مهرجان مسقط: تَمَتَع بجمال الثقافة العمانية وتراثها

* في كل عام تدعو مسقط سكاناً محليين وسائحين لمشاهدة هذا التنوع، الذي يعطي لكل منطقة في السلطنة طابعها الخاص الفريد، من خلال مهرجان مسقط الممتد طيلة شهر كامل ممتلئ بالنشاط.
 * يمتزج الماضي مع الحاضر، ويختلط التراث بالحداثة، ويسود إحساس بالتوازن تُغبط عليه.
 * مع أن الطعام والعطور والجولات والأجواء كلها مميزة، فإن ما جعل هذا المهرجان مختلفًا هو مشاهدة الحرفيين التقليديين وهم يمارسون مهاراتهم الموروثة عن قرب.
 * سمح لمهرجان مسقط بالانغماس في الثقافة العمانية النابضة، وكلما عرفت المزيد عن البلاد، رغبت في الغوص أكثر في المناظر الطبيعية والمغامرات التي تقدمها.

بينما تتمتع أغلب منطقة الخليج بمشهد بانورامي لناطحات السحاب العالية وبعض من أفخم الفنادق فئة الخمس نجوم، توجد جوهرة عربية تستطيع أن تعيد اتصالك مع التراث الثري والتقاليد المتنوعة لحضارة تمتد إلى آلاف السنين في عمان حيث توجد بعض من أهم المدن التاريخية في الخليج.
تروي المساجد والقلاع والمقابر القديمة قصة معارك وأفكار وشخصيات ساعدت على تشكيل هذه المنطقة المميزة في الشرق الأوسط. تستقبل أغلب هذه الكنوز المعمارية الزوار على مدار العام وهي من بين أبرز آثار فترة ما قبل العالم الإسلامي الحديث. بداخل مدن عمان التاريخية، ينتشر كثير من المواقع الأثرية. وتوضح أصول هذه المواقع التنوع الواسع للمؤثرات والمراحل التاريخية التي مرت بها عمان، إذ يرجع بعضها إلى الإمبراطورية الساسانية آخر مملكة في إمبراطورية الفرس قبل صعود الإسلام. وتحتل ما لا يقل عن خمسة مواقع في عمان ترتيبًا ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي.
على الرغم من التطور الملحوظ الذي حدث في عمان منذ أن تولى قائدها السلطان قابوس بن سعيد آل سعيد السلطة في عام 1970. حافظت الدولة على جذورها القوية المتمثلة في فنونها وحرفها التقليدية. ولا تزال قائمة طويلة من الأنشطة التراثية – تتنوع بين الموسيقى والرقصات التي تختلف من منطقة إلى أخرى – مُطبقة بقوة حتى اليوم. ويمتد التنوع في عمان إلى شعبها؛ ففي حين لا يزال تقليد مناطحة الثيران القديم مستمرًا على طول ساحل الباطنة، يملك سكان صوْر في الجنوب تراثًا موسيقيًا قويًا لإحياء تاريخها البحري.
وفي كل عام تدعو مسقط سكاناً محليين وسائحين لمشاهدة هذا التنوع، الذي يعطي لكل منطقة في السلطنة طابعها الخاص الفريد، من خلال مهرجان مسقط الممتد طيلة شهر كامل ممتلئ بالنشاط.
يقدم المهرجان، الذي يتم تنظيمه في أثناء شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، فرصة فريدة للرقص على أنغام الموسيقى العمانية التراثية، وتناول الأطعمة المحلية اللذيذة، واكتشاف أقدم المهن والتعرف على الضيافة العمانية الأصيلة أثناء خوض تجربة معرفية تفاعلية.

بدأ مهرجان مسقط في عام 1998 وتم تخصيصه كمكان للترفيه عن الأطفال في أثناء العطلات المدرسية، ولكنه تطور مع مرور الأعوام. واليوم أصبح المهرجان يجتذب بقوة مماثلة جميع الباحثين المخلصين عن الثقافة والتاريخ والمتعة العائلية، ويقول نائب رئيس بلدية مسقط خالد بن محمد بهرام لـ«المجلة» إن برامج المهرجان تشمل «الثقافة والتراث والرياضة والترفيه والأزياء وغيرها الكثير».
وأوضح بهرام: «إن التراث هو أهم جزء في السلطنة ونحن جميعا نعتني به ونبرزه. ونسعى أيضًا إلى تطويره ليستمر مع الأجيال القادمة... تشارك دول من جميع أنحاء العالم في المهرجان بالرقص وعروض الأكروبات، مما يسمح للزائرين بمعرفة كيف يجمع بيننا التنوع ويقوي نسيج مجتمعنا».
وصرح منظم المهرجان بأن مهرجان مسقط استقبل في العام الحالي أقل قليلاً من مليون زائر بحسب إحصائيات بلدية مسقط.
عندما كنت أسير في حدائق النسيم والعامرات، وهما الموقعان اللذان يقام فيهما المهرجان، اخترقت أنفي روائح اللُبان (البخور العماني) الزكية والقوية، وهو مادة فاخرة تحظى بتقدير عبر العصور، وتتميز بها الحياة العمانية. واللُبان راسخ بقوة في ثقافتها، ويتم إشعاله في المنازل والمكاتب ويضاف إلى العطور. شرح لي صُنَاع اللبان الذين تحدثت معهم في المهرجان أن هذا البخور العطري يستخدم أيضًا لأغراض علاجية لمداواة كل شيء بداية من التهاب المفاصل وحتى الاحتقان والقلق. بعض أنواعه خفيفة وبعضها الآخر واضحة، في حين توجد منه أنواع أخرى قوية بصفة خاصة، وقد جذبني كل نوع منها برائحته الطبيعية أثناء بحثي عن أفضل الأنواع التي تناسبني.

ومثلما كانت هناك مجموعة ساحرة من الروائح، جذبت تفاصيل المهرجان المتنوعة، من أكشاك تجارية ومناظر جذابة وفعاليات، اهتمامي في اتجاهات كثيرة مختلفة. وكان مما استمتعت به أيضًا حلوى بنية ثقيلة معدة من اللوز والنشا والسكر وماء الورد والزعفران والزبد. لا شك في أن الحلوى العمانية المفضلة يصنعها في أغلب الأحيان رجال توارثوها من جيل إلى جيل، وغالبًا ما يتم تقديمها مع القهوة المحوجة بالحبهان والتي يتم صبها من إبريق قهوة نحاسي في آنية صغيرة تشبه الأكواب.
قال لي أحمد سالم الحبسي صانع الحلوى (22 عامًا) من السيب، إنه يستغرق من ساعتين ونصف الساعة إلى الثلاث ساعات في تقليب مستمر لكي يُعد مجموعة واحدة من الحلوى اللذيذة.
في أثناء خلطه للكتلة الثقيلة في وعاء نحاسي ضخم فوق النار، أوضح الحبسي سبب حبه لمهنته قائلاً: «ورثت هذه المهنة من جدي وعمي، واستكملت عملي بها لأننا يجب أن نحافظ على تراثنا، وصناعة الحلوى سمة نتفرد بها في ثقافتنا».
ومع أن الطعام والعطور والجولات والأجواء كلها مميزة، فإن ما جعل هذا المهرجان مختلفًا هو الفرصة التي أتيحت لي لملاحظة الحرفيين التقليديين وهم يمارسون مهاراتهم الموروثة عن قرب. إن المهارة التي يبديها هؤلاء الحرفيون في سلاسة تحبس الأنفاس وتستحق الزيارة بمفردها. ومن خلال الحديث مع كثير من الحرفيين والحرفيات، تبين أن الحرف اليدوية مصدر فخر وطني لكثير من العمانيين. ويشهد قطاع الحرف التقليدية انتعاشًا على الرغم من العولمة وتقنيات التصنيع الحديثة، ففي حين زحفت التكنولوجيا والآلات إلى جميع مظاهر حياتنا، بدءًا من كيف نتواصل إلى كيف نعمل، يتوق كثيرون إلى أثر اللمسة البشرية وبهجة الصناعة اليدوية. هناك صلة تربط بين المستهلك والصانع، سواء كانت أثر إبهام على جِحلة فخارية (مخصصة لحفظ الماء)، أو علامة مطرقة على خنجر فضي (وهو خنجر عماني يتم ارتداؤه حول الخصر مثل الحزام ويشكل جزءًا من الزي التقليدي للرجال)، وأثر إزميل على مندوس عماني (وهو صندوق يُصنع بأحجام مختلفة وغالبًا ما يتم تزيينه أو حفره، وهو أشهر صناعة خشبية في عمان). تربطنا الحرف بتاريخنا، وتعزز هويتنا ووحدتنا المحلية وتقدم لنا تمكينًا إبداعيًا.

إحدى هذه الحرف التي لم تستسلم تمامًا للآلات هي السدو، وهو نوع من النسيج التقليدي الذي تمارسه سيدات بدويات بالمجتمعات الريفية في الخليج لإنتاج منسوجات ناعمة وإكسسوارات تستخدم لأغراض تزيين الجِمال والخيول.
يمثل النسيج في جميع أنحاء عمان أحد أهم الإسهامات الاقتصادية التي تقدمها المرأة للمجتمع. كما أنه يجعل للمرأة دورًا محوريًا في الحياة الاجتماعية في المجتمعات التقليدية. وفي أثناء عملية نسج الصوف على نول أرضي عادة ما يكون مصنوعًا من خشب النخيل أو العناب، شرحت لي شيخة القريني من السويق أن النساء يسيطرن على الصناعة وهن مشتركات في كل مراحل هذا العمل الشاق بداية من إعداد المواد الخام إلى مرحلة النسيج ذاتها. واستغرقت القريني، التي تتقن فنها منذ أن كان عمرها 12 عامًا، ما يصل إلى شهرين ونصف الشهر لنسج بساط طوله متران.
تأتي الألوان التقليدية وهي الأسود والأبيض والبني والبيج والأحمر في أشكال مميزة تتكون من صفوف ضيقة من التصميمات الهندسية. وتوضح القريني: «تُصنع الصبغات المستخدمة من النباتات المحلية مثل الكركم والكركديه والزعفران».
تستثمر عمان، عن طريق الهيئة العامة للصناعات الحرفية، في الحفاظ على صناعة النسيج التقليدية وتنميتها ودعمها. وأنشأت الهيئة مركزًا لتدريب وإنتاج النسيج والتطريز في ولاية سمائل بمحافظة الداخلية، وهو مركز تدريبي يعمل على رعاية المواهب العمانية. وهو واحد من عدة مراكز حرفية أنشئت في عمان للحفاظ على حرفة النسيج اليدوي.

سمح لي مهرجان مسقط بالانغماس في الثقافة العمانية النابضة، وكلما عرفت المزيد عن البلاد، وددت أن أتعمق في المناظر الطبيعية والمغامرات التي تقدمها.
تشتهر عمان، مثل البلدان المجاورة لها، بشمسها المشرقة وكثبانها الرملية الذهبية، ولكن تحظى الدولة التي رزقت بطبيعة استثنائية بمناظر طبيعية منقطعة النظير. ومن مضيق هرمز في الشمال إلى ظفار دائمة الخضرة في الجنوب، تمتد أراضي سلطنة عمان الشاسعة على أغلب الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وتضم جبالاً شامخة وكثبانًا حمراء وصحراوات واسعة، وساحل يزيد طوله على ألفي كيلومتر، مما يسمح بوجود بيئات طبيعية مذهلة تحفل كل منها بأنظمتها البيئية الخاصة.
ولكن تُفضّل عمان بتَمَيُز أهدأ من جيرانها الأكثر شهرة. تواجه مبانيها منخفضة الارتفاع مساحات شاسعة من الفراغ، وتتداخل الكثبان الحمراء مع الجبال الحادة، ويمتزج الماضي مع الحاضر، ويختلط التراث بالحداثة، ويسود إحساس بالتوازن تُغبط عليه.
 


اشترك في النقاش