السادس القريبة من العاصمة تونس ولفظ أنفاسه بمصحة خاصة بعد وقت قصير من إصابته، وحظي بجنازة ضخمة حضرها مئات آلاف التونسيين من أغلب العائلات الفكرية والسياسية.ورغم مرور ست سنوات على اغتياله، ورغم قتل كمال القضقاضي المتهم الرئيسي في العملية والذي أكد القضاء ضلوعه في الجريمة فإن الغموض حول ملابسات هذه الجريمة لا يزال قائما، وقد انتقد الكثيرون مقتل كمال القضقاضي الذي حصل في عملية مداهمة بضاحية روّاد مع مجموعة من العناصر الإرهابية متكونة من ستة أشخاص يوم 4 فبراير 2014 دون سماع أقواله واستنطاقه، فقد دُفِن القضقاضي الذي اعتبره البعض «الصندوق الأسود» لحادثة الاغتيال هذه، ودُفِنت معه أسرار الجريمة وكان بالإمكان اعتقاله حيّا لمعرفة من كلّفه باغتيال بلعيد ومن قرّر وخطّط لعملية الاغتيال.وهكذا بقيت الحقيقة غائبة وظلت كثير من الأسئلة قائمة في انتظار ما قد تأتي به الأشهر والسنوات القادمة من جديد باعتبار تشعب الملف وإصرار هيئة الدفاع عن بلعيد وعائلته وحزبه على اعتبار الجريمة سياسية والتأكيد على أن هناك طرفا سياسيا خطط وموّل وأَذِن بتنفيذ عملية الاغتيال وطمس معالم الجريمة، كما أن هؤلاء يشككون في نزاهة القضاء وهو ما كررته هيئة الدفاع عن بلعيد مؤخرا، بالإضافة إلى قيامهم بعرض الملف على هيئات حقوقية دولية قد تساعد حسب رأيهم على كشف حقائق جديدة وهو ما تتبناه كثير من المنظمات الحقوقية في تونس التي ترى أن الدولة التونسية ارتكبت إخلالات بواجب السعي لكشف الحقيقة ولم تتخذ ما يكفي من الإجراءات القانونية لتتبع جميع المسؤولين عن أجهزة مختلفة قد تكون لها علاقة باغتيال بلعيد.


ومن جهة أخرى، يرى خبراء ورجال قانون ومتابعون للشأن السياسي في تونس أن من اغتال شكري بلعيد هو نفسه من اغتال باقي شهداء الوطن من أمنيين وعسكريين ومواطنين في جبال القصرين والكاف وجندوبة وغيرها من المناطق، والمقصود هو الإرهاب الأعمى الذي وجد الأرضية الخصبة للتسلل بسبب كثرة التجاذبات والخلافات السياسية وطغيان الصراعات الآيديولوجية والمزايدات بين الأحزاب، كما يرى هؤلاء أن التشكيك في القضاء وعدم الاطمئنان لأحكامه ونتائج تحقيقاته يُعتبَر خطأ فادحا، فالقضاء التونسي تعافى بعد الثورة حسب المختصين وهناك الآن قطب قضائي متخصص في قضايا الإرهاب وهو جهاز مستقل يستند إلى نصوص قانونية دقيقة ويشتغل بكفاءات قضائية مدرّبة تدقق في الملفات وتحرص على التحرّي في المستندات والأدلة التي تُدين أو تُبرّئ المتهمين، وبالتالي لا بد من القبول بالأحكام والقرارات التي يتخذها القضاء بالإضافة إلى ضرورة التحلي بالموضوعية في تناول ملف الاغتيالات.يذكر أن تونس تخوض منذ سنوات حربا شرسة على الإرهاب وكان من نتائج ذلك أن تراجعت العمليات الإرهابية بشكل كبير بفضل يقظة الأمن والجيش، وهي حرب مفتوحة يشارك فيها المجتمع بكل أطيافه بسبب طبيعة هذا المجتمع الذي يحب السلم والاستقرار ويرفض الدم والعنف ويدعم جهود القوات الأمنية والعسكرية من أجل ملاحقة الإرهابيين والقضاء عليهم، كما لم تشهد البلاد عملية اغتيال منذ ست سنوات.
 
 


اشترك في النقاش