كتاب جديد يعترف بـ«فضل الخرافة»

بعد أن ربط المفكرون بينها وبين التخلف والانحطاط الفكري

* لا توجد ثقافة يمكن أن توصف بأنها «ثقافة خرافية» وأخرى «ثقافة علمية»، فالثقافات أراضٍ واسعة تنمو فيها كل النباتات الممكنة.


* الخرافة لا تقف على النقيض من العلم، فليس صحيحًا أنه إذا قالت الخرافة: يمين، فإن على العلم أن يقول: يسار إذا ابتغى الصواب.

 
القاهرة: في كتاب ينحو منحى مختلفاً عن السائد في الفكر العربي، وربما في كثير من الثقافات العالمية، تصدر الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة، كتابا مثيرا للجدل للكاتب المصري هشام عبد العزيز، بعنوان «فضل الخرافة»، وهو العنوان الذي توقف الكاتب نفسه أمامه في مقدمة كتابه، حين قال: «ربما نظر بعض القراء إلى عنوان الكتاب بشيء من الغرابة؛ حيث إن كثيرا من مثقفي العرب وبعض المفكرين في الغرب ينظرون إلى الخرافة باعتبارها من المفاهيم الدالة على انحطاط العقل، ففي الوقت الذي يرى فيه كثيرون العقل ربيب الموضوعية والانضباط والتقدم، ينظرون إلى الخرافة باعتبارها ابنة طبيعية للتخلف والفوضى المعرفية وانعدام الاتساق».
إزاء هذا التصور عند كثير من القراء بل وعند كثير من المثقفين، وضع الكاتب هشام عبد العزيز تصوره المبدئي الذي بنى عليه فكرته الأساسية لهذا الكتاب.. «وهي في الحقيقة مجموعة من الأسس المعرفية التي لم أستطع الفكاك منها طوال عملي في هذا الكتاب الصغير المرهق... فقد أخذت – في بداية البحث - جانب الرافض للفكرة المبدئية التي أدافع عنها الآن، ولكنني لم أستطع التخلص من سيطرتها عليّ، فاستسلمت في النهاية لسطوتها القوية على عقلي... حتى إنني بتّ أصفها في نهاية المطاف بـ(الأسس فوق العقلية)، أو (فوق العلمية) (Meta science)، إن جاز لي استخدام هذا التعبير»..
أول هذه الأسس التي تبناها هشام عبد العزيز، أن الخرافة لا ترتبط بمرحلة من عمر البشرية، بقدر ما ترتبط بمرحلة من عمر كل إنسان من البشرية، وأحيانًا ما ترتبط بحالة نفسية أو اجتماعية للفرد الواحد؛ أكثر حتى من ارتباطها بطبيعة الثقافة نفسها. أي إن كل إنسان في كل عصر لا بد له من مرحلة عمرية يجنح فيها تفكيره إلى الأبعاد الخرافية، سواء في استقباله العالم من حوله، أو محاولته تطويع هذا العالم. وربما ارتبطت التصورات الخرافية بحالة إنسان ما بغض النظر عن مرحلته العمرية..
ثاني هذه الأسس «فوق العلمية» أنه لا توجد ثقافة يمكن أن توصف بأنها «ثقافة خرافية» وأخرى «ثقافة علمية»، فالثقافات أراض واسعة - حسب عبد العزيز - تنمو فيها كل النباتات الممكنة، بل إن الثقافة - أي ثقافة - لن تكون علمية إلا بقدر سماحها بوجود أفكار خرافية تستطيع منح قاعات الدرس العلمي آفاقًا أوسع للخيال، وهو ما اعتبره عبد العزيز من أفضال الخرافة على معامل العلماء ونظرياتهم.
ثالث هذه الأسس المرتبط ارتباطًا وثيقًا بما قبله، أن الخرافة لا تقف على النقيض من العلم، فليس صحيحًا أنه إذا قالت الخرافة: يمين، فإن على العلم أن يقول: يسار إذا ابتغى الصواب، بل ربما اتفقا معا، فقط إذا ما اتسم المدافعون عن كليهما بشيء من التسامح الإنساني- الثقافي. وإلا فبم تفسر بعض الراحة النفسية لمريض مارس (آذار) طقوس الزار، أو نوم مريض يعاني صداعًا نصفيًا قرئت على رأسه رقية من الرقى في أي ثقافة أو وفق أي ديانة.
ربما سمح هذا المبدأ الأخير (رفض التضاد بين الخرافة والعلم)، بالنظر إلى التضاد المفتعل بين الخرافة والدين، فليس كل ما هو خرافي يخاصم المقولات الدينية، فلو نظر المتدينون – بخاصة أهل الديانات السماوية - إلى الخرافة باعتبارها هرطقات، فليس هناك ما يدعم مثل هذا التصور غير مقولات يحكم عليها أهل العلوم الطبيعية باعتبارها خرافات مضحكة، فيما كل هذه المقولات – دينية أو خرافية – تحتل مكانة آسرة في التاريخ الثقافي البشري.. ومن السذاجة، كما يقول عبد العزيز، التعاطي مع الخرافة من باب الصدق والكذب، ومن يفعل ذلك، أشبه بمن يريد أن ينظر إلى جبل من ثقب الباب.
يقول هشام عبد العزيز: «هنا تجب الإشارة إلى كثير من المقولات التي ترى اتفاقًا في البنية والتوجه بين الخرافة والدين. وفي الحقيقة تعاني المعرفة الإنسانية – والعربية منها على وجه الخصوص – من ثنائية متخاصمة طوال الوقت، بين من يرى الدين مخاصمًا للخرافة، كما أسلفنا، ومن يراه صنوًا للخرافة، كأدعياء العلمانية وكثير من اليسار العربي. ونحن إذا عرضنا للموقف الأول – الخصومة المدّعاة بين الخرافة والدين – ورفضناه، فإن الاتفاق بين الاثنين في البنية والتوجه هو الآخر تصور – في نظرنا - يشوبه كثير من العوار... إن الاتفاق بين الخرافة والدين أحيانا لا يجعلهما واحدًا، كما أن الاختلاف بينهما ليس مبررًا للحكم عليهما بالتخاصم، وهو الموقف نفسه الذي يمكن الاطمئنان إليه عند النظر إلى العلاقة الجدلية المعقدة بين الخرافة والعلم».
يشير ما سبق إلى جانب مما يريده هشام عبد العزيز من هذا الكتاب، فثمة «كيانات معرفية منفصلة، لكل منها طبيعته الخاصة المرتبطة وثيقًا بالحاجة البشرية لوجوده، بل – أحيانا – لإيجاده. وليس الكائن البشري هنا أكثر ولا أقل من ماكينة لإنتاج أي منها أو تلقيه. وهو ما يعني - وفق رؤيتنا - أن الكائن البشري في حاجة ماسة لكل هذه المشارب ربما بالتساوي».
وفق ما سبق أيضا يمكن طرح تساؤل حول أي فضل للخرافة يقصد: هل المقصود هنا أن الخرافة أفضل من... أم أن للخرافة أفضالاً على... بما منحته من أدوات وما فتحته من آفاق؟
يجيب هشام عبد العزيز: «لا ريب أن مقصدي هو ذلك المعنى الأخير، فليس للخرافة ميزة على العلم ولا على الدين ولا على السياسة، فكلها مشارب متجاورة في الثقافة الإنسانية يحتاجها البشر ربما بالتساوي، ولكن الخرافة لها في بنيتها ما أتاح للعلم كثيرا أن يفيد منها، وهو الأمر نفسه الذي حدث مع الدين أو مع السياسة، وإن كان العلم والدين قد أفادا من الخرافة للسير خطوات إلى الأمام، فقد استفادت السياسة من الخرافة بوصف الخرافة طاقة (Energy) وسلطة رمزية مكّنت الساسة طوال الوقت من السيطرة على الشعوب وتطويعهم لأنظمة الحكم... وعلى الرغم مما أفاده العلم، وكذلك الدين والسياسة، من الخرافة، فإن هذه المجالات المعرفية لم تقدم للخرافة سوى تكبيل جموحها مرة والازدراء مرات».
ويصارح الكاتب قارئه في مقدمة كتابه بأن عنوانه الأول كان: «فقه الخرافة»، لكنه عدل عن هذا العنوان إلى العنوان الحالي (فضل الخرافة) بسبب ذاك الانحياز المبالغ فيه في الثقافة العربية وفي كثير جدًا من الكتابات الغربية، ضد الخرافة، باعتبارها قرينة التخلف والرجعية، والكفر أحيانًا... «وهو ما رأيت أن أتخذ انحيازًا مضادًا له، يعبر عن وجهة نظري التي أقتنع بها وليست مجرد تعبير عن مقولات جاهزة كتلك التي تنحاز ضد الخرافة».
ويضيف عبد العزيز: «لقد بنيت كتابي هذا على تلك العلاقة الجدلية بين الخرافة والدين، والخرافة والعلم، والخرافة والسياسة، محاولا البحث عن المعنى الذي يمكن بلورته لمفهوم الخرافة».
وينقسم الكتاب إلى مهاد نظري عام يفصل فيه الكاتب القول حول الفارق بين الخرافة والأسطورة التي يرى كثير أنهما شيء واحد.
وبعد هذا المهاد النظري ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول، أولها «الخرافة والدين»، والمقصود الدين الإسلامي، الذي يرى عبد العزيز أن موقفه وموقف نبيه محمد من مفهوم الخرافة كان متوازنًا «إلى حدٍّ فاجأني، وليس أدل عليه من المقولة التي صدّرتُ بها الكتاب للنبي محمد (إنّ أصدقَ الحديث حديثُ خرافة)، وهو ما يتسق مع موقف الإسلام المتسامح مع الخرافة، على العكس من موقفه من الأسطورة».
وفي الفصل الثاني الخاص بـ«الخرافة والعلم» انصب اهتمام الكاتب على ما يمكن أن يفيده العلم من الآفاق الرحبة التي تتيحها المقولات الخرافية، للتقدم خطوات إلى تطوير المقولات العلمية.
أما الفصل الأخير فقد اهتم بالعلاقة النفعية التي تطلبها السياسة من الخرافة، في محاولة الساسة السيطرة على الجماهير. وفي هذا الفصل يطرح الكاتب مقترحا بتأسيس مبحث علمي جديد باسم «علم الفولكلور السياسي»، بهدف دراسة الآداب الشعبية للجماعات بهدف التعرف على طبيعة تعاطيها السياسي: متى يثورون ومتى ينصاعون، وكيف يمكن السيطرة عليهم من خلال خرافاتهم.
يشير ما سبق بوضوح إلى أن الكاتب لا يتخذ موقفًا سلبيًا من الخرافة، ولم يمتلك الجرأة ولم يجد المبرر العلمي للحكم على مفهوم الخرافة دينيًا أو منطقيًا أو أخلاقًيا، كما أنه «لا يظن أن الدفع بمنطقية الخرافة أو عدم منطقيتها، ولا الحكم بحقيقة الخرافة أو زيفها، يمكن أن يدفع بحياة الإنسان إلى الأمام». بل إن عبد العزيز يقول:
«لا يستطيع الإنسان أن يحيا سويا إلا إذا اشتملت معارفه على كل هذه المكونات التي تبدو متعارضة أحيانا، لكنه في الحقيقة تعارض سطحي خادع يغطي تحته تضافرا كبيرًا. وربما كان الصراع الحقيقي في محاولات السيطرة المستمرة من طرف على بقية الأطراف، كأن يحاول الدين أن يكون هو الموجّه لحركة المعرفة الإنسانية، وربما كان العلم هو صاحب المبادرة في محاولة السيطرة، وربما كانت الخرافة. لكن ما لا شك فيه أن الخيال البشري هو الجندي المجهول الذي يحاول الجميع الاستفادة من نشاطه الدائم غير المحدود والذي لا يجد من يتكلم باسمه دائما».
 


اشترك في النقاش