بوتفليقة وحراك الشارع... لمن الحسم؟

آلاف المتظاهرين يطالبون الرئيس بعدم الترشح لولاية خامسة
* برر المحتجون مطالبهم بالوضع الصحي للرئيس المريض فهو لم يخاطبهم منذ سبع سنوات
* الوعود التي تقدم بها الرئيس بوتفليقة لم تلق ترحيباً واسعاً لدى معارضيه الذين يعتبرون أن هذه الوعود مجرد طعم لاستدراجهم من أجل المشاركة في الانتخابات
* مراسلون بلا حدود: السلطات تبذل كل ما في وسعها لتكميم الصحافيين ووسائل الإعلام الذين يريدون الإدلاء بشهاداتهم بشأن المظاهرات الحاشدة التي تهز البلاد

الجزائر:  بعد نحو عقدين من الزمن، تمكن الجزائريون من كسر حاجز الصمت في عاصمة البلاد، على وقع مظاهرات حاشدة شهدتها العاصمة الجمعة الماضي، وتلتها مظاهرات مماثلة في كثير من المدن التي خرج فيها آلاف المتظاهرين لمطالبة الرئيس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة بعدم الترشح لولاية جديدة في انتخابات الرئاسة التي ستجرى في الثامن عشر من أبريل (نيسان) القادم.
وفي مشاهد غير مسبوقة في العاصمة الجزائر، اجتاح الآلاف من المتظاهرين شوارع العاصمة مرددين شعارات مطالبة بالتغيير وبعدم ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وبرر المحتجون مطالبهم بالوضع الصحي للرئيس المريض فهو لم يخاطبهم منذ سبع سنوات بعد آخر خطاب له بمحافظة سطيف خلال إشرافه على تجمع انتخابي عام 2012. ومن المفارقات أن أبرز كلمة للرئيس بوتفليقة آنذاك كانت أمام حشد كبير من الشباب، وتعهد لهم بترك المجال للشباب لتولي المسؤولية، وقال مقولته الشهيرة «طاب جناني» أي مضى عهدي، لكن بعد سبع سنوات من ذلك التعهد ها هو الآن يتمسك بالاستمرار، ويصر على ترشحه للرئاسة رغم وضعه الصحي المعقد.
وبعد أسابيع من التعبئة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومن مصادر غير معروفة ومجهولة تدعو للتظاهر السلمي من أجل إجهاض مشروع الولاية الرئاسية الخامسة للرئيس، نجح الجزائريون في كسر حاجز الخوف وتنظيم مظاهرات حاشدة هي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد منذ عقدين من الزمن.
فمنذ عام 2001 صدر قانون منع الاحتجاجات في عاصمة البلاد موقعا من طرف رئيس الحكومة آنذاك علي بن فليس الرئيس الحالي لحزب طلائع الحريات المعارض، وهو القانون الذي صدر عقب احتجاجات اندلعت في منطقة القبائل في يونيو (حزيران) 2001 إثر وفاة ناشط أمازيغي، ما تسبب في احتجاجات عارمة اتسعت لعدة مدن جزائرية أهمها العاصمة حيث سقط فيها كثير من الضحايا.


وعلى مدار 17 عاما طالبت كثير من المنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني الحكومة بإلغاء هذا القانون لكن الحكومة تصدت لأي محاولة للتجمهر والاحتجاج بالعاصمة، وشهد العام 2014 عدة محاولات تظاهر بقلب العاصمة تنديدا بترشح الرئيس بوتفليقة آنذاك لولاية رئاسية رابعة، لكن كل المحاولات فشلت وقوبلت بالقمع من طرف قوات الأمن التي اعتقلت العشرات من المتظاهرين خاصة من مناصري حركة «بركات»، وهي حركة شبابية تظم العشرات من النشطاء الشباب المعارضين لبوتفليقة.
لكن ما شهدته العاصمة فيما أطلق عليه «حراك 22 فبراير» كان عكس ما سبق تماما، حيث نجح الشباب المتظاهر في تجاوز قانون المنع واحتشد مئات الآلاف عبر شوارع العاصمة الجزائر رافعين شعارات غاضبة أبرزها «لا للعهدة الخامسة»، ولم تجد قوات الأمن التي احتشدت بأعداد كبيرة سوى مراقبة الأوضاع ومنع المتظاهرين من الوصول إلى المؤسسات السيادية أبرزها رئاسة الجمهورية.
وفي محاولة منها لإجهاض الاحتجاجات سارعت الحكومة للاستنجاد بخطباء المساجد للتحذير من مخاطر الفتنة والاحتجاجات، وهي الخطب التي قاطعها بعض المصلين في بعض مناطق البلاد على غرار باتنة وبجاية وورقلة، كما جندت الصفحات الاجتماعية المساندة لها للتحذير من الاحتجاجات واتهام أياد أجنبية بالوقوف وراءها لزعزعة أمن واستقرار البلاد.
مخاوف السلطة رد عليها النشطاء بالتأكيد على أن حراكهم سلمي، وأن هدفهم ليس الفوضى، وأن حراكهم لا تقف وراءه لا أياد أجنبية ولا المعارضة، وتحت عنوان «شعب ثائر» كتب وزير الاتصال الأسبق عبد العزيز رحابي عبر صفحته الرسمية قائلا: «الأمة تبعث برسالة واضحة لأصحاب القرار للالتزام بواجبهم ورفع الوصاية اللاشرعية عليهم».


وأضاف رحابي معلقا: «الرئيس استخف قومه فذكره بأن السيادة الحقيقية للشعب الفاعل السياسي بامتياز وصاحب القرار الأخير وأن الشارع فصل في الأمر للخروج من الانسداد السياسي وأدخل الجزائر في عهد ما بعد بوتفليقة والرئاسة مدى الحياة».
مطالب المحتجين تجاهلها الرئيس بوتفليقة الذي أكد من خلال رسالة تلاها نيابة عنه وزير الداخلية نور الدين بدوي خلال احتفالية بذكرى تأميم المحروقات وتأسيس اتحاد العمال الجزائريين المصادف لـ24 فبراير (شباط) من كل عام أنه متمسك بالاستمرار من أجل استكمال برنامجه التنموي.
وفي تصريح أثار جدلا واسعا، قال المكلف بهيئة تسيير الحزب الحاكم «جبهة التحرير الوطني» معاذ بوشارب إن «الله يرسل في كل مائة عام للأمة من يجدد لها أمر دينها، وكذلك أرسل بوتفليقة للأمة الجزائرية ليجدد لها نهضتها»، واتهم المعارضة بمحاولة زرع البلبلة وإثارة الفتنة، وخاطبهم بقوله «انتم تحلمون، هنيئا لكم نومكم».
وخلال تلاوته لبيان السياسة العامة للحكومة دافع الوزير الأول أحمد أويحيى أمام نواب البرلمان عن حصيلة الرئيس بوتفليقة، وناشد الجزائريين التحلي بالحذر واليقظة تجنبا لأي انزلاقات قد تحدث خلال المسيرات، مؤكدا أن «الدستور يضمن للمواطنين حق التجمهر السلمي في إطار القانون».
وبرر أويحيى دعوته للتحلي باليقظة كون النداء للتظاهر برأيه «يأتي من مصادر مجهولة»، ومن جهة أخرى قال أويحيى إن «بوتفليقة في رسالة ترشحه للرئاسيات القادمة أعلن في حال تزكيته من طرف الشعب الجزائري لعهدة رئاسية جديدة على تنظيم ندوة وطنية للإجماع ستكون غير مسبوقة في تاريخ البلاد، وأنها ستكون مفتوحة للجميع لمناقشة كل ما يراد مناقشته باستثناء الثوابت الوطنية والنظام الجمهوري للدولة». مؤكدا أن «هذه الندوة ستكون أيضا فضاء للسياسيين والتنظيمات الاجتماعية والاقتصادية ولممثلي الشباب لتقديم مقترحاتهم بغية صنع التغيير في البلاد من خلال اقتراح تعديل دستوري قد يكون جذريا».
لكن الوعود التي تقدم بها الرئيس بوتفليقة من خلال وزيره الأول لم تلق ترحيبا واسعا لدى معارضيه الذين يعتبرون أن هذه الوعود مجرد طعم لاستدراجهم من أجل المشاركة في الانتخابات، وعدم إزعاج السلطة في هذا الاستحقاق الرئاسي الهام في تاريخ البلاد.
الاحتجاجات لم تتوقف في يوم 22 فبراير بل تواصلت، حيث شهدت الأحد العاصمة تجمعا دعت إليه مجموعة «مواطنة» وهي تنظيم يجمع كثيرا من الأحزاب والشخصيات السياسية المعارضة، وتم تطويق المظاهرة من طرف قوات الأمن التي استعملت الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.
لكن الحدث الأبرز صنعه طلاب الجامعات الذين خرجوا بالآلاف يوم الثلاثاء الماضي 26 فبراير مرددين شعارات رافضة لترشح بوتفليقة على غرار «صامدون صامدون للعهدة الخامسة رافضون»، و«جزائر حرة ديمقراطية»، و«سلمية سلمية».
المعارضة هي الأخرى لم تفوت الفرصة للتعبير عن تضامنها مع حراك الشعب رغم تأكيد المتظاهرين على أن حراكهم لا يمثل أي جهة أو حزب، وفي بيان له أكد حزب العمال الذي تترأسه التروتسكية لويزة حنون أنه «لا يمكن للسلطة أن تتجاهل هذه الرغبة العميقة للغالبية الواسعة من المجتمع أو عرقلتها».
من جابنها، دعت حركة مجتمع السلم المحسوبة على «حركة الإخوان المسلمين» في بيان لها، السلطة إلى الاستجابة لمطالب المتظاهرين المتصاعدة والعدول عن العهدة الخامسة.
وجاء في بيان للحركة نشر عبر موقعها الرسمي أن «المكتب التنفيذي الوطني، اجتمع في 26 فبراير، لدراسة مستجدات الساحة السياسية، حيث دعا السلطة الحاكمة في البلاد إلى ضرورة الاستجابة لمطالب المتظاهرين المتصاعدة بالعدول على فرض العهدة الخامسة تفادياً لأي مغامرة بالبلد وأمنه واستقراره». كما «ثمن الحراك السلمي والحضاري لكل الفئات المجتمعية من طلبة ومحامين وصحافيين تنديدا بالعهدة الخامسة»، داعيا إلى «ضرورة استمرار المقاومة السلمية بكل أنواعها لفرض سياسة الأمر الواقع».
رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله اعتبر أن «الانتفاضة الشعبية السلمية الآخذة في الانتشار والتصاعد هي اليوم أمل الأمة في إصلاح أوضاعها وأحوال بلدها والتحرر من الاستبداد ورجاله المفلسين الذين كانوا سببا في كل ما لحق بها من ذل وضرر»، ويرى جاب الله أن «مطلب إلغاء العهدة الخامسة ما هو إلا مقدمة للمطالب اللازمة والمشروعة لإصلاح أحوالها السياسية والاجتماعية».


وفي ظل هذه الدعوات، أطل مدير الحملة الانتخابية لبوتفليقة ليعلن أن الرئيس سيقوم بإيداع ملف ترشحه يوم الثالث من مارس (آذار) القادم لدى المجلس الدستوري، وقال أمام مؤيديه بفندق الرياض بالعاصمة الجزائر إن بوتفليقة «سيودع ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية يوم 3 مارس القادم إلى جانب الفرسان الآخرين لدى المجلس الدستوري الذي هو سيد في قراره»، وأوضح أنه «لا أحد بإمكانه إلغاء العمل بمضمون الدستور، ومن حق المجاهد عبد العزيز بوتفليقة الترشح لاستحقاقات 18 أبريل». وأضاف أن «حق الترشح مكفول دستوريا لكل مواطن جزائري وهو مكسب يجب المحافظة عليه واحترامه في إطار قوانين الجمهورية والعمل الديمقراطي». وأوضح أن «المجتمع المدني سيشارك بقوة في ندوة الوفاق الوطني التي يعتزم الرئيس تنظيمها في حالة إعادة انتخابه».
في ظل هذا المشهد، وفي ظل حالة الاستقطاب الحاد بين دعاة العهدة الخامسة ورافضيها، يطل نائب وزير الدفاع وقائد الأركان الفريق قايد صلح ليوجه رسالة إلى الجزائريين تعهد فيها بـ«توفير كافة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الرئاسية في كنف الهدوء والسكينة».
وفي كلمة توجيهية بثت إلى جميع وحدات الناحية العسكرية السادسة، عن طريق تقنية التحاضر المرئي عن بعد، أكد الفريق قايد صالح أن «ثمن استرجاع أمن الجزائر واستقرارها كان عظيما وكبيرا، وأن الحفاظ على هذا المكسب الغالي جدا ينبغي أن يكون على الأقل في مستوى الثمن المدفوع».
وتابع رئيس الأركان قائلا: «إن العقل السليم والتفكير السوي والموضوعي، يستدعي بالضرورة النظر والتأمل في الحصيلة الأمنية المحققة، بعد سنوات الجمر التي مرت بها الجزائر، فالحصيلة تؤكد أن مهر استرجاع أمن الجزائر واستقرارها كان عظيما، وتؤكد مدى تماسك الشعب مع جيشه وترابطهما فكرا وعملا، وتؤكد تلازم طريقهما وارتباط مصيرهما، وتلاحم بل وتوحد نظرتهما نحو المستقبل، فكلاهما واحد لأن الوطن واحد، وذلكم هو سر قوة العزيمة وصلابة الإرادة التي بها تم استرجاع أمن الوطن وانتزاعه انتزاعا من بين براثن دنس الإرهاب، فانطلاقا من هذا الإصرار القوي الذي يحدونا في القوات المسلحة على حفظ الجزائر وحمايتها من كل مكروه، تعهدت شخصيا كمسؤول في الجيش الوطني الشعبي أمام الله والشعب وفخامة رئيس الجمهورية، قلت، تعهدت على توفير كافة الظروف الملائمة التي تسمح بإجراء الانتخابات الرئاسية، في كنف الهدوء والسكينة والأمن والاستقرار».


وبسبب التعتيم الذي طال المظاهرات خاصة من طرف القنوات الخاصة، فقد شن نشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي حملة واسعة للتنديد بطريقة تعاطي الإعلام المحلي مع حراكهم، واتهموا وسائل الإعلام الخاصة بالانحياز للسلطة للاستفادة من امتيازاتها على حساب مطالب الشعب.
الضغوط التي مورست على الصحافيين في القطاعين العام والخاص دفعت ببعضهم إلى إعلان الاستقالة من مؤسساتهم، بينما رفع عشرات الصحافيين في مؤسسة التلفزيون والإذاعة الحكومية في 26 فبراير صوتهم بالاعتصام في مقر عملهم للتنديد بسياسة التعتيم التي فرضت عليهم أثناء الاحتجاجات الرافضة لترشح بوتفليقة.
من جانبها عبرت منظمة مراسلون بلا حدود في بيان لها الاثنين عن قلقها مما سمته القمع الممارس من السلطات الجزائرية ضد الصحافيين ووسائل الإعلام في محاولة التعتيم الإعلامي على المظاهرات الشعبية التي تشهدها الجزائر منذ 22 فبراير.
وقالت المنظمة إن «السلطات تبذل كل ما في وسعها لتكميم الصحافيين ووسائل الإعلام الذين يريدون الإدلاء بشهاداتهم بشأن المظاهرات الحاشدة التي تهز البلاد ونقلت منع كثير من الصحافيين من التغطية وتعرض بعضهم للاعتداء العنيف على أيدي ضبط الشرطة».


اشترك في النقاش