هل يمكن أن يقود تنظيم داعش مقاتل أوروبي؟

بعد الغموض حول مصير أبو بكر البغدادي...
* البغدادي لم يشارك أبداً في أي عمليات عسكرية، وهذا ما كشفت عنه شهادات معتقلي داعش من القيادات المدنية لدى الاستخبارات العراقية.
* هناك مقاتلون لداعش يعتبرون خلايا نائمة بعد خسارة التنظيم في الموصل والرقة، ومدن عراقية وسورية أخرى، ومنهم من تسرب إلى القوات المدعومة من تركيا.
* ما زال تنظيم داعش «عراقي» الهوى، يراهن على العراق وعلى الملاذات الآمنة حتى أكثر من سوريا، وهذا يعود إلى نشأة التنظيم وانطلاقته.
* تقارير البنتاغون والاستخبارات المركزية وتقارير أمنية أخرى، تحذر من عودة تنظيم داعش في العراق خلال الفترة القادمة.
* المقاتلون الأجانب سيكون لهم دور مؤثر، ربما ليس داخل التنظيم، بل سيكونون «قنابل موقوتة» داخل أوروبا.

بون: ما زال الجدل قائماً، حول مصير زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، بسبب التضارب في تقارير أجهزة الاستخبارات، حيث يمثل مصير زعيم التنظيم صداعاً لعناصر تنظيم داعش وفي نفس الوقت لأجهزة الاستخبارات. وفي أعقاب تضييق الخناق على جيوب «داعش» في سوريا، شرق الفرات، مطلع شهر فبراير (شباط) 2019. وفي العراق عند القائم والحدود السورية العراقية، يكثر الجدل حول مصير زعيم التنظيم، وهل يمكن لأحد المقاتلين الأوروبيين أن يكون بديلا للبغدادي؟
سؤال يحتاج إلى كثير من البحث والمراجعة، فالمقاتلون الأجانب، ربما أضافوا إلى تنظيم داعش الكثير، في مرونة الحركة والتنقل داخل دول أوروبا والغرب، يذكر أن تنفيذ عملية محدودة في عاصمة دولة أوروبية، تعادل عملية عسكرية واسعة للتنظيم. المقاتلون الأجانب وخاصة الأوروبيون، أعطوا التنظيم زخما كبيرا، في إعلانات تنظيم داعش وفي دعايته المتطرفة، ليكونوا مصدر قلق إلى أجهزة الاستخبارات الأوروبية، استنزفت الكثير من قدراتها البشرية والمالية وسط حالة التأهب والتي ما زالت قائمة، رغم خسارة التنظيم لمعاقله في سوريا والعراق عام 2017.
وقد نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية يوم 8 فبراير 2019 مقالاً ل-«مارتن شولوف»، مراسلها من الحسكة في سوريا، يتناول فيه تقريرًا كشف فيه مسؤولون أن زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، نجا من محاولة انقلاب دُبّرت ضده، في شرق سوريا قبل شهر من صدور التقرير.
تقرير صحيفة «الغارديان» هذا، من المرجح أن يكون تقريرا مسربا، ربما لأغراض سياسية، أو استخبارية؛ من أجل «دفع» التنظيم إلى تكذيب التقرير، وربما بإصدار تسجيل صوتي جديد للبغدادي، يساعد أجهزة الاستخبارات على تحديد مكانه. وبمراجعة عدد المرات التي ظهرت فيها مثل هذه التقارير حول مقتل أو إصابة زعيم تنظيم داعش، فقد كانت كثيرة ولم تثبت صحتها. ويأتي ظهوره الافتراضي ربما لرفع معنويات مقاتلي داعش، مع كل مرة يتراجع التنظيم أو يواجه ضربات من قوات التحالف الدولي أو الحكومات المحلية.
وما يدعم فكرة التسريب، هو أن أبو بكر البغدادي لا يدير العمليات العسكرية ولم يشارك أبداً في أي عمليات عسكرية، وهذا ما كشفت عنه شهادات معتقلي داعش من القيادات المدنية لدى الاستخبارات العراقية. 
لكن يظل مكان زعيم التنظيم غير معلوم، وخاضعاً للتكهنات، ومن المرجح أن يكون اتجه غرب أفريقيا، أو إلى إيران. إلى جانب ذلك فقد أفاد منشقون عن تنظيم داعش في وقت سابق، بأن أبو بكر البغدادي لم يكن موجودا في مدينة الموصل أو الرقة خلال تحريرهما عام 2017.
وفي تسجيل أبو بكر البغدادي خطاب «الوداع»، المخصص لمناصريه والذي جرى توزيعه عبر كثير من الواعظين التابعين له، فإن أبو بكر دعا جميع قادة ما يسمى مجلس الشورى لمغادرة الموصل-تلعفر، باتجاه سوريا. 
سحب أبو بكر البغدادي أيضاً القيادات العراقية من ساحات القتال في الموصل خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2017، من أجل تقليل خسارة القيادات العراقية، رغم أن بعض التقارير ذكرت أن سحب القيادات العراقية من الجبهات، كان لأسباب عملياتية.
وفي إطار محاربة التنظيم، استهدف التحالف الدولي قيادات التنظيم من الصف الأول، حيث تم قتل 42 قائدا مؤسسا من أصل 43 وهم النواة الصلبة، وقتل عدد كبير من قياداته الميدانية، استهدف التحالف الدولي رؤوس التنظيم، ومنهم أبو محمد فرقان، المعروف بالدكتور وائل عادل حسن الفياض، وقتل رئيس اللجنة المفوضة إياد عبد الرحمن العبيدي المكنى بأبو صالح حيفا، ونائبه إياد حامد محل الجميلي (أبو يحيى العراقي).


 
الملاذات الآمنة لتنظيم داعش
تمثل البادية الغربية، وادي حوران ومناطق شمال وشرق العراق، ومنطقة شمال سامراء ملاذات آمنة للتنظيم. الهيكلية الجديدة التي أعلنها التنظيم منتصف شهر يوليو (تموز) 2016، توضح أن «اللجنة المفوضة» هي من تشرف على التنظيم.
وتعتبر صحراء الأنبار ملاذا آمنا لتنظيم القاعدة سابقا وتنظيم داعش، وشهدت صحراء الأنبار نشاط أبو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة في العراق (التوحيد والجهاد) ومقتله في 2006 ومقتل خليفته أبو أيوب وأبو عمر البغدادي زعيم تنظيم داعش عام 2010. فهو تنظيم مسلح ويعتبر مظلة لعدد من الجماعات الإسلاموية التي تدعي «الجهاد» تأسس في 15 أكتوبر 2006 في العراق وتم دعم هذا التنظيم من قبل عدد من المجموعات المتمردة بما فيها من سبقتها مثل (مجلس شورى المجاهدين في العراق، جند الصحابة، التوحيد والسنة، جيش الطائفة المنصورة) وعدد من الجماعات التي تهدف لإقامة «دولة الخلافة الإسلامية».
ما زال تنظيم داعش ينحصر في أماكن محدودة جدا، خلال عام 2018، تركز في جيب شرق الفرات، ومدينة القائم الحدودية، ووفقا لتقارير أجهزة الاستخبارات العراقية، فإن كثيرا من مقاتلي تنظيم داعش لا يتجاوز أكثر من خمسة آلاف عنصر في العراق وسوريا.
وما بعد قرية الباغوز شرق الفرات، وأطراف هجين، وما بعد شن قوات «قسد» بدعم من القوات الأميركية يوم التاسع من فبراير 2019 فما زالت هناك جيوب للتنظيم في البادية السورية، 400 كم مربع، وشمال حمص، أما في العراق، فيوجد التنظيم على شكل مجموعات مناطقية في: حوض حمرين شمال شرقي بغداد، وشرق سامراء في منطقة مطيبيجة، وشمال صلاح الدين مدينة بيجي، وفي أطراف الموصل، وعند مدينة القائم الحدودية مع سوريا.
أما الخلايا النائمة، فمن دون شك هناك أعداد من مقاتلي داعش تعتبر خلايا نائمة ما بعد خسارة التنظيم لمعاقله في الموصل والرقة، ومدن عراقية وسورية أخرى، أعداد منها تسربت إلى القوات المدعومة من تركيا شمال شرقي سوريا والبعض منها تسرب إلى غرب نهر الفرات إلى المناطق التي تسيطر عليها إيران وروسيا، وهذا ما أكده رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان يوم 9 فبراير 2019. في أعقاب هجوم قوات قسد مدعومة من القوات الأميركية، وقوات التحالف الدولي لتحرير جيب داعش في قرية الباغوز، شرق الفرات.


 
الحلقة المغلقة لتنظيم داعش
يعتبر إبراهيم عودة البدري، المكنى أبو بكر البغدادي، يرتكز في عمله على مجموعة مستشارين عسكريين وأركان من النظام العراقي السابق ما قبل 2003 وأغلبهم من المنطقة الغربية ولديهم امتدادات عشائرية في سوريا. أبرزهم حجي بكر، وأبو علاء العفري، ثم أبو مسلم التركماني، ونعمة عبد نايف، ثم أبو عبد الرحمن البيلاوي، وأبو مهند السويداوي، وأبو أحمد العلواني، وجميعهم قتل.
وقد تحول التنظيم إلى منظمة إرهابية سرية على غرار المنظمات اليمينية الدموية في أوروبا. لقد كان هدف تنظيم داعش الأساسي هو تغيير حكومة بغداد، واستعادة السلطة، أكثر من رغبته في أن يكون جماعة «جهادية»، لذا فقد نشأ ضمن حلقة مغلقة، قادتها من العسكر ومن العراقيين، لكن بعد اجتياح مدينة الموصل يونيو (حزيران) 2014، اتسعت رقعة الجغرافيا، لتعلن انتهاء الحلقة المغلقة.
 
اعترافات أحد عناصر داعش، أمام محكمة التحقيق المركزية في العراق
حصلت مجلة «المجلة» حصريا على مدونة اعترافات لأحد عناصر داعش، لم تنشر من قبل، وجاء فيها: 
في إفادة أحد عناصر تنظيم داعش في العراق: المدعو «ليث أ. ز»، مواليد 1995. إلى محكمة التحقيق المركزية - بغداد العراق المعتقل لدى الحكومة العراقية خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، تبين ما يلي: 
- إن عمليات التجنيد داخل التنظيم تتم داخل العائلة أو العشيرة (القبيلة) أو دائرة العلاقات في المنطقة. فقد اعترف ليث أن والده، كان أحد أعضاء التنظيم وقتل عام 2016. في مواجهات مع القوات العراقية أثناء عمليات تحرير مدينة الفلوجة وكذلك بعض أخواله وأعمامه وتطول القائمة لتضم عددا آخر من أسرة زوجته.
- المذكور تم تجنيده خلال عام 2018 أي بعد خسارة التنظيم معاقله في الموصل والرقة عام 2017. اعترافات المذكور التي حصلت عليها «المجلة» حصريا تفيد بأنه تم تجنيده في مدينة الفلوجة من خلال دائرة علاقات، صداقات شخصية. خضع ليث إلى تأثير المكنى «أبو عمر» والذي كان يعمل في ما سميت «ولاية الفلوجة» وكان معنيا بنقل عناصر التنظيم بين المضافات. وخلال اللقاءات، كان أبو عمر يحدثه عن «الجهاد» وعن مقاتلة القوات العراقية والدفاع عن الطائفة السنية و«الجهاد في سبيل الله» من أجل الانخراط بصفوف تنظيم داعش.
- وفي اعترافات المتهم «ليث» ذكر أنه كان تحت تأثير تفسير الآيات القرانية والأحاديث النبوية الشريفة التي كان يتلوها عليه المكنى «أبو عمر»، وأخبره بأن التنظيم بدأ في إعادة ترتيب أوضاعه بعد عمليات تحرير الموصل. وأضاف أبو عمر أن التنظيم بصدد تنفيذ عمليات في أغلب المناطق التي خسرها «من أجل إحقاق الحق» من وجهة نظر عناصر التنظيم. وبعد ذلك اعترف «ليث» لقاضي محكمة التحقيق المركزية، وقام بترديد البيعة أمام أبو عمر: «أبايعك على السمع والطاعة في المنشط والمكره والسراء والضراء وأن لا أنازع الأمر أهله إلا أن أرى منهم كفرا بواحا لي فيه من الله برهان».
- وكانت مهمة «ليث» في بداية تجنيده، بسيطة تتحدد بنقل الأسلحة والذخيرة والمتفجرات وتجهيزات عسكرية وشرائح هاتف من مكان إلى آخر، وذلك بدفن البنادق في براميل بلاستيكية في الأرض، في مناطق زراعية، ليحضر عناصر داعش الآخرون، برفعها واستخدامها أو ربما نقلها إلى مضافات أو أماكن أخرى لتنفيذ عمليات إرهابية. وبعد اعتقال المذكور خلال شهر نوفمبر 2018. أثناء تنفيذ القوات الأمنية العراقية واجباتها في مدينة الفلوجة، اعترف «ليث» وأجرت القوات الأمنية «كشف الدلالة» أي الكشف عن مخازن المتفجرات والعتاد وتوثيق ذلك جنائيا إلى المحكمة المركزية.


 
الاستنتاج
- إن تنظيم داعش ما زال فاعلا في العراق، ويراهن على المنطقة الغربية وحوض حمرين أكثر من بقية المناطق.
- إن التنظيم استطاع أن يعيد بعض نشاطاته، لكن هذه الاتصالات تبدو مناطقية ومن وجهة نظر التنظيم داخل «الولاية»، وهذا ربما يدعم فكرة أن التنظيم في العراق وسوريا لم يعد قادرا على التواصل بشكل جيد، لكنه ينشط مناطقيا، وتكون قياداته مناطقية، وهي تختار الأهداف وتوقيت العمليات وتعتمد على ذاتها في التمويل.
- التنظيم ما زال يستخدم «الطائفية» في عمليات التجنيد.
- بعد أن خسر التنظيم كثيراً من قدرته على التجنيد من خلال الخطب المفتوحة والتسجيلات المسموعة والمرئية، الآن بدأ يستخدم العلاقات الشخصية واللقاء المباشر بالأشخاص، وقراءة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في التجنيد بشكل مباشر، يذكر أن هذه الإمكانيات في حفظ الآيات والأحاديث لا يتمتع بها غالبية عناصر تنظيم داعش من المقاتلين.
- السلطات العراقية، خاصة أجهزة الأمن والاستخبارات، اختبرت أساليب وطرق التنظيم في عمليات التجنيد، وأن عمليات الرصد والمتابعة والتحري، تجري بشكل مهني وليس عشوائيا. إلى جانب إخضاع عناصر «داعش» إلى محاكم مدنية عادلة وفق القانون العراقي.
- إن خطر «داعش» ما زال قائما، على شكل جيوب وخلايا نائمة وخلايا نشطة تتحرك بشكل سري ودقيق، بعيدا عن تنفيذ عمليات عسكرية واسعة ضمن هذه المرحلة التي يسميها داعش مرحلة «الشوكة والنكاية»، وهي المربع الأول، أي إن التنظيم يعيد تكوين نفسه من جديد.
- مساعي تنظيم داعش إلى عودة أنشطته، تبعد احتمالات أن يتحول التنظيم إلى تنظيم جديد، أي إن تنظيم داعش ما زال يراهن على اسمه ويسعى إلى عودته إلى مرحلة التوحش، والتي ربما توصله من جديد إلى إعلان «محميات إسلاموية»، تحديدا في العراق.
 
أعداد المقاتلين الأجانب
كشف تقرير مركز مكافحة الإرهاب في «يوروبول» في يونيو 2018 أن عدد المقاتلين الذين غادروا من أوروبا إلى مناطق الصراعات يقدر بنحو (5500) شخص، اعتقل (30 في المائة) لدى عودتهم وربما قتل الباقون.
بريطانيا: غادر بريطانيا نحو سوريا والعراق منذ عام 2011 نحو (1000) مقاتل، عاد منهم مايقدر بنحو 300 شخص وقتل (100) شخص وما زال نحو (300) على الأرجح في سوريا.
فرنسا: كشفت دراسة أجراها المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في أبريل (نيسان) 2018 أن نحو (1300) فرنسي التحق بالجماعات الإرهابية التي تقاتل في العراق وسوريا، فيما عاد من هذه المناطق (323) شخصا.
هولندا: ذكرت السلطات الهولندية في مارس (آذار) 2018 أن نحو (200) «جهادي» (رجال ونساء) و170 طفلا على الأقل لهم صلات بهولندا لا يزالون في سوريا والعراق.. 
يذكر أن (280) شخصا غادروا هولندا إلى سوريا منذ عام 2011.
ألمانيا: أعلنت الحكومة الألمانية في مايو (أيار) 2018 أن أكثر من (1000) «جهادي» سافروا من ألمانيا إلى سوريا والعراق وهناك دلائل على أن نحو (170) جهاديا ينحدرون من ألمانيا لقوا حتفهم خلال القتال، فيما عاد إلى ألمانيا نحو (300) شخص.
بلجيكا: يقدر عدد المقاتلين الأجانب حملة الجنسية البلجيكية بحسب الإحصائيات الرسمية بنحو (177) شخصا.
دول أوروبية أخرى: التحق من إسبانيا والدنمارك والنرويج وإيطاليا وفنلندا مجتمعة نحو (635) شخصا بالتنظيمات المتطرفة، عاد منهم (212) شخصا.


 
دور المقاتلين الأجانب داخل تنظيم داعش
المعلومات الواردة من شهادات مقاتلي داعش بعد عودتهم إلى اوطانهم في أوروبا، والتي كشفت عنها الاستخبارات الداخلية الألمانية، والمدعي العام في مدينة «كارلسرو» أظهرت حقيقة أن التنظيم يستهدف تجنيد المقاتلين الأجانب ويستثمر وجودهم داخل التنظيم. المعلومات أكدت أن التنظيم يستغل المقاتلين الأجانب في عمليات لوجستية وإدارة عمليات القرصنة الإلكترونية وشبكة تجنيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال علاقاتهم العائلية ورفاقهم.
واقع التنظيم يقول إنه لا يزج الأجانب في عمليات قتالية في الواجهة مثلما يفعل مع المقاتلين من آسيا الوسطى أو المقاتلين العرب والمحليين من العراق وسوريا. وتعتبر تنفيذ عمليات الإعدامات وقطع الرؤوس والرقاية على السجون واحدة من أبرز المهام التي تعطى للمقاتليين الأوروبيين والغربيين. أما العمليات الانتحارية، فربما تنحصر ببعض المقاتلين الأوروبيين الذين التحقوا بالتنظيم لأسباب عقائدية أي إن فكرة التطرف أصلا موجودة في ذهنيتهم قبل الالتحاق بالتنظيم.
إن تنظيما بدأ بانطلاقته الأولى من العراق باسم ما يسمى «الدولة الإسلامية في العراق» عام 2009. وكانت هذه الحلقة المغلقة تعتمد على العلاقات الشخصية في مرحلة ما قبل سقوط النظام في بغداد عام 2003. وعلاقات حميمة داخل سجن بوكا. 
في الواقع تشهد التنظيمات المتطرفة ضعفا في حلقتها المغلقة مع توسع التنظيمات، ومع خسارة بعض قياداتها، مع ظهور الانشقاقات كما بات معروفا.
التنظيم خسر الحلقة المغلقة في أعقاب اجتياحه مدينة الموصل يونيو 2014. بسبب حاجته إلى مزيد من المقاتلين لفرض سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية. الانشقاقات ضربت التنظيم من الداخل بسبب ظهور تيارات تختلف مع بعضها، أبرزها تيار الحازمون، الأكثر تشددا.
تنظيم داعش أيضا عانى كثيرا من وجود «عملاء» داخل التنظيم، بعضهم يعمل لحكومات إقليمية ودولية والبعض يعمل لأطراف وجماعات وتنظيمات متطرفة، وهذا ما زاد في عدد العمليات داخل التنظيم.
كانت تجربة «الحوكمة» أو «إدارة دولة الخلافة» في الموصل وخاصة في الرقة، تعاني من الكثير من المشكلات الداخلية، أبرزها وجود تمييز بين المقاتلين، وكان العرقيون ربما لهم الذراع العليا في إدارة «الولايات»، وهذا ما دفع الكثير من المقاتلين العرب خلالها إلى التذمر. وبين المقاتلين العرب والعراقيين، احتل المقاتلون الأجانب أيضا أهمية أكثر من المقاتلين المحليين، حيث استخدم التنظيم جماعات من آسيا الوسطى والشيشان، في القيادات الميدانية للعمليات العسكرية، أما المقاتلون من حملة الجنسية الأوروبية، فقد كانوا تحظون باهتمام بالغ، حيث تتركز أعمالهم في إدارة دعاية تنظيم داعش، وإدارة السجون والدعم اللوجستي من الداخل، أكثر من زجهم في عمليات قتالية، وما يبرهن على ذلك أن إحصائيات «اليوروبول» (المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب) في لاهاي حول المقاتلين الأوروبيين، ذكر أن نسبة 10 في المائة قتلوا في سوريا والعراق وعاد فقط 30 في المائة منهم إلى أوطانهم من مجموع خمسة آلاف مقاتل.
منذ صعود تنظيم داعش إلى الواجهة، ولحد الآن لم يظهر مقاتل أوروبي، بين القيادات الاستراتيجية وفي البنية التحتية للتنظيم، أبرزها: «مجلس الشورى، واللجنة المفوضة»، وغالبية المهام التي كان يقوم بها المقاتل الأوروبي، هي الدعاية، وتنفيذ عمليات انتحارية محدودة داخل أوروبا خلال عام 2015 و2016، والتي اختفت تقريبا عن مسرح العمليات الواسعة في أوروبا، لتتحول إلى عمليات محدودة بالطعن بالسكين والدهس بالعجلات. معطيات التنظيم تقول إن تنظيم داعش، رغم ما شهد من نقص في كثير من المقاتلين بعد خسارة معاقله في سوريا والعراق ومناطق أخرى، يبقى العنصر الأوروبي خارج معادلة القيادات الاستراتيجية، وليس مستبعدا أن يكون عامل الشك وعدم الثقة وراء عدم ترجيح صعود الأوروبيين إلى الخط الأول أو قيادة التنظيم، كون اعترافات بعض العائدين من الأوروبيين أكدت شعورهم بالإحباط وكيف تم إخضاعهم إلى اختبارات أمنية للتأكد من أنهم غير «مدفوعين» من أجهزة استخبارات أوروبية أو غربية، فالمقاتل الأوروبي، في الغالب، كان يجبر على تنفيذ عمليات الذبح أو الإشراف على السجون ويطلب منه كشف الوجه، من أجل إثبات ولائه.
ما زال تنظيم داعش «عراقي» الهوى، يراهن على العراق وعلى الملاذات الآمنة حتى أكثر من سوريا، وهذا يعود إلى نشأة التنظيم وانطلاقته، وما يدعم هذه الفكرة أن تقارير البنتاغون والاستخبارات المركزية وتقارير أمنية، تحذر من عودة تنظيم داعش في العراق خلال الفترة القادمة.
أما المقاتلون الأجانب، فمن دون شك سيكون لهم دور مؤثر، ربما ليس داخل التنظيم، بقدر ما يكونون «قنابل موقوتة» داخل أوروبا وعواصم غربية تثير هاجس وقلق أجهزة الاستخبارات، ولكنهم سيكونون بعيدين عن الوصول إلى حد القيادات الاستراتيجية.
 


اشترك في النقاش