النظام البرلماني هو الأنسب لحكم تونس

المقرر العام للدستور في حوار لـ«المجلة»:
* لا يمكن تعديل الدستور قبل تفعيله بشكل تام أو قبل تركيز المحكمة الدستورية.
* الدستور في كل دول العالم هو النص المركزي لتنظيم الدولة وإقرار المبادئ الأساسية.
* الدستور ليس مطبقاً بشكل تام حتى الآن رغم مرور 4 سنوات على المصادقة عليه.

تونس: مثلت ذكرى المصادقة على دستور تونس الجديد وختمه (يوم 27 يناير/ كانون الثاني 2014) مناسبة للحديث مطوّلا في تونس عن دستور 2014 وأهميّته، وخاصة عن مضامينه وما أفرزه تجسيده في الواقع من هِنات ونقاط ضعف قد تدفع لاحقا إلى تعديله.
وفي حوار خاص لـ«المجلة» قال الحبيب خضر المقرر العام للدستور وعضو مجلس نواب الشعب إن الدستور الجديد لتونس ضَمِن استقرار بلاده بأن أقرّ 5 سلطات ونظمها بشكل يمنع عودة الاستبداد ووضّح صلاحيات كل سلطة ومنع التداخل بينها، وإن تعديل الدستور لن يكون إلا بعد التفعيل التام لكل مضامينه ومقتضياته ثم تقييمه تقييما موضوعيا، لكن هذا الدستور يبقى عملا بشريا لا بد أن يتضمن نقائص تستوجب التعديل والإصلاح، ولكن هناك فصولا محصنة ضد التعديل ولا يمكن المساس بها وهي الفصول المتعلقة بمدنية الدولة والنظام الجمهوري ودين الدولة ولغتها والمُدد الرئاسية.
وقال الحبيب خضر إن النظام البرلماني الحالي هو النظام الأنسب لحكم تونس والأفضل تغيير هذا النظام بعد أن تترسخ الديمقراطية وتصبح الأحزاب أكثر ثباتا وأن هذا يتطلب على الأقل 25 سنة، وأن احترام الدستور وعدم خرقه أفضل من تعديله، وقال إن هذا الدستور قد تم خرقه أكثر من مرة... 
وفيما يلي النص الكامل لهذا الحوار: 
 
* ما أهمية دستور تونس الجديد (دستور 2014) الذي احتفلت البلاد بالذكرى الخامسة للمصادقة عليه (27 يناير/ كانون الثاني 2014) وما هي أبرز مميزاته؟
- الدستور في كل دول العالم هو النص المركزي والأساسي لتنظيم الدولة وإقرار المبادئ الأساسية، خاصة في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة، وهو النص الأعلى الذي يتم منه اشتقاق المعاني الأساسية لتفصيلها في نصوص تشريعية وتنزيلها في الواقع، وفي تونس فإن دستور 2014 صيغ بعد ثورة سلمية شهدتها البلاد وأطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، فكان عاديا جدا أن يكون من اهتمامات هذا الدستور موضوع الحقوق والحريات حيث توسع ليشمل أكثر ما يمكن من الحريات وتبني آخر ما أبدعته الإنسانية من حقوق وحريات كالحق في الترفيه والحرية الأكاديمية والحق في مناخ سليم والحق في الماء وهو حق ما زال نادرا اعتماده في دساتير العالم، وكان ضروريا أيضا في إطار الدستور تنظيم السلطات بشكل يحول دون عودة البلاد مجددا إلى مربع الحكم الفردي، وهذا كان محددا في إقرار خمس سلطات (السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والهيئات المستقلة والسلطة المحلية).
كما اختار الدستور أيضا أن تكون السلطة التنفيذية برأسين، حيث أسند صلاحيات الشأن اليومي التابعة للإدارات والتنفيذ لرئاسة الحكومة، وأسند مهام تحكيمية وشرفية لرئيس الجمهورية لأن البلاد عانت في السابق من تسلط رؤساء الجمهورية، وكان هذا التوجه لمنع تكرار مثل تلك التجارب السيئة.
 

  • متى سيتم تفعيل هذا الدستور ووضعه كلياً موضع التطبيق؟

- هذا صحيح، فالدستور ليس مطبقاً بشكل تام إلى حد الآن رغم مرور 4 سنوات على المصادقة عليه، وإلى حد الآن تم تفعيل الجزء الأكبر من الدستور وهو المتعلق بالسلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وبقي جزء متعلق بالسلطة القضائية ويخص المحكمة الدستورية، وما زال جزء متعلق بالهيئات الدستورية (هناك هيئة واحدة موجودة وما زالت 4 هيئات بصدد الإرساء) وما زال أيضا جزء من السلطة المحلية ويخص السلطة الجهوية والأقاليم، وعند استكمال هذه الأجزاء الناقصة يمكن الحديث عن دستور مفعل بشكل تام.
وقد كان هناك حرص على استكمال تفعيل الدستور خلال هذه المدة النيابية ولكن يبدو أن هذا مستحيل، لذلك سيركز مجلس النواب على استكمال بعض النصوص التشريعية المتصلة بالمحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد على أن تكون المدة النيابية القادمة (2019 - 2024) آخر مدة لاستكمال تنزيل أحكام الدستور.
 

  • هل هذا الدستور محصن ضد إمكانية إدخال بعض التعديلات عليه؟

- هذا الدستور ليس محصنا ضد التعديل، لأنه عمل بشري لا يمكن أن يكون كاملا ولذلك لا بد أن تكون فيه نقائص ونحن نميز بين أنه قابل للتعديل والتطوير وبين أنه يحتاج إلى تعديل، المنطق يقتضي أن يكون خيار التعديل لاحقا لعملية تقييم موضوعي للمضامين الدستورية وما أفرزته عملية إنزالها في الواقع، غير أن التقييم لا يكون إلا لبناء مكتمل لذلك علينا أن نتمم تنزيل كل مقتضيات الدستور ثم نقيّمها، وعندما يحين وقت التقييم هناك آليات وضمانات واضحة، فهناك فصول غير قابلة للتعديل أي محصنة كليا ضد إمكانية تعديلها وهي مقتضيات الفصل الأول المتعلق بدين الدولة واللغة الرسمية والنظام الجمهوري والفصل الثاني المتعلق بالصبغة المدنية للدولة وكذلك الفصل المتعلق بالمدد الرئاسية وعدم الزيادة فيها، والباب المتعلق بالحقوق والحريات يمكن تعديله، ولكن ليس باتجاه التنقيص منه والحد من الحريات، والتعديل تتدخل فيه عدة أطراف منها المحكمة الدستورية وما دامت هذه المحكمة لم تُرَكز بعد فإنه لا يمكن إجرائيا تعديل الدستور.
 
* حسب تقييم أولي لبعض الخبراء في القانون فإن هناك بعض النقائص التي تتطلب التدارك والتعديل، ما رأيك؟
- شهدت الفترة الأخيرة عدة انتقادات للنص الدستوري وتحميل الدستور مسؤولية الأزمة السياسية التي عاشتها البلاد ولكن أنا أعتقد أنه لولا النص الدستوري الموجود لسارت البلاد في اتجاه آخر، ولولا ذلك التقسيم الواضح للصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بشكل دقيق لعُدنا مباشرة إلى الحكم الفردي منذ سنوات، إذن العيب في الممارسة وليس في النص الدستوري وهناك نقائص أخرى تعود إلى النظام الانتخابي وليس لنص الدستور.
 
* سمعنا أكثر من مرة دعوات لتعديل الدستور وإقرار العودة إلى النظام الرئاسي بدل النظام البرلماني المعتمد حاليا، ما تعليقك؟
- أعتقد أن بلادنا بحكم حداثة عهدها بالديمقراطية تحتاج إلى النظام السياسي الحالي على الأقل لمدة 25 سنة، وعندما تترسخ الديمقراطية في بلادنا وتصبح الأحزاب أكثر ثباتا ونتجاوز حالة الرخاوة في الساحة الحزبية يمكن وقتها التفكير في اختيار نظام سياسي مختلف لكن الآن الضمانة لعدم عودة حكم الفرد هي المحافظة على هذا النظام السياسي لمدة أخرى لا تقل عن 25 سنة.

 




الحبيب خضر


 
* هناك من يرى أن الأولى احترام الدستور بدل تعديله، هل معنى هذا أن الدستور غير محترم وتم خرقه؟
- أنا مع هذا الرأي لأنه من الطبيعي أن يحصل عن غير قصد تجاوز مقتضيات الدستور لكن هناك آليات للتدارك، مثلا النصوص التي أصدرها مجلس نواب الشعب وصادق عليها كقوانين، هناك قرينة دستورية، أي قطعا هناك من يصوت مع ومن يصوت ضد، ولا يمكن أن يكون مقتنعا بأن ما يصوت عليه مخالف للدستور ومع ذلك يصوت عليه، وعند حصول خلاف نلجأ إلى هيئة مراقبة دستورية القوانين الموجودة حاليا. حصل أحيانا طعن وقالت هذه الهيئة إن النص المعروض عليها والمصادق عليه في المجلس مخالف للدستور، وأحيانا قالت إنه مطابق للدستور، أي إنه إذا حصل خرق يتم تداركه بعد تأكيد الهيئة للخرق. ثم في خلال الممارسات وتطبيق النصوص القانونية حصلت خروقات، ففي سنة 2014 عندما جرت الانتخابات التشريعية كان نص الدستور ينص بوضوح على أن الحزب الذي يفوز بالانتخابات (نداء تونس وقتها) يقدم مرشحه لتولي رئاسة الحكومة إلى رئيس الجمهورية الذي يسميه مكلفا بتشكيل الحكومة لكن ما حصل آنذاك أنه بعد إعلان النتائج قيل: «لن نقدم مرشحنا لهذا الرئيس» (ويقصدون الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي) وتم انتظار إجراء الانتخابات الرئاسية في دورتين وتنصيب الرئيس الجديد الباجي قايد السبسي ليتم تقديم رئيس الحكومة، واستغرق هذا شهرا ونصف الشهر تقريباً (من إعلان نتائج الانتخابات التشريعية إلى حين انتهاء الانتخابات الرئاسية وإعلان فوز الباجي قايد السبسي) وتم التكليف في أول يناير 2015.
وبصرف النظر عن الأشخاص، فإن المفروض أنه طالما أن النص الدستوري يقول إن رئيس الجمهورية الموجود وقتها يتولى، وإذا اختار الحزب الفائز مرشحا فليس أمام الرئيس إلا أن يكلفه، هذا يدل على أن نداء تونس قد خرق سنة 2014 الفصل 89 من الدستور.
كذلك ما زلنا إلى حد الآن نطبق قانون الطوارئ والحال أنه قانون غير دستوري ولكن هذا بسبب وجود فراغ قانوني ونعمل الآن في إطار لجنة برلمانية على سن قانون جديد نتمنى أن يكون مطابقا لمقتضيات الحقوق والحريات ويضمن سير الدولة في مثل تلك الظروف ولكن هذا أيضا مخالف للدستور.
 
* هناك من شكك في كفاءة المجلس التأسيسي الذي تولى صياغة الدستور الجديد رغم أن هذا الدستور كان محل توافق ورضا جميع الأطراف السياسية الممثلة في ذلك المجلس ورغم أن عملية الصياغة استغرقت نحو العامين، ما رأيك؟
- ليس المتفرج كالمباشر للأمر، طبيعي أن نجد مثل هذه الانتقادات لكن أنا رأيت أن هناك من كان ينتقد المجلس التأسيسي ثم دخل البرلمان في 2014 وتغيرت فكرته عن المجلس، وهذا طبيعي وعادي. فلما انتخب أعضاء المجلس التأسيسي وبدأ أعماله كان هناك خياران: هل يكتب الدستور مجلس منتخب أم لجنة خبراء؟ ومن أجل مقبولية بعيدة المدى للدستور اخترنا أن يكتبه مجلس منتخب وهذا خيار صعب وله ضريبته ويتطلب وقتا طويلا، لكن من حيث المردود المتوسط والبعيد المدى هذا أفضل بكثير.
هذا الدستور يُنسَب الآن للمجلس التأسيسي وليس لأي شخص أو حزب، ولو كتبته لجنة خبراء لقيل هذا دستور فلان أو دستور هذه المجموعة أو تلك ولا يمكن أن يكون وقتها دستورا لكل الشعب التونسي، فكان الأفضل أن كتبه المجلس التأسيسي وضمنه أفضل ما تم التوافق عليه في حينه بتلك التوازنات الموجودة فيه بدليل الأغلبية التي قاربت الإجماع والتي صادقت عليه.


اشترك في النقاش