ليبيا والثلاثية العربية... مستهدفات الحل ومعوقاته

مرجعيات حاكمة وتحديات قائمة
* قبل انعقاد «القمة العربية» المقررة نهاية الشهر الجاريواستكمالا لمبادرة الرئيس قائد السبسي... جولة جديدة لوزراء خارجية تونس والجزائر ومصر لبحث مستجدات الأوضاع الليبية وآفاق الحل السياسي لتسوية الأزمة.
* سامح شكري: الإطار الثلاثي للجوار المباشر للدولة الليبية هو الأكثر قدرة على التعامل مع تفاصيل الأزمة وتطوراتها، دون إغفال دور كل من السودان وتشاد والنيجر فضلا عن اللاعبين الدوليين والإقليميين.
* يجب أن تركز مرجعيات الحل كذلك على كيفية تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية للشعب الليبي، فإعادة بناء الاقتصاد خطوة مهمة لإنجاح الآلية الدولية والإقليمية
* إعادة بناء الدولة الليبية أمر ممكن إذا تحقق توافق دولي وإقليمي واسع المدى... وتوافق الأطراف الليبية الوطنية أيضاً.

طرابلس – تونس: على مقربة من اجتماعات القمة العربية في دورتها العادية الثلاثين والمقرر عقدها في العاصمة التونسية في نهاية مارس (آذار) الجاري (2019)، واستكمالا للمبادرة الثلاثية العربية لحل الأزمة الليبية والتي أطلقها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، والهادفة إلى إدارة الملف الليبي في إطار ثلاثية جوارية تعاني من انعكاسات استمرار تفاقم الأوضاع على أمنها القومي، عُقدت في السادس من مارس الجاري بالقاهرة جولة جديدة لوزراء خارجية الآلية الثلاثية العربية (مصر وتونس والجزائر)، حيث اجتمع الوزير المصري سامح شكري مع كل من: خميس الجهيناوي وزير خارجية تونس، وعبد القادر مساهل وزير خارجية الجزائر، لبحث مستجدات الأوضاع الليبية وآفاق الحل السياسي لتسوية الأزمة.
وإذا كان توقيت عقد الاجتماع يسبق القمة العربية المرتقبة، فيصبح ثمة تساؤل مهم يتعلق بما خرج به اللقاء من رؤى يمكن وضعها أمام هذه القمة؟ ويرتبط به تساؤل آخر حول قدرة هذه الآلية الثلاثية على إيجاد حلول للأزمة الليبية بأبعادها المتشابكة؟ بمعنى أكثر تحديدًا هل يمكن أن تنجح هذه الآلية في احتواء الأزمة وتفاقماتها أم ثمة مسارات أخرى متزامنة أو متوازية أو مكملة يمكن سلوكها لحلحلة هذه الأزمة؟ وفي خضم الإجابة على هذه التساؤلات، ينقسم التقرير إلى محورين:


 
أولا: الآلية الثلاثية الوزارية وحل الأزمة الليبية... قراءة في إعلاناتها
انطلقت الآلية الوزارية الثلاثية لحل الأزمة الليبية باجتماعها الأول لوزراء خارجية الدول الثلاث في العاصمة التونسية في فبراير (شباط) 2017. ذلك الاجتماع الذي مثل الأرضية الرئيسية لرؤى الأطراف الثلاثة حيال الأزمة وتطوراتها، إذ وضع الإعلان الصادر عن هذا اللقاء والمعنون بـ«إعلان تونس» في 20 فبراير 2017 مجموعة من المرجعيات الحاكمة لموقف الدول الثلاث في كيفية إدارة الملف الليبي، وهي ذات المرجعيات التي ظلت حاكمة لكافة الإعلانات الصادرة فيما بعد في ختام تلك اللقاءات، بدءًا من إعلان الجزائر الصادر في 6 يونيو (حزيران) 2017، مرورًا بإعلانات صادرة عن الاجتماعات الدورية بين وزراء الخارجية الثلاثة، ومنها إعلان القاهرة الصادر في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 وإعلان تونس الصادر في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2017، ووصولا إلى إعلان القاهرة الأخير الصادر في 6 مارس 2019. وتمثلت هذه المرجعيات فيما يأتي:

  • مواصلة الجهود لتحقيق مصالحة في ليبيا دون إقصاء لأحد، وذلك برعاية الأمم المتحدة ودول الجوار الثلاث.

  • التمسك بالاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات بالمملكة المغربية عام 2015. باعتباره إطارا مرجعيا، مع مناقشة أي تعديلات مقترحة على هذا الاتفاق شريطة تحقيق التوافقية بين الأطراف الليبية.

  • رفض أي حل عسكري للأزمة، وأي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية الليبية، باعتبار أن التسوية لن تكون إلا بين الليبيين أنفسهم التزاما بمبدأ «الملكية الليبية للعملية السياسية».

  • العمل على دعم مؤسسات الدولة الليبية ووحدة ليبيا والجيش الليبي وحفظ الأمن، وذلك منعا لتردي الأوضاع لما لها من انعكاسات على أمن واستقرار ليبيا والمنطقة برمتها حيث تصب في مصلحة الجماعات الإرهابية، وتمنح لها مجالا لتوسيع أنشطتها الإجرامية.

 
ثانيا: «الآلية الثلاثية العربية الأقدر على حل أزمة ليبيا»... هل تكفي؟
هذا العنوان هو قول وزير الخارجية المصري في نهاية الاجتماع الأخير للثلاثية العربية في مارس 2019. إدراكا منه بأن الإطار الثلاثي للجوار المباشر للدولة الليبية هو الأكثر قدرة على التعامل مع تفاصيل الأزمة وتطوراتها، دون أن يعني ذلك أن الحل سيكون من جانب هذه الأطراف فحسب، إذ إنه لا يمكن إغفال دور كل من اللاعبين الدوليين والإقليميين فضلا عن دور الجوار غير المباشر، بل إضافة إلى ثلاثية جوارية مباشرة أخرى لم تشارك في الآلية العربية في حين أن لها دورا في دعم بعض الأطراف الليبية أو لديها تعاون مع أطراف أخرى معنية بالملف الليبي من غير دول الجوار، ويقصد بهذه الثلاثية كل من «السودان - تشاد – النيجر»، صحيح أن أدوارها ليست على النحو الكبير الواضح نظرا لظروف كل منها، إلا أنه من الصعوبة بمكان إغفال جوارها وتأثيره على الملف الليبي.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إنه إذا كان صحيحًا ما ذكره وزير الخارجية المصري، سامح شكري، بأن هذه الآلية الثلاثية هي الأقدر على حل الأزمة الليبية إلا أنه من الصحيح كذلك أن هذا الحل لن يكون قابلا للتطبيق بسهولة حتى في حال قبول الأطراف الليبية كافة به، وذلك في ظل غياب أدوار الفاعلين الآخرين في الأزمة، وهو ما يتطلب إعادة إحياء مجموعة دول الجوار الليبي التي تم تشكيلها عام 2014 أثناء القمة الأفريقية في غينيا الاستوائية، وضمت كل دول الجوار الليبي (مصر والجزائر وتونس والسودان وتشاد والنيجر). على أن يضاف إلى هذه الآلية المبعوث الأممي، لنكون بذلك إزاء آلية سباعية لتصبح بمثابة الأداة الرئيسية في التوصل إلى تفاهمات مع الأطراف الليبية على أرضية مشتركة تهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا، ووفقا للمرجعيات السابق الإشارة إليها، والواردة في الإعلانات الصادرة عن اجتماعات الآلية الثلاثية، وهو ما تتفهمه مصر جيدا كما أشار إلى ذلك وزير الخارجية المصري بقوله: «نتواصل مع كافة الأطراف الفاعلة ونعول على إطار دول الجوار المباشر والجوار الأوسع الذي يضم كافة دول الجوار».
إذن من المهم التحرك في هذا المسار الأوسع الذي يضم الجوار المباشر كافة، إذ إنه من دون هذا المسار ستظل الأزمة الليبية تراوح مكانها وتدور في دائرة مفرغة تسمح للتنظيمات الإرهابية التي ضاق عليها الخناق في العراق وسوريا للانتقال إلى ليبيا بتمدداتها، بما يعني توسيع الدائرة بشكل أكبر لتمتد مخاطرها ليس فقط إلى الجوار المباشر وإنما إلى الجميع، وخاصة إلى الجنوب الأوروبي على الشاطئ الآخر للبحر المتوسط، وهو ما دفع القمة العربية الأوروبية الأولى المنعقدة في القاهرة في فبراير 2019 إلى مطالبة كافة الليبيين بالانخراط في الجهود التي تقودها الأمم المتحدة لتنفيذ الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015، خوفا من اتساع دائرة الإرهاب وتأثيراتها على الأطراف كافة.

كما أنه من المهم كذلك أن يكون هناك تنسيق مشترك بين هذه الآلية السباعية المقترح إعادة أحيائها والآلية الحوارية الرباعية بشأن الأزمة الليبية والتي تضم كلا من (جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة)، شريطة أن تكون هناك آلية رئيسية تدير الأزمة وتشارك معها الأطراف الأخرى، وذلك نظرا لأن تزامن تعددية تلك الآليات لحل أي أزمة لا يؤدي في كثير من الحالات إلى حلحلتها، وإنما قد يؤدي إلى تفاقمها وتعقد أبعادها، ويرجع ذلك إلى عاملين؛ الأول: أن تزامن هذه التعددية قد يؤدي إلى تكرارية الجهود المبذولة وتعددية الرؤى المطروحة من جانب أعضاء كل آلية، قد يصل إلى حد التعارض في بعض هذه الرؤى وهو ما قد يعرقل أي حلول يمكن أن تكون قابلة للتطبيق. أما العامل الثاني، فقد تسمح تعددية تلك الآليات للأطراف سواء كانت أطرافا إرهابية أو مستفيدة من استمرار الأوضاع وتدهورها، للتحرك بين أعضاء هذه الآليات لتعظيم استفادتها أو تحقيق أهدافها على حساب المواطن الليبي ومستقبل الدولة الليبية، من خلال لعب دور المماطلة أو إفشال أي مجهودات يمكن أن تتحقق على أرض الواقع من جانب هذه الآليات السلمية.
في ضوء ما سبق، تتطلب الأزمة الليبية التي تتفاقم أبعادها وتتسع دائرة تأثيراتها في ظل تباين مواقف الأطراف الفاعلة والمؤثرة فيها، أن تكون هناك آلية رئيسية تكون قادرة على التعامل مع كافة أطراف الأزمة، ومناقشة كافة محاورها وأبعادها. ويُقترح أن تكون الآلية الرئيسية هي الآلية السباعية وتتكامل معها جهود مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وذلك نظرا لكون أطراف الآلية السباعية هم الأكثر معاناة من الأزمة وتفاقماتها، وكذلك هم الأكثر استفادة من حلها واستقرار أوضاعها، وهم أيضا الأكثر قدرة على التفاهم مع مختلف الأطراف الليبية، وهذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بقوله: «نحن على تواصل مستمر ثنائيا أو جماعيا مع المبعوث الأممي والأطراف الدولية الفاعلة لإرساء المبادئ المتضمنة في البيانات الصادرة للعمل ككتلة واحدة من أجل تحقيق هذه المصلحة».

وفي السياق ذاته، من الأهمية بمكان الإشارة إلى ضرورة أن تركز مرجعيات الحل كذلك على كيفية العمل على تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية للشعب الليبي، إذ تعتبر إعادة بناء الاقتصاد الليبي خطوة مهمة في إنجاح جهود الآلية الدولية والإقليمية لاستعادة الاستقرار والأمن. صحيح أن الاستثمارات تحتاج إلى استقرار سياسي وأمني، إلا أنه من الصحيح أيضا أن أحد مرتكزات الأمن والاستقرار هو تلبية الاحتياجات المعيشية للمواطنين الليبيين وهو ما لن يتحقق إلا في ظل إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية الليبية خاصة في تلك المناطق التي يسيطر عليها الجيش الليبي بعيدا عن ساحات المعارك.
نهاية القول إن إعادة بناء الدولة الليبية التي تفككت منذ أزمة أحداث 2011 بأبعادها المختلفة، يظل أمرا ممكنا إذا تحقق شرطان: الأول، توافق دولي وإقليمي واسع المدى بين الأطراف المنغمسة أو المتدخلة في الأزمة الليبية على المرجعيات التي تحكم عمل الثلاثية العربية التي من المطلوب توسيعها لتصبح آلية سباعية كما سبقت الإشارة. والثاني، توافق الأطراف الليبية الوطنية أيضا على تلك المرجعيات.

 


اشترك في النقاش