كابوس أوروبا الجديد

أطفال الداعشيات الغربيات...
* قصة المراهقة البريطانية شميمة بيغوم ورضيعها وضعت العالم في مأزق قانوني وأخلاقي
* خبراء: الشفاء من تأثير الأفكار المتطرفة والبيئة الإرهابية التي تربوا فيها ليس سهلا، لكنها حقوق الأطفال القانونية ومسؤوليتنا الإنسانية... وسيكون الأمر أصعب كلما كان عمر الطفل أكبر

القاهرة: الجدل الذي أثارته قصة المراهقة البريطانية شميمة بيغوم، التي أعربت عن رغبتها في العودة إلى بلادها بعد أن قضت نحو 4 سنوات في صفوف تنظيم داعش الإرهابي، اتخذ منحى جديدا عقب ولادتها طفلها في أحد مخيمات اللاجئين بشمال سوريا، ليستيقظ العالم الغربي على مواجهة كابوس جديد يتعلق بمصير أطفال الفتيات والنساء الغربيات اللاتي انضممن إلى صفوف التنظيم الإرهابي الأكثر وحشية.
كان يوم الأحد الماضي 17 فبراير (شباط) الجاري نقطة تحول لافتة في قضية المراهقة البريطانية شميمة بيغوم (19 عاما)، والتي تحولت إلى محط اهتمام الرأي العام العالمي، ولقبتها وسائل الإعلام الغربية بـ«عروس «داعش»، إذ أنجبت بيغوم طفلها في أحد مخيمات اللاجئين بشمال سوريا، لتجدد مناشدتها لحكومتها بالسماح لها بالعودة إلى المملكة المتحدة وتربية طفلها في بلدها.
ووفقا لوسائل إعلام غربية، غادرت المراهقة البريطانية لندن بصحبة صديقتين في نفس عمرها في فبراير (شباط) 2015 للانضمام لتنظيم (داعش) الإرهابي، وكان عمرها وقتها 15 عاما، حيث سافرن إلى تركيا، ومنها عبرن الحدود إلى الرقة السورية، حيث تزوجت بيغوم فور وصولها من أحد عناصر التنظيم الإرهابي وهو من أصل هولندي، وسبق لها أن حملت مرتين إلا أنها تعرضت للإجهاض بسبب سوء الرعاية الصحية والتغذية، ومع الخسائر التي تعرض لها التنظيم والتي أدت إلى انسحابه من المعاقل التي كان يسيطر عليها، هربت بيغوم بصحبة زوجها الذي اضطر للاستسلام لمجموعة من المقاتلين السوريين خلال معركة الهرب، بينما نجحت الزوجة المراهقة في الوصول إلى مخيم للاجئين في شمال سوريا، حيث بدأت الحديث لوسائل الإعلام عن رغبتها في العودة لبلدها، وأنجبت طفلها في نفس المخيم.

وانضمت عائلة بيغوم إلى مناشدات ابنتهم للسلطات البريطانية بالسماح بعودتها إلى بلدها، غير أن تصريحات كثير من المسؤولين البريطانيين جاءت قاطعة لتؤكد موقف المملكة المتحدة برفض عودة مواطنيها الذين سافروا للانضمام إلى تنظيم (داعش) الإرهابي، وحذر وزير الداخلية البريطاني، ساجد جاويد، في تصريحات صحافية الجمعة 15 فبراير (شباط) الجاري، من أنه سيمنع عودة البريطانيين الذين سافروا إلى الشرق الأوسط للانضمام إلى تنظيم داعش، فيما قال وزير الأمن البريطاني بين واليس، في ذات التوقيت، إن حكومة بلاده لن تخاطر بأرواح مواطنيها سواء عسكريين أو مدنيين لاستعادة دواعش بريطانيا المحتجزين في سوريا والعراق بعد قتالهم في صفوف (داعش) وأضاف واليس، في مقابلة مع «بي بي سي»: «لن أعرض للخطر حياة البريطانيين من خلال البحث عن إرهابيين أو إرهابيين سابقين في دولة منهارة».
ويرى خبراء أن قضية الأطفال الذين ولدوا في منطقة الشرق الأوسط لأمهات أو آباء يحملون جنسيات غربية وانضموا إلى تنظيم داعش الإرهابي تعد «كابوسا» جديدا سيضع أوروبا في مأزق يصعب تجاوزه بسهولة، خاصة في سياق التنازع بين حق هذه الدول في الحفاظ على أمنها الذي يمكن أن يهدده استقبال أطفال نشأوا في رحم أفكار متطرفة، وبين حقوق هؤلاء الأطفال التي تضمنها مواثيق الأمم المتحدة والقوانين الوطنية في كل دولة.
ويقول ماهر فرغلي، الباحث في شؤون الجماعات المتشددة لـ«المجلة» إن: «مخاطر إعادة الأطفال الأجانب الذين ولدوا في وسط معاقل (داعش) إلى بلادهم تكمن في عدد من المحاور الرئيسية، أبرزها أن برامج الدمج في المجتمع والتأهيل النفسي لهؤلاء الأطفال في مجتمعاتهم غير كافية، ولا يمكن التأكد من فاعليتها ونتائجها، حيث تتوقف على كثير من المتغيرات، منها عمر الطفل، فالرضيع أو الذي لم يتجاوز عمره سن التكوين الأولي أي أصغر من أربعة أعوام، تكون برامج التأهيل والدمج كافية لتنشئته وتخليصه من شوائب الأفكار المتطرفة، لكن لا يمكن ضمان النتائج بالنسبة للأطفال الأكبر سنا، إذ سيكونون قد تشبعوا بالأفكار الداعشية التي ورثوها من أبويهم وتربوا عليها في معاقل التنظيم، كما أن الأمر سيكون غاية في الصعوبة بالنسبة للأطفال الذين التحقوا بمدارس (داعش)».
ويضيف فرغلي: «من المعوقات الأخرى أيضا التي قد تواجه تأهيل الأطفال، أنهم تربوا على أفكار دينية مغلوطة، وهو ما يعني أنهم يحتاجون إلى دحض هذه الأفكار واستبدالها عن طريق رجال دين إسلامي يفهمون صحيح الدين، وهو أمر يمكن القيام به مع الأطفال العرب والمسلمين أو الأجانب من عائلات وأصول عربية من المهاجرين، لكنه أمر لن يتوفر للأطفال الغربيين أصحاب الجنسية الأصلية، وهو ما يعني أنه يجب البحث عن مقاربة مدنية لأفكار إنسانية سامية لدحض الأفكار المتطرفة، وسيكون مأزقا كبيرا على سبيل المثال أن يوجد لدينا طفل غربي اعتنقت والدته الإسلام وانضمت إلى (داعش) حيث نشأ وسط بيئة متطرفة ثم نقول له ولوالدته فجأة أن هذه الأفكار مدمرة ومتطرفة، فهل ستترك الأم إسلامها المزعوم تأثرا ببعض الكلمات؟ بالطبع لا، إذ يجب أن نتحدث إليها بنفس المنهج الديني لنوضح لهم أن ما يعتنقونه من أفكار إرهابية متطرفة ليست من الإسلام في شيء».

وفي أكتوبر (تشرين الأول)  الماضي أعلنت فرنسا عن نيتها إعادة نحو 150 طفلا إلى فرنسا من أبناء مقاتلين فرنسيين انضموا إلى «داعش» في سوريا، وهو نفس النهج الذي أعلنته ألمانيا فيما يتعلق بنحو 100 طفل يحملون جنسيتها.
ورغم عدم وجود إحصائيات دقيقة عن عدد الأطفال الغربيين الذين يعيشون في منطقة الشرق الأوسط عقب انضمام ذويهم إلى صفوف تنظيم داعش الإرهابي، فإن تقدريرات منظمات حقوقية سورية تتحدث عن وجود أكثر من ألفي طفل يعيشون في مخيمات للاجئين بسوريا.
وفي 17 فبراير (شباط) الجاري، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، دول أوروبا إلى استعادة المئات من مقاتي «داعش» الذين يحملون جنسيات غربية قبيل الانسحاب الأميركي من سوريا.
وكتب ترامب على موقع التغريدات «تويتر»: «تطلب الولايات المتحدة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وحلفاء أوروبيين آخرين استعادة أكثر من 800 من مسلحي (داعش) الذين أسرناهم في سوريا وتقديمهم للمحاكمة.. (الخلافة) على وشك السقوط، البديل ليس بديلا جيدا، إذ إننا سنضطر إلى إطلاق سراحهم».
وتابع ترامب: «الولايات المتحدة لا تريد أن تقف وتشاهد مقاتلي التنظيم المعتقلين في سوريا يتغلغلون في أوروبا التي من المتوقع أن يذهبوا إليها، نفعل الكثير وننفق الكثير... حان الوقت كي يتحرك الآخرون ويقوموا بالمهمة التي هم قادرون تماما على الاضطلاع بها، ننسحب بعد تحقيق انتصار بنسبة مائة في المائة على (الخلافة)».
وتصطدم النوايا الأوروبية الحسنة التي تسير في اتجاه السماح بإعادة الأطفال، ورفض عودة ذويهم من المقاتلين في صفوف «داعش» الذي يحملون جنسيات غربية، بالكثير من العوائق التي من شأنها تحويل القضية إلى «كابوس» مركب ما بين الأبعاد الأمنية والاجتماعية، وحقوق الأطفال التي كفلتها المواثيق الدولية، ومدى فاعلية برامج التأهيل النفسي ودمج الأطفال في المجتمع من جديد في ظل حقهم القانوني باستمرار التواصل مع آبائهم أو أمهاتهم «مقاتلي ومقاتلات (داعش)» حتى لو غيبتهم أسوار السجون عقب محاكمتهم بتهم تتعلق بالإرهاب.
 




المحامي أحمد مصيلحي

ومن جانبه يقول المحامي أحمد مصيلحي، خبير حقوق الطفل لـ«المجلة» إن «الميثاق الأساسي الذي أقرته لجنة الأمم المتحدة للطفل يكفل كافة حقوق الأطفال في كل أشكال الرعاية والتأهيل النفسي والاجتماعي، وعدم محاسبتهم على جرائم ارتكبها الأب أو الأم، وهي مبادئ تضمنتها القوانين الوطنية في كافة الدول الأوروبية، لذلك الحكومات الغربية مجبرة قانونيا وإنسانيا على حماية هؤلاء الأطفال ورعايتهم، كما أقرت لجنة الطفل بالأمم المتحدة بروتوكولا إضافيا يتعلق بحماية الأطفال في مناطق النزاعات المسلحة، وهو أمر يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية إنسانية تجاه هؤلاء الأطفال».
ويضيف مصيلحي: «يوجد برامج تأهيل نفسي واجتماعي متطورة يمكنها مساعدة هؤلاء الأطفال في الاندماج مجددا بمجتمعاتهم، بالطبع ستكون المهمة صعبة، فالشفاء من تأثير الأفكار المتطرفة والبيئة الإرهابية التي تربوا فيها ليس سهلا، لكنها حقوقهم القانونية ومسؤوليتنا الإنسانية تجاههم، وسيكون الأمر أكثر صعوبة كلما كان عمر الطفل أكبر».
ودعا مصيلحي الأمم المتحدة إلى إصدار بروتوكول إضافي لحماية الأطفال الذين يتورط ذووهم في أنشطة إرهابية، مشيرا إلى أن: «أجيالا كاملة من هؤلاء الأطفال مهددة بالخطر ما بين رفض مجتمعاتهم، والخلل النفسي العميق نتيجة تنشئتهم في بيئة إرهابية، ولا ينبغي أن نضحي بهؤلاء الأطفال لضمان الأمن، كما لا يمكننا أن نقلل من خطر وإمكانية اعتناقهم أفكارا إرهابية، حتى خلال خضوعهم لبرامج التأهيل، بالطبع مخاوف العالم من تحولهم إلى إرهابيين مشروعة تماما، إذ إنه سيظل من حق الأم أو الأب (اللذين يعتنقان أفكارا إرهابية) التواصل مع الطفل ومقابلته تحت رقابة صارمة وإشراف اختصاصيين مدربين، لكن ستظل المعضلة الإنسانية قائمة لإحداث توازن بين المخاوف الأمنية والتصدي لخطر الإرهاب من دون ارتكاب جرائم في حق هؤلاء الأطفال والتخلي عنهم».


اشترك في النقاش